ثورة لبنان "موديل 1858".. كيف انتصر طانيوس شاهين؟

الحركة التي قادها طانيوس شاهين وأدت إلى طرد الأسر الإقطاعية من منطقة كسروان كانت على الأرجح حركة فلاحية لم يسبق لها مثيل في تاريخ لبنان. لكن كيف انتصر الفلاحون في ثورتهم؟ بعض جوانب هذه القصة عاد وتكرّر بطرق أخرى في محطات مختلفة من تاريخ لبنان.

  • ثورة لبنان "موديل 1858".. كيف انتصر طانيوس شاهين؟

لم يتفق اللبنانيون على تاريخهم، كما لم يتفقوا على تشخيص حاضرهم. يشمل ذلك الماضي القريب وينسحب على التاريخ الأكثر قدماً. أحد تجليات ذلك أن كتاب التاريخ المدرسي على سبيل المثال بقي حتى اليوم غير موّحد. 

من بين الحقب التاريخية التي تتناولها الكتب المدرسية تبرز شخصية طانيوس شاهين. ذلك الفلاح من عامة الشعب الذي، كما تروّج الأدبيات المتداولة، قاد ثورة على الإقطاع في منطقة كسروان. حدث ذلك بين عامي 1858 و1860 عندما ضاق الفلاحون ذرعاً بظلم الإقطاعيين الذين حكموا تلك المنطقة. آل الخازن كانوا على رأس هؤلاء إضافة إلى آل حبيش. 

في السنوات الأخيرة أعيد إحياء طانيوس شاهين بطرق عديدة. استدعاء هذه الشخصية وإسقاطها على الحاضر لم يأت من باب علمي أو نقدي. حصل ذلك غالباً من منطلق رومانسي درامي على قاعدة "بطل من بلادي". هكذا استحضرته مسرحية "الفلاح العظيم" للمخرج المسرحي الراحل يعقوب شدراوي، كذلك مسلسل "ثورة الفلاحين" الذي عرض في أيلول/سبتمبر 2018. وكانت إحدى الحركات اليسارية في الجامعة اليسوعية في بيروت قد تيمنت به أواخر سنوات القرن الماضي. وفي عام 2015 أعيد إطلاق هذه الحركة كمشروع حزب سياسي غير يساري هذه المرة، وعلى يد أبرز مؤسسي الحركة سابقاً. تغيّرت ربما المشاريع والرؤى السياسية بين الحركتين الأولى والثانية ولكن بقي الاسم.. "حركة طانيوس شاهين" وشعارها عصفور الدوري.

لا تزال شخصية شاهين يكتنفها الالتباس. هي موضع جدل بين الباحثين إلى يومنا الحاضر. لا ينحصر ذلك بالشخصية بحد ذاتها، بل بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تفسّر حقيقة ما حصل في ذلك الزمن.

بعيداً من الرومانسية يغوص كتاب "طانيوس شاهين، من منازلة الإقطاع إلى عجز الثورة" للصحافي أنطوان سلامة في الماضي لسبر أغوار الحقيقة. كما خضع قائد "ثورة الفلاحين" وحقبته لمعالجات علمية تاريخية تطرّق إليها جزئياً المؤرخ اللبناني كمال الصليبي، والباحث الجامعي فواز طرابلسي.

طانيوس شاهين في إشكاليته لا يشذّ عن شخصيات تاريخية أخرى صورتها بعض الكتابات أو الجماعات اللبنانية، لأسباب سياسية، على أنها شخصيات مجيدة في تاريخ لبنان. من ذلك فخرالدين المعني والأمير بشير الشهابي ويوسف بك كرم. 

في إطار البحث عن مسوّغات لإضفاء شرعية على الكيان اللبناني الوليد عند إنشائه لم يتوان بعض المنظّرين عن إضفاء "بهارات" وطنية على بعض هذه الشخصيات. لم يكن ذلك منفصلاً عن الخلاف القائم منذ البداية والمستمر إلى الزمن الحاضر حول هوية لبنان وخصوصيته.

العودة إلى التاريخ من خلال الكتب العلمية والرصينة تتيح مسافة آمنة وموضوعية للنظر إلى الأحداث واستخلاص العبر. على مدى تاريخ لبنان قادت مطالب إصلاحية وانتفاضات محقة إلى نتائج مغايرة لما قام من أجله الشعب. حصل ذلك في محطات عديدة، منها الحرب الأهلية التي ابتدأت مطلبية عام 1975.. يُقال في هذا الإطار إن الطريق إلى جهنم معبّدة بالنوايا الحسنة. 

