بعد اغتيال سليماني والرد الإيراني: حرب الاستنزاف تؤجل الحرب المفتوحة

فشل رهان صناع القرار السياسي في واشنطن في إخضاع وترهيب إيران بإقدامها على اغتيال قائد قوة القدس، قاسم سليماني، واستنزاف إيران عبر جرها لحرب مباشرة "نظراً لحنكة الجانب الإيراني ورده المدروس.. وعدم تكبد خسائر بشرية كبيرة" في صفوف الأميركيين كما يشاع في واشنطن.

  • فشل رهان صناع القرار السياسي في واشنطن بإخضاع  إيران 

ثبت بالدليل الملموس أن المحفز الرئيس لقرار الاغتيال وإشعال الحرب في المنطقة كان الثنائي نائب الرئيس مايك بنس، ووزير الخارجية مايك بومبيو، تجسيداً لمسار مبرمج منذ تسلم الأخير رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية وتفعيله "مركز شؤون إيران" صيف عام 2017، لإحياء هدف "تغيير النظام" الذي تخلت عنها الإدارة السابقة، وفق سردية المحافظين الجدد.

السؤال الجوهري المتجدد في مفاصل القرار السياسي الأميركي هو لماذا أقدم الرئيس ترامب على قراره باغتيال سليماني ورفاقه في ظل تردد كل من سبقوه إلى البيت الأبيض باتخاذ قرار مشابه "لخشيتهم من اندلاع حرب جديدة" وفي ظل وجود قوات عسكرية أميركية منتشرة في عموم المنطقة ستتعرض للاستهداف.

الإجابة متشعبة وذات أبعاد داخلية أميركية صرفة، جذرها العداء المؤسساتي المتأصل لإيران والرغبة بالانتقام منها بدءاً باحتجاز طواقمها الدبلوماسية في طهران، وانتهاء باعتبارها مسؤولة عن مقتل الأميركيين على امتداد مسرح العمليات الإقليمي، والأهم البعد "الإسرائيلي" وما يمثله من نفوذ طاغ عبر جماعات الضغط – اللوبيات.

سنتناول بقدر ما هو متاح من تفاصيل البعد "الإسرائيلي" المسكوت عنه، سياسياً وإعلامياً؛ ورصد المواقف والشخصيات الأميركية التي هيأت الظروف لعملية الاغتيال، ولا سيما أن السياسة الأميركية الرسمية لا تتبنى الاغتيالات عقب سلسلة فضائح سابقة لوكالة الاستخبارات المركزية اضطر الكونغرس على التدخل لوقفها.

في أعقاب القصف الإيراني على قاعدتين عسكريتين أميركيتين في العراق والتزام الجانب الأميركي لهجة "التهدئة" رسمياً. سنعرض أيضاَ للخيارات العسكرية الأميركية الواقعية وليس الاستعراضية.

أميركياً

العداء الأميركي لإيران وبسط الهيمنة عليها تجسد منذ الخمسينيات من القرن الماضي، بدءاً بترتيب واشنطن انقلاباً على رئيس الوزراء الوطني محمد مصدق، وزادت حدته وشموليته منذ الثورة الإيرانية عام1979 وما رافقها من إغلاق السفارة الأميركية واحتجاز دبلوماسييها.

تستحضر واشنطن نظرية وزير خارجيتها الأسبق، هنري كيسنجر، في تقييمه لإيران متسائلاً  "هل إيران دولة وطنية أم قضية" أي دولة تتقوقع داخل حدودها أم ذات رسالة ظاهرها ثوري وتجديدي. أما الملف النووي، مركز ثقل السياسة الأميركية والغربية نحو إيران، فقد تحقق فيه إنجاز اتفاق دولي (انسحب منه ترامب) رغم تحفظات إيران ورؤيتها لأميركا "الشيطان الأكبر".

من الناحية العملية، تبنت واشنطن على مدى العقود الأربعة الماضية سلسلة توجهات وسياسات متباينة نحو إيران، تتمحور حول "احتوائها أم إشراكها أو شن عدوان" عليها لتركيعها، وأضيف عليها لفظ مهذب نسبياً "تغيير طهران لسلوكها".

الحصيلة العملية لتلك السياسات عبر الإدارات المتعاقبة والتمهيد "الدبلوماسي" للإطاحة بالنظام الحالي، عبر شيطنته واعتباره جزءاً من "محور الدول المارقة،" واستبداله بنظام شبيه بنقيضه الشاهنشاهي يعيد الولايات المتحدة للسيطرة على موارد ومستقبل البلاد.

في ما يتعلق بقرار اغتيال قاسم سليماني، يمكننا القول إن هناك إجماعاً داخل مفاصل المؤسسة الحاكمة حول الدور المحوري لوزير الخارجية مايك بومبيو لخلفيته المتشددة وسجله الطويل في خدمة الاستراتيجية العليا للبلاد: العداء لروسيا والصين وإيران، وكذلك فنزويلا وحركات التحرر في أميركا اللاتينية؛ وكوفئ بترؤس وكالة الاستخبارات المركزية لفترة زمنية محدودة استطاع خلالها إحداث تغييرات بنيوية مفصلية تحابي توجهات المحافظين الجدد.

