حسني محلي

باحث علاقات دولية ومختصص بالشأن التركي

تركيا في معادلات المنطقة.. ما يريده إردوغان

لا يُهمِل إردوغان تكتيكاته في العلاقة مع روسيا التي حقَّقت مكاسب استراتيجية في سوريا، ومن خلالها في المُعادلات الإقليمية والدولية، وذلك بفضل الاتفاقيات التي وقَّع عليها بوتين مع إردوغان.

  • يرى إردوغان في الموقف الإقليمي الضعيف فرصته الذهبية لتحقيق المزيد من المكاسب في ليبيا (أ ف ب- أرشيف)

يبدو أن الجيش السوري مُتّجه إلى تحقيق الأهداف التي انطلق من أجلها في ريف إدلب، وأهمّها السيطرة على معرّة النعمان ثم سراقب، على أن يكون جسر الشغور المدينة الأخيرة في المحافظة. 

مع استمرار العمليات الحربية للجيش السوري يستمر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بدوره في سياسات التصعيد في ليبيا، وربما لتحقيق المزيد من المكاسب على الطاولة تحضيراً لقمّته المقبلة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الثامن من الشهر المقبل.

بموازاة ذلك لا يُهمِل إردوغان تحرّكاته الأوروبية والأميركية لمواجهة الضغوط الروسية المُحتمَلة، إن كان في سوريا أو في ليبيا والمنطقة عموماً، حيث أجرى اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وهو من أصلٍ عثماني، وقد يساعد ذلك أنقرة على مواجهة ضغوط الاتحاد الأوروبي في موضوع قبرص، مستعمرة بريطانيا السابقة، والتي تحتضن قاعدتين بريطانيتين هامتين.

بدوره أجرى وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو اتصالاً هاتفياً مع نظيره اليوناني نيكولاس داندياس وبحث معه تطوّرات الوضع شرقي البحر الأبيض المتوسّط بعد الاتفاق التركي مع فايز السرّاج الذي أقلق الكثير من الأطراف المُهتمّة بالملف الليبي. وكان السرّاج قد قال إنه سيستنجد بأنقرة لمواجهة هجمات الجنرال خليفة حفتر على العاصمة طرابلس، فردّ عليه إبراهيم قالين مُستشار إردوغان فوراً وقال إن تركيا مُستعدّة لإرسال الجيش التركي إلى ليبيا. 

حقَّقت أنقرة تفوّقاً معنوياً في طرابلس مع تأخير الحسم هناك لصالح الجنرال حفتر، ويبدو أن العواصم الغربية لم تتّفق بعد على موقفٍ مشتركٍ ينسجم مع الحسابات والمصالح المصرية والإماراتية والسعودية بل الروسية، وهي جميعاً تعاكس السياسة التركية في المنطقة. 

ويرى إردوغان بدوره في هذا الموقف الإقليمي والدولي الضعيف فرصته الذهبية لتحقيق المزيد من المكاسب في ليبيا وسوريا وشرقي المتوسّط عموماً، مع استمرار الحديث في الكواليس عن احتمالات  المُصالحة بين أنقرة و"إسرائيل" لمدّ أنابيب الغاز إلى تركيا بدلاً من اليونان ثم إيطاليا. 

لا يُهمِل إردوغان الحديث بلهجة السلاح طالما أن صهره يصنع ويطوّر الطائرات المُسيَّرة ذات التسليح العالي، في الوقت الذي تسعى فيه أنقرة إلى تصنيع الدبابات والمُدرَّعات والغوّاصات والطائرات التي يريد لها إردوغان أن تساعده في تحقيق التفوّق العسكري أولاً والنفسي ثانياً، إقليمياً ودولياً، ويستفزّ بذلك المشاعِر القومية في الداخل ويرفع من معنويات الموالين له من مختلف المجموعات والفئات والفصائل الإسلامية في سوريا وليبيا والمنطقة عموماً، خاصة بعد أن سيطر على المؤسّسة العسكرية وضمن ولاء الجنرالات له ولنهجه العقائدي الإخواني. 

كما لا يُهمِل إردوغان تكتيكاته في العلاقة مع روسيا التي حقَّقت مكاسب استراتيجية في سوريا، ومن خلالها في المُعادلات الإقليمية والدولية بفضل الاتفاقيات التي وقَّع عليها بوتين مع إردوغان. 

ومهما كان حجم الدعم الروسي لدمشق فإن التفوّق الروسي العسكري والمعنوي جاء عبر التواجُد الروسي المباشر في سوريا، ولولاها لما كانت موسكو في الوضع الذي هي عليه اليوم إقليمياً ودوليا. ولولا قواعدها العسكرية في سوريا لما استطاعت موسكو أيضاً أن تساوم تل أبيب على مجموعةٍ من القضايا الثُنائية والإقليمية، وهي الحال في مجمل علاقاتها مع الدول العربية وإيران لتكون الرابِح الأكبر في سوريا، تسابقها في ذلك أنقرة فقط وعلى حساب الشعب السوري. 