ما يهمّ أن بعض جوانب قصة طانيوس شاهين عاد وتكرّر بطرق أخرى في محطات مختلفة من تاريخ لبنان. يُختصر ذلك بواقع يسبق وجود لبنان الكيان بقرون. جاءت بنى الدولة لتكرّس هذا الواقع لا لتلغيه. ورغم أنه أساس البلاء، إلا أنه في الوقت نفسه أساس "الوطن". تختصر هذه التراجيديا بالبنى الطائفية السابقة على البنى الحديثة للدولة. فما الذي حدث خلال حقبة طانيوس شاهين وكيف تحوّلت ثورته الشعبية إلى دوامة عنف طائفية حصدت آلاف الأرواح؟ 

بعيداً من الكتب المدرسية تكشف لنا المراجع التاريخية خفايا وزوايا لا تكشفها الأولى. 

يذكر التاريخ أنه في العام 1858 بلغت الأمور ذروتها في كسروان حيث ثار أبناء "العامة" ضد مشايخ آل الخازن وأجلوهم عن المنطقة التي وقعت لمدة عامين تحت سيطرة فلاحين ثائرين مسلحين من أبناء القرى يقودهم "شيخ شباب" اسمه طانيوس شاهين.

الظروف الصعبة التي ولّدت انتفاضة الفلاحين في كسروان كانت شبيهة بمثيلتها في أغلب المناطق التي تكوّن لبنان اليوم. الجور والإفقار كان ينسحب على المقاطعات التي تجاور كسروان وتلك التي تبعد عنها. لماذا إذاً لم تثر بقية المناطق التي كان يحكمها الإقطاع أسوة بأهالي كسروان؟ 

ثمة أسباب وأجوبة على هذا السؤال، لكنّ ذلك يستدعي الإضاءة على بعض الجوانب الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة آنذاك.

ساد كسروان كغيرها من المناطق في تلك الفترة نظام الإقطاع. أسوة بغيرهم من الأسر الإقطاعية تسيّد آل الخازن على معظم مقاطعة كسروان وكانوا ملاكاً لأراضيها. استثني من ذلك قاطع غزير الذين كان مقاطعة لآل حبيش. لم يكن الفلاحون في كسروان سوى مرابعين لآل الخازن، وكان هؤلاء في الوقت نفسه يجبون منهم الضرائب. 

كمرتبة اجتماعية ممنوحة لهم منذ زمن الحكم الأمير الشهابي لقبوا "مشايخ". من هؤلاء المشايخ في مناطق الشوف آل جنبلاط  وآل عماد وآل أبي نكد وآل تلحقوق وآل عبدالملك، وفي كسروان آل الخازن وآل حبيش. 

كان حكم الأمراء الشهابيين قد زال من الوجود عام 1841 لتحل محله ترتيبات عثمانية إدارية جديدة. قسّمت هذه الترتيبات جبل لبنان إلى قائمقاميتين، إحداهما للمسيحيين والأخرى للدروز. 

من هذه النقطة تتفرّع روايات الثورة وفق الرواة. الرومانسيون بينهم انساقوا وراء رغبات شخصية أو تصورات وردية أو دوافع سياسية. طرد عائلة إقطاعية من قبل حركة فلاحية كانت على الأرجح حركة لم يسبق لها مثيل في تاريخ لبنان. لكن ما كانت هذه الثورة لتنجح في الواقع من دون شروط ومحرّكات رافقتها ومهّدت لها.

أبرز هذه المحرّكات بدأ عام 1854، أي قبل أربع سنوات من الثورة. حينذاك، نجح أحد أبناء العامة في كسروان، وهو بولس مسعد في الوصول الى المنصب البطريركي في بكركي. منذ ذلك التاريخ فقدت أسرتا آل الخازن وآل حبيش في المنطقة النفوذ الذي كان معقودا لهما في تأمين وصول أعضاء منهما إلى الكرسي البطريركي لفترة من الزمن. بموازاة ذلك كانتا تفتقدان سطوتهما أمام أسرة أبي اللمع التي فازت بمنصب القائمقام منذ عام 1842.

