حسني محلي

باحث علاقات دولية ومختصص بالشأن التركي

تركيا.. سمكة في الصنّارة الأميركية

يصف وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون فوستر دالاس علاقة تركيا بأميركا بأنها "كالسمكة في صنّارة الصيّاد وهي لا تحتاج إلى طُعم جديد طالما هي في الصنّارة. أما إذا حاولت النجاة من الصنّارة فما على الصياد إلا أن يهزّ القصبة حتى تُمزّق الصنّارة فم السمكة". 

  • تركيا.. سمكة في الصنّارة الأميركية

 

بعد أيام من قرار مجلس الشيوخ الأميركي الذي اتّهم الدولة العثمانية بإبادة الأرمن إبان وخلال الحرب العالمية الأولى، لم يتأخّر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن تذكير الأميركيين بتاريخهم الأسود، وقال عنهم ليلة أمس (الأحد) "إنهم أبادوا الهنود الحمر"، وهو ما سبق وأن فعله إردوغان ومسؤولون آخرون مع الرئيس ماكرون حيث ذكّروه "بتاريخ فرنسا والمجازر التي قامت بها في الجزائر وباقي مستعمراتها في إفريقيا". 

لم يكتف إردوغان بذلك بل هدَّد بإغلاق قاعدتيّ أنجيرليك وكوراجيك القريبتين من الحدود التركية مع سوريا والعراق وإيران كردٍ على العقوبات التي سبق أن أقرّها مجلس النواب الأميركي، ويستعد مجلس الشيوخ للمُصادَقة عليها والبعض من بنودها يستهدف الرئيس إردوغان شخصياً.

لم ينس إردوغان تكرار اتهاماته لواشنطن باستمرار دعمها لوحدات حماية الشعب الكردية السورية، وهو ما يفعله منذ ثلاث سنوات وبشكلٍ خاص بعد انطلاق الحوار والتنسيق التركي- الروسي صيف 2016 حيث اعتذر إردوغان من بوتين عن إسقاط الطائرة الروسية في 24 تشرين الثاني/أكتوبر 2015 . وكان هذا الاعتذار كافيا لفتح صفحة استراتيجية في العلاقات الروسية– التركية، بانعكاسات ذلك على مُجمل سياسات أنقرة الإقليمية والدولية بما في ذلك العلاقة مع الحليف الاستراتيجي الولايات المتحدة الأميركية.

وكانت هذه العلاقات بدأت بزيارة المُدمِّرة الأميركية ميسوري إلى اسطنبول في 27 نيسان/أبريل 1946 فتحوّلت تركيا بعد ذلك إلى مخفر مُتقدّم للحلف الأطلسي في مواجهة الاتحاد السوفياتي ومنعه من النزول إلى المياه الدافِئة في الأبيض المتوسّط. 

وانضمّت تركيا إلى الحلف الأطلسي عام 1951 وأرسلت جيشها للقتال مع الأميركيين في كوريا وساهمت في تشكيل حلف بغداد وأصبحت أداة فعَّالة بيد واشنطن في مُخطّطاتها ضد المدّ القومي العربي، ولحماية مصالح "إسرائيل" التي اعترفت بها تركيا كأول دولةٍ إسلاميةٍ بعد عام من قيامها. 

وأنشأت أميركا ومعها حلف الأطلسي أكثر من 100 قاعدة جوية وبحرية وبرية على الأراضي التركية ما بين 1950 و1960. 

لم تحرّك واشنطن ساكِناً لمنع الجنرالات من إعدام رئيس الوزراء عدنان مندريس بعد الإطاحة به في انقلاب أيار/مايو 1960 فكان أول مَن تخلّت عنه أميركا رغم كل ما قام به من أجلها، والسبب أنه تحدَّث عن احتمالات التقارُب مع السوفيات. 

وشهدت العلاقات التركية- الأميركية بعد ذلك التاريخ العديد من التذبذبات المرتبطة بالتطوّرات الإقليمية والدولية، ولكنها لم تؤثّر في جوهر العلاقة بين أميركا وتركيا التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون فوستر دالاس عام 1955 "بأنها كالسمكة في صنّارة الصيّاد وهي لا تحتاج إلى طُعم جديد طالما هي في الصنّارة. وأما إذا حاولت النجاة من الصنّارة فما على الصياد إلا أن يهزّ القصبة حتى تُمزّق الصنّارة فم السمكة". 

ويرى كثيرون في كلام دالاس هذا خلاصة للسياسة الأميركية التي كانت ومازالت مؤثّرة في مجمل تطوّرات تركيا الداخلية منها والخارجية، وعلى الرغم  من كل المواقف السلبية لواشنطن ضد المصالح التركية في مختلف الفترات الماضية. فقد فرضت أميركا على تركيا عقوبات اقتصادية وأوقفت مبيعات الأسلحة إليها بعد التدخّل العسكري في قبرص في تموز/يونيو 1974 كما قدّمت الدعم في فترات مختلفة لحزب العمال الكردستاني. 

ثم لا يجد أحد أيّ تفسير منطقي لاستمرار احتضان واشنطن للداعية فتح الله غولان الذي يتّهمه إردوغان بالمسؤولية عن محاولة الانقلاب الفاشلة ضده في 15 تموز/يونيو 2016.  كما تستمر المعارضة في حديثها عن الرسالة التي بعث بها ترامب 9 في تشرين الأول/أكتوبر الماضي إلى الرئيس إردوغان وأهانه فيها شخصياً كما أهان تركيا وهدَّد بتدميرها إذا قامت بأي عمل عسكري ضد الكرد شرق سوريا.  

