الذهاب إلى طهران بعيون أميركية

التفاصيل

زينـب الصفًـار: غمامات ثقافية وأساطير لطالما خيّمت على وجهات النظر الأميركية تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران. إلاّ أن كتاب "الذهاب إلى طهران: لماذا ينبغي على أميركا أن تتصالح مع الجمهورية الإسلامية في إيران؟" يكشف هذه الغمامة. الذهاب إلى طهران، "من الداخل". معكم زينب الصفار، تابعونا.  

هي من الخبراء الأميركيين في شؤون الشرق الأوسط الأكثر دراية وتأثيراً. شغلت منصب مديرة شؤون إيران وأفغانستان والخليج في مجلس الأمن القومي الأميركي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق "جورج بوش" الأبن، هي "هيلاري مان لافريت"، إحدى القلائل المكلفين التواصل والتفاوض مع الإيرانيين في السنوات الأولى من حرب أفغانستان من موقعها كخبيرة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأميركية والمستشارة السياسية لدى البعثة الأميركية في الأمم المتحدة. تتمتّع "مان" بخبرة أكاديمية وقانونية وتجارية وديبلوماسية تتعدّى العشرين عاماً بالإضافة إلى خبرة سياسية واسعة في قضايا الشرق الأوسط. بالتعاون مع زوجها "فلينت لافريت"، المحلّل السابق لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الـC.I.A. ، حرّرت العديد من المقالات عن إيران وروسيا وكلّ منطقة الشرق الأوسط. كان آخر نتاجهما معاً كتاب "الذهاب إلى طهران" الذي يناقشان فيه أنّه على أميركا أن تتخلّى عن 30 عاماً من الاستراتيجية الفاشلة تجاه إيران والتواصل الجدي معها بأُسلوب التقارب نفسه الذي انتهجه الرئيس "نيكسون" مع الصين. بسبب آرائها حيال إيران، تعرّضت لهجوم قاسٍ، وحتّى عند نشر الكتاب نُصحت بالإقلاع عن قول "الجمهورية الإسلامية في إيران"، والاكتفاء بإيران فقط. كما وتمنوا عليها الإشارة إلى ما وصفوه بالأفعال المشينة التي مارستها الحكومة الإيرانية كما يزعمون. إلاّ أن السيّدة "لافريت" رفضت النصائح تلك لأنها تخالف قناعاتها ، فما كانت تداعيات ذلك عليها؟

زينـب الصفًـار: "هيلاري مان لافريت" المسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي الأميركي والخبيرة في شؤون إيران والشرق الأوسط، أهلاً بك في برنامج "من الداخل".   

هيلاري مان لافريت: شكراً لك على استضافتي

زينـب الصفًـار: على الرحب والسعة. في الواقع، أنت وزوجك (فلينت لافريت) أوسع خبراء الشرق الأوسط معرفة وأكثرهما تأثيراً . شاركت أيضاً في تأليف كتاب "الذهاب إلى طهران"، ما هي الدوافع الحقيقية لتأليف هذا الكتاب؟ لاسيما وأن الكثيرين من معسكرات مختلفة، سواء كانوا من الجمهوريين أم من الديمقراطيين، يعارضون إلى حد ما وجهات نظرك.

هيلاري مان لافريت: هناك عدة كتل ناخبة في الولايات المتحدة لا تتفق معي، لكن ما ثبت أنه واقعي مع مرور الوقت هو أن طريقة الولايات المتحدة في الذهاب إلى الحرب، هي لا تقول بأنها ذاهبة إلى الحرب لحماية مصالحها بل تقول بأنها ذاهبة إلى الحروب لتعمل على تحرير الشعوب، سواء كانت هذه الشعوب في كوبا أو فيتنام أو العراق أو مستقبلاً في إيران، والطريقة التي يجري بها تكييف الرأي العام الأميركي للقبول وكذلك الرأي العام العالمي هي في أنّ الخبراء الأميركيين يؤلّفون سرداً عن هذه البلدان المختلفة سواء كانت كوبا أو فيتنام أو العراق والآن إيران. إنهم يضعون سرداً يروي إلى أي مدى تتعرّض فيه تلك الشعوب للظلم، ومدى انعدام شرعيّة تلك الحكومات قياساً على تشريعاتها المحليّة ، وكم هي غير منطقية في إدارة سياساتها الخارجية. وقد شاهدنا ذلك في دولة تلو الأخرى من الدول التي اجتاحتها الولايات المتحدة أو حاولت اجتياحها لإسقاط نظامها. في ما يتعلّق بالجمهوريّة الإسلامية في إيران، كنت من بين الموظّفين الأميركيين القلائل الذين كانت لهم تجربة واقعية