ما حقَّقه بوتين من علاقاته مع إردوغان في سوريا يعدّ فائق الأهمية بالنسبة إلى حساباته الخاصة في الغرب، فتركيا عضو في حلف الأطلسي وبلد مُرشّح للعضوية في الاتحاد الأوروبي، هذا إذا تجاهلنا أهميتها الجيوسياسة والجيواستراتيجية. 

وتغطّي روسيا 60% من احتياجات تركيا من الغاز وتساعدها على إنشاء المُفاعِل النووي جنوب البلاد، كما تبيعها صواريخ إس 400، وترسل إليها نحو ستة ملايين سائح سنوياً، وتستورد منها 22 نوعاً من المُنتجات الزراعية. كل ذلك بفضل المُصالحة التي تمّت بين الطرفين في حزيران/يونيو 2016 بعد أن اعتذر إردوغان من بوتين على إسقاط الطائرة الروسية في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2015.  

في المقابل أصبحت أنقرة طرفاً مباشراً وأساسياً في مجمل معادلات سوريا، في ظل غياب الدور العربي الذي كان السبب الرئيس في تشجيع تركيا على ما قامت به منذ بداية الأحداث هناك. فلولا قرارات الجامعة العربية ضد دمشق ودعم قطر والسعودية والإمارات المباشر للرئيس إردوغان لما وصلت الأسلحة والمُقاتلون الأجانب إلى سوريا عبر الحدود مع تركيا، والقول لرئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم.  

وأصبحت أنقرة في ما بعد الراعي الوحيد لمُجمل الفصائل المُسلّحة في سوريا مع ما لذلك من انعكاساتٍ على القرار السياسي لما يُسمَّى بالمُعارضة السورية، خاصة بعد أن سمح بوتين للرئيس إردوغان بإرسال قواته إلى جرابلس في 24 آب/أغسطس 2016 ثم عفرين في كانون الثاني/يناير 2018، وأخيراً إلى شرق الفرات في تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

كل ذلك مقابل نشر القوات السورية والروسية على جزءٍ من الحدود السورية مع تركيا، ومن دون أن يدري أحد كيف سيتسنّى للدولة السورية إخراج القوات التركية من هذه المناطق التي يتواجد فيها عشرات الآلاف من المُسلّحين المُعتدلين منهم ومن المُتطرّفين، ومعهم عائلاتهم. هؤلاء ترى فيهم أنقرة حاضِنة شعبية تساعدها على تطبيق مُخطّطاتها التاريخية بقوَّة السلاح بعيداً عن كل مفاهيم القانون وقواعد العلاقات الدولية. 

ويستبعد الكثير من المُراقبين أن تعمد أنقرة إلى سحب قوّاتها من الشمال السوري غربي الفرات وشرقيّه طالما أن إردوغان يعتقد بأنه الأقوى. اعتقاد نابع أولاً من الموقف الأوروبي المُتجاهِل للوضع في المنطقة، وثانياً من استمرار حاجة موسكو إليه، وثالثًاً بسب استمرار التآمُر العربي على سوريا، وأخيراً الرضا، بل وحتى التأييد الأميركي لمُخطَّطات إردوغان طالما أنها تؤجَّل وتؤخِّر وتمنع الحل النهائي للأزمة السورية. 

ويعتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن ذلك سيُساعد واشنطن على الاستمرار في سرقتها للنفط والغاز السوريين، كذلك على بقائها كطرفٍ رئيسي  في معادلات القضية الكردية سورياً وعراقياً وتركياً مع ما لذلك من انعكاسات على المُخطّطات الأميركية في المنطقة والتي تهدف إلى تضييق الحصار على إيران. وهذا يتطلّب الاستمرار في العدوان على اليمن والتآمُر على لبنان والعراق عبر جرّ هذين البلدين إلى حربٍ أهليةٍ بدعمٍ مباشرٍ أو غير مباشر من أنظمة الخليج التي تلتقي مواقفها في نهاية المطاف مع الحسابات التركية في سوريا والآن في ليبيا ولو بشكلٍ غير مباشر. 

وستبقى "إسرائيل" الرابِح الأول والأخير من كل أحداث وتطوّرات المنطقة بعد ما يُسمَّى بـ"الربيع العربي"، بمعنى آخر العبري، والفضل في كل ذلك لمَن دمَّر سوريا وما زال يُدمِّرها بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، طالما أنهم جميعاً "في الهوا سوى" وحسب المزاج الأميركي، حتى وإن اختلفوا على التفاصيل وهي كثيرة جداً في سوريا والآن في ليبيا وبعدها قبرص التي يتواجد فيها الجيش التركي منذ عام 1974، وهو الآن ينشىء فيها قواعد جوية وبحرية. فقد حكم العثمانيون الجزيرة 326 عاماً قبل أن يسلّموها إلى بريطانيا عام 1878 فيما اعتبرها الحزب السوري القومي الاجتماعي نجمة للهلال الخصيب وضمن حدوده دولة "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات،  فكان سبباً لكل الغزوات والحروب والتآمُرات الخارجية بامتداداتها الداخلية طالما أن تربتها خصبة بالغدر والخيانة وآخر مِثال على ذلك سوريا.