وتذكّر المعارضة أيضاً بتغريدات ترامب في موضوع الراهِب الأميركي برونسون حينما قال إنه سيدمِّر تركيا في حال عدم إخلاء سبيله فخرج من السجن فوراً وغادر تركيا في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2018 على الرغم من أن إردوغان كان قد قال "إن الجاسوس برونسون  لن يخرج من السجن طالما هو في السلطة". 

وأي كانت اتهامات المعارضة والزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان للرئيس إردوغان وحزب العدالة والتنمية بأنهما في الأصل مشروع أميركي- صهيوني كأحد عناصر مشروع الشرق الأوسط الكبير وبعد ذلك الربيع العربي، فمن الصعب بعد الآن الرِهان على مستقبل العلاقات التركية- الأميركية في ظلّ المُعطيات الغامِضة بكل عناصرها الداخلية والإقليمية والدولية.  

لقد بات واضحاً أن العلاقة الشخصية والرسمية بين إردوغان والرئيس بوتين هي التي ستقرّر مصير هذه العلاقات بعد أن نجح بوتين في زعزعة الثقة التقليدية والاستراتيجية بين أنقرة وحليفاتها العواصم الغربية وفي مقدّمها واشنطن، التي لم تعد تتحمَّل الغَزَل التركي مع روسيا حتى وإن كان مؤقتاً. 

فصواريخ أس -400 والعديد من فقرات التعاون الروسي- التركي، وهي كثيرة، باتت تزعج وتقلق الصياد الأميركي الذي ما زال يعتقد أن تركيا لا تزال في صنّارته. 

وفيما يعرف السياسي المُحنّك بوتين أن إنقاذ السمكة من الصنّارة الأميركية ليس سهلاً، فإنه يريد للسمكة أن تبقى على قَيْدِ الحياة حتى يتسنى له ترتيب أوراقه الإقليمية والدولية وخاصة في سوريا ومن خلالها العراق ومصر والمنطقة عموماً.  

كما يتهرَّب بوتين من أية مواجهة مع "إسرائيل" ذات الثقل التقليدي في واشنطن من خلال اللوبي اليهودي المهم بالنسبة إلى موسكو التي ما زال لليهود في سياساتها ثقل مهم بسبب تواجد حوالى مليون يهودي من أصولٍ روسيةٍ وأوكرانيةٍ في "إسرائيل". 

وتراقب تل أبيب التطوّرات الأخيرة عن كثب لأنها ترى في إردوغان ونهجه العقائدي خطراً عليها، وهي حال العديد من عواصم الاتحاد الأوروبي الذي يتّهم أنقرة بانتهاج سياسات استفزازية وعدوانية ضد قبرص واليونان. 

ويرى البعض في القلق الإسرائيلي والأوروبي مسرحية ذات فصول عديدة، كان أولها في سوريا وثانيها في ليبيا، وكما يقول المثل الشعبي "الحبل على الجَرار" طالما أن سياسات إردوغان لا تشكّل خطراً مباشراً على هذه الأطراف ولكل منها حساباتها الخاصة بتركيا في عهد الرئيس إردوغان. 

إردوغان له أيضاً حساباته الخاصة العقائدية منها والسياسية والاستراتيجية التي يعتقد بأنها ستساعده في إحياء أمجاد الدولة العثمانية التي كانت عدواً لدوداً للإمبراطورية الروسية، واستمر هذا العداء في العهد السوفياتي. فقد كان الأميركان دائماً إلى جانب الأتراك سياسياً واقتصادياً وعسكرياً والأهم دينياً، أي ضدّ "الشيوعية الكافِرة" التي تربّى إردوغان على عدائها في شبابه، وهو الآن يتحالف مع أهم أعمدتها الرئيس بوتين ليساعده على الخروج من الصنّارة وهي على وشك أن تمزّق حنجرته.

ويرى الكثيرون في مثل هذا الاحتمال، إن تحقَّق، نقطة تحوّل تاريخية في السياسة العالمية لأن خروج تركيا من الفلك الأميركي وسعيها من أجل توازنات جديدة، حتى إن لم تكن روسية، سوف يغيّر من موازين القوى بأكملها بانعكاسات ذلك على المنطقة، بداية من سوريا ومنها إلى العراق وليبيا، بعلاقات كل ذلك بإيران ومصر و"إسرائيل". 

لكن يا تُرى هل يستطيع إردوغان أن ينفّذ ما يقوله ويغلق القواعد الأميركية؟ وهل هو جاد في تحدياته لدول الاتحاد الأوروبي؟

وهل تأخذ واشنطن والعواصم الأوروبية تهديدات إردوغان مأخذ الجد وتردّ عليه عملياً أمْ كل ما نسمعه ليس إلا "قيل وقال"؟

أسئلة أخرى يمكن أن يكون الردّ عليها أسهل بعد الردّ على السؤال المفصلي: هل كانت سوريا ساحة المُساومة بين تركيا وكل من روسيا وأميركا أمْ إنها كانت ومازالت ضحية لمؤامرٍة كونيةٍ أكبر بكل عناصرها المرئية وغير المرئية؟

حتى نستطيع الردّ على هذا التساؤل الأكبر علينا أن نحدِّد المكاسب التي حقّقها بوتين وإردوغان من علاقاتهما الشخصية بكل غموضها بعد صيف 2016 ومن ثم الأهداف التي تحقّقت لكل منهما في سوريا وهي مفتاح كل الرهانات كما كانت منذ مئة سنة.

وبجمع وطرح ثم ضرب وتقسيم  كل الاحتمالات ستكون الأمور أكثر وضوحاً ليتسنّى لنا معاً أن نُراهِن على نجاة السمكة التركية من صنّارة ترامب، ويبدو واضحاً أن الأخير لم يعد يتحمّل مُغازَلة إردوغان للدبّ الروسي.