زينـب الصفًـار: بين عامي 2001 و 2003

هيلاري مان لافريت: أجل، بين عامي 2001 و 2003. كنت من الموظفين الأميركيين القلائل المسموح لهم بالتفاوض والحوار مع المسؤولين الإيرانيين. لم التق قط حينها بأي مسؤول إيراني قبل ذلك، كنت ألتقي دائماً بالإيرانيين المنفيين الذين ربما غادروا من إيران لأسباب محقّة، ولكنهم كانوا في الولايات المتحدة وكانوا يكرهون نظام الجمهورية الإسلامية ويرغبون برؤيته ينهار. لم ألتق سابقاً إلاّ بمثل هؤلاء الناس، ولم أقرأ كتباً إلاّ لمثلهم. ثم سنحت لي للمرة الأولى فرصة كي أستمع وأُحاور إيرانيين يؤيّدون الجمهورية الإسلامية . تلك التجربة وفّرت الكثير من المعلومات للأبحاث والدراسات التي تابعناها زوجي وأنا خلال عشر سنوات كي نتأكد إذا كان ما صحّ حول بقية الدول يصح أيضاً على إيران وصحّة ما يقوله ما يسمّى بالخبراء من أن الشعب يكره النظام وهو على وشك الانهيار، وما إذا كانت الجمهورية الإسلامية غير عقلانية في سياستها الخارجية وأنه لا يمكنها أن تديرها بطريقة عادية ، وإنها معزولة ضمن محيطها وأنه سيكون من السهل على الولايات المتحدة إسقاطها. وهكذا في خلال عشر سنوات، "فلينت" وأنا تابعنا أبحاثاً متقدمة إضافة إلى المقابلات واستمعنا إلى شريحة واسعة من الإيرانيين وغيرهم في شؤون الشرق الأوسط ووقفنا على آرائهم، وجمعنا كلّ ذلك في الكتاب، وبوّبنا وفقاً لرؤيتنا ثلاث خرافات أساسية يتبناها معظم ما يسمّي "خبراء غربيون وأميركيون" حول الجمهورية الإسلامية

زينـب الصفًـار: ما هي؟

هيلاري مان لافريت: الخرافة الأولى هي أن النظام الإسلامي في إيران هو نظام سياسي غير عقلاني وغير ناضج وانتحاري، وهو عازم على تطوير سلاح نووي ليدخل التاريخ كأوّل أمة تنتحر باستخدام ذلك السلاح لمُهاجمة إسرائيل، وأن الإيرانيين مجانين إلى هذه الدرجة في سياستهم الخارجية. لذا، أول ما بدأنا به هو التحرّي حول هذه الخرافة الأولى والتدقيق في ما نعتقد أنها معطيات أكثر جدية حول الكيفية التي تدير بها الجمهورية الإسلامية سياستها الخارجية. المجموعة الثانية من الخرافات تتعلّق باللا شرعية، أي أن نظام الجمهورية الإسلامية في إيران لا يحظى بالشرعية ، وأنه منذ سقوط (الشاه)، جرى فرض هذا النظام الديكتاتوري على الشعب . الفكرة الرائجة في الولايات المتحدة ومعها معظم الدول الغربية كما أظن، أن معظم الشعب الإيراني، في حال سنحت له الفرصة، لن يرغب بحكومة إسلامية

زينـب الصفًـار: أجل

هيلاري مان لافريت: إذاً، المبدأ الذي يستندون إليه هو أن نظامهم السياسي غير شرعي. لذا، سلكنا الطريق نفسه ونظرنا إلى ماهية المعلومات التي استندوا إليها، معطيات أساسية حديثة وإحصائيات وضعتها الأمم المتّحدة في مقرّها في الولايات المتحدة، وأردنا معرفة حقيقة الوضع، وأردنا أن نروي قصة أكثر أهمية ليس على الشرعية وحدها وكيف أن الكثير من الإيرانيين ، بل غالبيّتهم، داخل الجمهورية الإسلامية، يعتبرون نظامهم شرعياً، كما إنه مصدر إعجاب لمن هم خارج حدود إيران. هذه كانت المجموعة الثانية من الخرافات. المجموعة الثالثة من الخرافات هي أن معظم الناس في الولايات المتحدة يظنّون أن إيران معزولة جداً. إنها معزولة من قبل جيرانها لدرجة يُمكن فيها للولايات المتحدة أن تتبع سياسة فرض العقوبات الاقتصادية والعسكرية التي ستحظى بتأييد عالمي، وإنها مسألة وقت قبل أن يؤدّي هذا العزل إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية ثم انهيارها على هذا الأساس. ثم نصل إلى الفكرة الأميركية السائدة التي مفادها إن العالم ما هو إلاّ الولايات المتحدة وكل أصدقائها فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، فنبيّن أن هذا ليس صحيحاً في هذه الحالة