وبقدر ما أدّى البطريرك مسعد في الداخل دوراً مشجعاً على الثورة في ظل منافسته مع الأسر الإقطاعية، كان للتدخل الخارجي دورٌ أساسيٌ في رسم الاتجاهات التي اتخذتها الأمور. كان هذا الخارج بدوره يشهد تنافساً بين بريطانيا من جهة وفرنسا وسواها من الدول من جهة أخرى. 

بريطانيا في تلك الفترة خاصمت القائمقام المعيّن في القائمقامية المسيحية بشير أحمد أبي اللمع. تقاطعت مصالحها في ذلك مع مشايخ المنطقة من آل الخازن الذين كانت أسبابهم مختلفة عن أسباب بريطانيا. من ناحية بريطانيا كان السبب استشعارها بخطورة مصالحها بسبب تقرّب أبي اللمع من القنصليتين الفرنسية والنمساوية. أما من ناحية آل الخازن فكان السبب المعاملة القاسية وفق منظورهم التي كان يعاملهم بها القائمقام والذي كان برأيهم ينال من امتيازاتهم.. هناك أيضاً أمر مهمٌ يستحق الذكر.

قبل ذلك بسنوات، وقبل أن يخلف بشير أحمد نسيبه حيدر في السلطة على رأس القائمقامية، أبى آل الخازن أن يعترفوا لآل أبي اللمع بتفوقهم في المكانة. أنكروا الزعامة التي صارت من نصيبهم بعد سقوط الشهابيين عام 1841. مع وفاة حيدر أبي اللمع ومجيء بشير أحمد أبي اللمع بدا لآل الخازن أن آل أبي اللمع يصبحون شيئاً فشيئاً الأسرة الحاكمة في مناطقهم.

نتيجة تزايد نقمة آل الخازن والأسر الإقطاعية الأخرى على القائمقام التفت الأخير إلى الكنيسة وإلى عامة الشعب محاولاً اكتسابهم. في المقابل لجأت هذه الأسر إلى دعم غريم بشير داخل أسرته، المدعو بشير عساف أبي اللمع، يساندها في ذلك البريطانيون.

قبل انتفاضة الفلاحين بعام سجّل التاريخ أيضاً حدثاً مهماً كان بمنزلة محرك لثورة طانيوس شاهين. يقول المؤرخ كمال الصليبي إنه "ربما" كان بتحريض المشايخ أن تمرد أهالي زحلة على القائمقام عام 1857 فانتخبوا من بينهم "شيخ شباب". 

تمرد سرعان ما لاقى صداه في سائر مناطق القائمقامية لا سيما في كسروان، لا ضد القائمقام هذه المرة بل ضد مشايخ الإقطاع. أصبح القائمقام هو المتهم بالتحريض. يروي الصليبي أن "آل الخازن لم يدركوا بداية الأمر الغرض الحقيقي من تجمع الفلاحين فشجعوهم على ذلك اعتقادا منهم أن العصابات المسلحة التي كانوا ينظمونها في القرى إنما كانت لمقاومة القائمقام".

في بلدة غزير التي لا تزال قائمة إلى اليوم أعلن الأهالي العصيان وانتخبوا من بينهم "شيخ شباب" أسوة بأهالي زحلة. لاحقاً بدأت تقتدي بهم سائر البلدات والأنحاء. 

شرع مشايخ آل حبيش مع آل الخازن بمعية بشير عساف في تنظيم قواهم والتخطيط لإثارة الخواطر ضد غريمهم. نظموا تظاهرة أول الأمر في قرية زوق الخراب، وبعد ذلك في قرية بحنس على مقربة من إقامة القائمقام في برمانا.

لم تكن إلا أشهر قليلة حتى اكتشف المشايخ الغرض الحقيقي من تجمع الفلاحين. كان الأوان قد فات. هوجم بعض هؤلاء واضطر آخرون إلى الهرب من بيوتهم. 

بعد أن فشلت مساعي الوساطة والمفاوضات بين الجانبين قرّر الفلاحون طرد آل الخازن جميعهم من المنطقة. وفي الحال تبيّن أن طانيوس شاهين ورجاله كانوا، إضافة إلى تشجيع القنصلية الفرنسية في بيروت ومؤازرة القائمقام والكنيسة، يتمتعون بتأييد السلطات العثمانية. في ما بعد تداعت الأحداث وحوّلت حركة طانيوس شاهين إلى أفظع حرب طائفية بين المسيحيين والدروز.

 

المقال اللاحق: كيف تحوّلت ثورة الفلاحين في لبنان إلى حرب طائفية؟