تحليل

الضغوط المتنامية على السعودية والدول الداعمة لها في الحرب على اليمن، تأخذ أبعاداً غير مسبوقة تنبىء بأن واشنطن لم تعد تستطيع الاستمرار طويلاً في دعم التحالف السعودي في قتل المدنيين. لكن الإدارة الأميركية تسعى جهدها لاحتلال ميناء الحديدة قبل وقف إطلاق النار وفرض الشروط السعودية على صنعاء التي تستطيع قلب المعادلات على طاولة المفاوضات، إذا كسرت العدوان على الحُديدة.

تجاوزت إيران الساعات الأولى لدخول الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية حيّز التنفيذ من دون أن تسجّل الأسواق المالية أو التجارية أيّ تدنٍ في أسعار العملة المحلية مقابل الدولار الأميركي، أو أيّ خلل في الحركة التجارية على عكس ما كان متوقعاً لدى البعض، أو على الأقل ما تنبّأ به وتمنّاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعليقاً على عودة العقوبات الأميركية.

رجالات المؤسسة الأمنية الأميركية أيضا يحملون مسؤولية التدهور الأمني لخطاب الرئيس ترامب الشعبوي والمفرط في السطحية. استضاف معهد الأمن القومي التابع لكلية الحقوق في جامعة جورج مايسون، بضواحي العاصمة واشنطن، جلسة حوارية مطلع الشهر الجاري حول "التهديدات والتحديات أمام المؤسسات الديموقراطية،" شارك فيها المدير السابق للاستخبارات الوطنية، جيمس كلابر، ومدير السي آي ايه الأسبق، مايكل هايدن. كلابر كأن أحد أهداف الطرود المتفجرة.

من هنا كان استباق أنقرة للاجتماع الرباعي حول سوريا، الذي ضم قادة كلٍ من روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا، بالإعلان عن أن المشاركين بهذه القمة "سيركزون اهتمامهم على إيجاد طرق جديدة للتسوية السياسية في هذا البلد". 

خمسة أشهر من أجل إنجاز اللجنة الدستورية السورية ولا جديد، فلا تحددت الأسماء ولا الأعداد منذ الاتفاق على تشكيلها وتوزعها بين قوى حكومية ومعارضة ومجتمع مدني في سوتشي الروسية بداية.

إعلان واشنطن عن الانسحاب من معاهدة "القوات النووية متوسطة المدى" المبرمة مع الاتحاد السوفياتي عام 1987، اتساقاً مع وعود ترامب الانتخابية ووعود سلفه الرئيس اوباما التخلص من قيود معاهدات "الحرب الباردة" وإعادة تحديث الترسانة النووية الأميركية، يؤكد على مواصلة الولايات المتحدة "زيادة احتياطيها من الأسلحة النووية حتى تغير روسيا والصين سلوكهما".

يقول البعض بأن دماء خاشقجي لطّخت وجه المملكة ووليّ عهدها، نعم ولكن إلى حين. ذاكرة الغرب الإنسانية ترتبط بالمصالح والمصالح فقط، وورقة خاشقجي ستبقى حاضرة فقط متى تطلّبت مصالح أردوغان وترامب وحزبيهما ذلك.

قيل الكثير حتى الساعة في الصحافتين العربية والعالمية عن التسلسل الزمني للتصريحات و"التسريبات" التركية إزاء قضية خاشقجي ودلالات هذا التسلسل، هناك إجماع على أن الرئاسة التركية قرّرت منذ اللحظة الأولى تجيير القضية لمصلحتها، وتصفية حساب غير مُعلَن مع وليّ العهد السعودي.

ماذا يعني هذا؟ هل إردوغان ماض في كشف خيوط الجريمة لأسباب أخلاقية دون اعتبار لتداعيات ذلك على العلاقات التركية السعودية؟

البيان السعودي الصادر بعد جهد جهيد لإعلان موت جمال خاشقجي نتيجة شجار في القنصلية السعودية، كان محتملاً منذ حديث رونالد ترامب عن مجموعة مارقة. لكن تعليق حزب العدالة والتنمية التركي في إشارته إلى المضي في كشف الملابسات واكتشاف الجثّة، قد يبقى تحت سقف رواية إعفاء ابن سلمان من المسؤولية إذا لم يصل التحقيق المستقل إلى استجواب المتهَمين عمّن دبّر وأمر في القصر الملكي.

جمال خاشقحي لا يستحق أن يقتل أياً كانت مواقفه السلبية. الاغتيال في ذاته مرفوض، لأنه يعبر عن لغة الفوضى والتوحش. هي لغة التوحش الداعشية نفسها سواء أكان وراؤها سلطان أم مفت.

مَن يستمع إلى التصريحات والمواقف الصادِرة عن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وعن وزراء بارزين في المجلس الوزاري المُصغَّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت)، يخرج بانطباعٍ بأن العدوان على قطاع غزّة بات قاب قوسين أو أدنى، وأن المسألة ليست مسألة "هل" بل "متى" تشنّ إسرائيل عدواناً على قطاع غزّة.

المساعي التي يبذلها الرئيسان التركي والأميركي، تدور حول إيجاد مخرج في التحقيق لتحميل مسؤولية قتل جمال الخاشقجي إلى "كبش محرقة" وإعفاء محمد بن سلمان والحكم السعودي من الواقعة. لكن هذه الصفقة التي يوظّفها كل من ترامب وإردوغان لغايات مختلفة، لا تمحو ارتدادات زلزال القنصلية التي تقضي على طموحات ابن سلمان في وراثة العرش وفي الاستمرار بحروبه ومشاريعه. وربما تدفعه إلى محاولة التعويض عن فشله بالمراهنة على ارتداء ثوب "رجل السلام" مع إسرائيل.

الزلزال الذي أحدثته ضدّ السعودية تصفية الكاتب الصحافي جمال الخاشقجي، يبدو أنه يجري العمل على إخماده عبر صفقة بين أنقرة والرياض وصفقة موازية مع دونالد ترامب. لكن ما أطاح به الزلزال في صفحة محمد بن سلمان، قد يصعب على الصفقات إعادة ترميمه.

تزامُناً مع الانسحاب، بدأت تركيا بإرسالِ أسلحةٍ وسياراتٍ مُدرَّعة استعداداً لتنفيذ دوريات في مناطق الفصائل المسلحة، بموازاة ما ستقوم به القوات الروسية في مناطق سيطرة الحكومة السورية.

المزيد