زينـب الصفًـار: في كتابك أيضاً (هيلاري)، ذكرتِ أنه على الولايات المتحدة التخلّي عن 30 سنة من العداء والبدء بحوار مع الجمهورية الإسلامية في إيران بما يشابه نموذج التقارب بين الرئيس الأميركي (نيكسون) والصين. كيف يمكنك وصف هذا النموذج؟ ما هي طبيعته؟ وإلى أيّ مدى يمكن تطبيقه واعتماده في ما يتعلّق بالحالة الإيرانية؟

هيلاري مان لافريت: حين بدأنا أبحاثنا ودراستنا لإيران، وكنت لا أزال موظّفة في الحكومة الأميركية وكنّا نناقش المسؤولين الإيرانيين حول أفغانستان و(القاعدة) في العراق. بدأنا أولاً بتسويق ما يُمكن تسميته بـ "الصفقة الرابحة" . كانت الفكرة أنه يجب على الولايات المتّحدة أن تبدأ حواراً مع الجمهورية الإسلامية للوصول إلى اتفاق مع إيران يتناول قضايا سياسية تهمّنا ويمكن للإيرانيين القبول بها حول (حماس) و(حزب الله) وقضايا سياسية ومجموعة أُخرى من القضايا ذات الأهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وإذا ما تمكّنا من الحوار مع الإيرانيين فإن ذلك سيكون بمثابة امتياز لإيران وسيكون هذا أسهل وأفضل للولايات المتحدة . هكذا بدأنا، وبدأناه دون أن تكون لدينا أدنى فكرة عن أنه سيلقى انتقاداً حادا رغم ذلك، كان لدينا بعض التأثير على النقاش، فالناس يتقبّلون الآن بأنه يجب أن يكون هناك حوار، ليس الجميع في الولايات المتحدة، لكن البعض يتقبّل بأنه يمكننا أن نحاور إيران حول أفكار أساسية وإقناعها بالموقف الأميركي الذي يتعلّق بـ(حزب الله) والملفّ النووي والفلسطينيين. لكن (فلينت) وأنا ذهبنا أبعد من ذلك،  واعتقدنا بأن ذلك ليس صحيحاً، أي في مقابل فكرة الحوار مع إيران فإن إيران ستتخلّى عن سيادتها وستتحوّل إلى تابع في سياستها الخارجية للمنظومة الأمنية الأميركية في المنطقة  فقط لأننا كنّا لطفاء وتحاورنا معهم. هذه الفكرة لن تنجح، ويجب على الولايات المتحدة أن تبحث عن شيء أكثر عمقاً من مجرّد الحديث والحوار، وهذا تماماً ما فعله (نيكسون) و(كيسينجر) مع الصين. كان للأميركيين، رغم سياسة عزل جمهوريّة الصين الشعبية لمدة 20 سنة، كانت سياسة الولايات المتحدة أسوأ من التي تنتهجها اليوم مع إيران، حتّى إننا لم نسمح للصين بالمشاركة في الألعاب الأولمبيّة. كانت الأمور بذلك السوء، لكننا كنّا نحاورهم على مستوى السفراء. لقد قلنا للصينيين أنه عليهم أن يستوفوا شروطاً منها أولاّ وثانياً وثالثاً، بعدها يُمكن أن تكون لنا علاقات أفضل.  لكن ما أدركه (كيسينجر) و(نيكسون) كان أن هذا النوع من الحوار سيكرّس الشلل وسيمنع الطرفين من محاولة التقارب لاحقاً. وحين أدرك (نيكسون) أخيراً أنه حتّى وإن كان رافضاً للنظام السياسي الذي أوجدته جمهورية الصين الشعبية لنفسها فإن القدرة الصينية، بعد مئات السنين من السيطرة الأجنبية، تستطيع بناء نظام سياسي يدافع بشراسة عن استقلاله وله سيادة ويلاحق مصالحه كما يراه هو، وهذا أمر كان على الولايات المتحدة القبول به من دون أن نشترط أن يساعدنا الصينيّون في مواجهة الاتحاد السوفياتي، ومن دون أن يشترط علينا الصينيون أن نساعدهم في قضايا تايوان وفيتنام، لكن أن نقبل بالصين كما هي

زينـب الصفًـار: كما هي

هيلاري مان لافريت: كما هي، ولهذا نقول بأن هذا ما يجب أن يحصل مع الجمهورية الإسلامية. في الولايات المتحدة، فكرة القبول بنظام إسلامي سياسي لا تزال أمراً مرفوضاً، وأظن أننا لأسباب مهمة جداً فإن القبول بنظام إسلامي سياسي لاسيما إذا كان مستعداً للتعاون كما هو الحال مع الجمهورية الإسلامية، وأنا لا أقول بأنه نظام كامل لكنه لا يزال يحاول

زينـب الصفًـار: ما من نظام كامل، لكن كما تعلمين أنت تقولين أيضاً وتسألين وتحاولين التوضيح في كتابك أنه، حتى لو لم ترغب الولايات المتحدة بالتوجه نحو (طهران) حيث يجب أن تتوجه، عليها أن تتوجه إلى هناك كي تتجنّب نوعاً من الكارثة الاستراتيجية

هيلاري مان لافريت: أجل، لأن صعوبة أن تتقبّل الولايات المتحدة نظاماً إسلامياً هي أنه علينا التخلّي بالمقابل عن متابعة فكرة الهيمنة والتسلّط، تلك الفكرة التي نستخدما ذريعة في ما تسمّى "الإستثنائيّة الأميركية وأن الولايات المتحدة هي قوّة الخير الفريدة في العالم التي يحقّ لها اجتياح دول أُخرى بمعنى "تحريرهما"، علينا التخلّي عن ذلك لأنه علينا أن ندرك أنّ هناك شرعية لأنظمة أُخرى لاسيّما إذا كانت إسلامية، وهذا ينطبق بصورة خاصة على الشرق الأوسط ذاي الأهمية الجيوستراتيجية القصوى. لذا، أحد أسباب حاجتنا إلى فعل ذلك هو أننا فهمنا الشرق الأوسط أكثر، تماماً كما فهم (نيكسون) و(كيسنجر) الصين وآسيا أكثر ، وهو أن السيطرة قد تبدو جميلة من حيث النظرية، إن حصلنا عليها واستطعنا أن نحكم العالم فهذه فكرة تُعجب بعض الأميركيين نظرياً، لكننا لا نستطيع فعل ذلك في الشرق الأوسط لأننا بذلك نتصدّى للإسلام . لا يمكننا فعل ذلك ولا يمكننا إلحاق الهزيمة بهذا، وهذا شيء، من أجل أن يكون للولايات المتحة تأثيرها الاستراتيجي في هذه المنطقة الحيوية من العالم كما نجادل في كتابنا، علينا أن نتقبّل هذا الواقع كما تقبّلنا أنه لا يمكن أن نهزم مليار نسمة في الصين يبغون الحصول على استقلالهم ، إنه وضع مشابه جداً

زينـب الصفًـار: في هذا السياق، أجريتِ مقارنة بين سعي الجمهورية الإسلامية إلى السيطرة وبين سعي (الشاه) إلى الهيمنة الخارجية. وقد قلت هنا، " تنظر الجمهورية الإسلامية إلى العلاقات الإقليمية والدولية وإلى السياسة الإقليمية بعين التوازن "

هيلاري مان لافريت: أجل، هذه فكرة مهمة جداً . بالنسبة إلى الأميركيين الذين قبلوا حتّى الآن بأنه يحتمل أن تكون الجمهورية الإسلامية عقلانية في سياساتها الخارجية وهم يصفونها بأنها سياسة (الشاه) الخارجية نفسها، لا يأخذون بعين الاعتبار البتّه أنّ ثورة حدثت وأن ثقافتها قد تركت بالغ الأثر في السياسة الخارجية. إنهم ينظرون إلى موقع إيران في الشرق الأوسط كنقطة تقاطع بين آسيا وأفريقيا وأوروبا مع كلّ هذه الثروة النفطية والغازية وهذا الشعب المثقّف، وهم يفترضون أنه بسبب هذه العوامل الأساسية حول موقع إيران فمهما كانت طبيعة النظام السياسي في إيران فسيكون له طموحات الهيمنة نفسها، إنهم يقولون ذلك. الأمر مختلف كثيراً في ظلّ نظام الجمهورية الإسلامية. الجمهورية الإسلامية، على خلاف نظام (الشاه)، لم يسبق لها أن اجتاحت دولة أُخرى ولم يسبق لها أن فرضت عقوبات اقتصادية على بلد آخر. لقد اتّبعت سياسة تتضمّن

زينـب الصفًـار: كانت دائماً في موقع دفاعي

هيلاري مان لافريت: تماماً، إنها أكثر ميلاً لتكون سياسة خارجية دفاعية وتستمدّ قوّتها مما يسميه علماء السياسة الأميركيّون بـ "القوّة الناعمة"

زينـب الصفًـار: "هيلاري"، سنتوقّف الآن مع فاصل قصير، وحين نعود سنتحدّث أكثر عن الهجمات التي شُنّت عليك بسبب تأليفك كتابك. سيعود برنامج "من الداخل" بعد الفاصل، إبقوا معنا

مقاطع الحلقة