وينسب لبومبيو أيضاً  تدخله في جملة تعديلات طرأت على قمة الهرم العسكري في البنتاغون، وترشيحه لموظف شركة لوكهيد السابق، مارك إسبر، لمنصب وزير الدفاع. اللافت أن سعر أسهم تلك الشركة ارتفع بشكل حاد "قبل يومين من اغتيال سليماني."

وشكل ذاك الثنائي رأس الحربة بالتناغم مع الصقور داخل الإدارة، نائب الرئيس مايك بنس ومستشار الأمن القومي جون بولتون وآخرون بعضهم "إسرائيلي الهوى" تربع على منصب محوري في مجلس الأمن القومي.

بومبيو "تحدث مع الرئيس ترامب عدة مرات" يومياً خلال الأسبوع الذي سبق عملية الاغتيال، وفق ما نقلته يومية واشنطن بوست،  في 3 كانون الثاني/ يناير الجاري. وأضافت أن القرار جاء ثمرة مسيرة "إلحاح بومبيو ونائب الرئيس بنس".

ضباط استخبارات متقاعدون يسوقون حالة الإحباط التي رافقت بومبيو عقب حادثة إسقاط إيران الطائرة الأميركية المتطورة المسيّرة، لتراجع ترامب عن توجيه "ضربة عسكرية" لإيران، وصفه مرافقوه بأنه خرج "متجهم الوجه" من لقاءاته في البيت الأبيض. كما أنه عرض على الرئيس ترامب "اغتيال سليماني" منذ بضعة أشهر ولم يلقَ استجابة ليس من الرئيس فحسب، بل من قادة البنتاغون.

أما دور القيادات العسكرية الأميركية، ممثلة بالبنتاغون ورئاسة الأركان، في رسم أو تعزيز السياسات الأميركية فقد تعرضت لتقلبات وتجاذبات منذ صدمة هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2011. وقد أوجزت يومية نيويورك تايمز أزمة سلة الخيارات المتاحة لبلورتها أمام الرئيس كي يتخذ قراره بناء على معلومات موثقة قائلة "وفر قادة البنتاغون للرؤساء خيارات عملياتية بعيدة المنال كي تبدو الخيارات الأخرى مستساغة" وأصيبت وزارة الدفاع الأميركية- البنتاغون بالصدمة من قرار الرئيس ترامب بالمصادقة على عملية الاغتيال في 4  كانون الثاني يناير الجاري).

من بين الخيارات التي صاغتها وزارة الفاع الأميركية -البنتناغون للرئيس ترامب، عقب حادثة السفارة الأميركية في بغداد، شن غارات جوية ضد سفن أو منشآت صاروخية لإيران، أو استهداف مواقع "للميليشيات الشيعية" في العراق.

ووفق مصادر عسكرية أميركية شملت قائمة خيارات البنتاغون "استهداف قاسم سليماني" بغية ترجيح الخيارات الأخرى. وعندما اختار ترامب الاغتيال أصيبت القيادات العسكرية بالذهول والصدمة معربين عن قلقهم لمصير وسلامة القوات الأميركية في المنطقة "ولم يكن واضحاً ما إذا بذل (مارك) ميللي أو (مارك) إسبر جهوداً لثني الرئيس عن قراره" (نيويورك تايمز).

استغل فريق بومبيو ومؤيدوه في مراكز القرار من المحافظين الجدد تلك الحادثة للتحريض ضد ترامب الذي أضحى متردداً وضعيفاً، وفق تفسير أولئك، بالتساوق مع بعض التعديلات التي طرأت على هيكلية فريق الأمن القومي لتصعيد الخطاب السياسي والإعداد لمواجهة مع إيران، ووقع الاختيار على قاسم سليماني نظراً لمكانته المحورية ليس لإيران فحسب، بل "لمحور المقاومة" المناهض للهيمنة الأميركية.

في البعد الاستراتيجي، رمى فريق التصعيد الأميركي أيضاً توجيه ضربة لروسيا باختيار توقيت الاغتيال مباشرة بعد انتهاء المناورات العسكرية الثلاثية المشتركة، إيران وروسيا والصين، من أجل ترجيح كفة "القطب الأوحد" في المنطقة والعالم.

البعد "الإسرائيلي"

جهود التنسيق والتكامل بين الكيان "الإسرائيلي" والولايات المتحدة لا تستثني أي نشاط من نواحي الحياة، ولا سيما في المستوى الاستخباراتي والعسكري والاقتصادي؛ فضلاً عن الدور المرسوم لتل أبيب كقاعدة أميركية متقدمة في المنطقة.

ما يهمنا في هذا السياق هو الجهود المشتركة للطرفين ضد إيران، وهوة ما سنسلط الضوء عليه لدعم فرضية أن الاغتيال كان قراراً مشتركاً بينهما منذ زمن.

بعد أشهر معدودة من تولي الرئيس ترامب مهام منصبه، أبرم الطرفان الأميركي و"الإسرائيلي" مذكرة تفاهم تلزمهما بالتعاون الوثيق لتصديهما للمشروع النووي الإيراني، في أعقاب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2017؛ وبعد انعقاد سلسلة من "اللقاءات السرية في البيت الأبيض".

وقعت المذكرة في البيت الأبيض يوم 12 كانون الأول/ ديسمبر 2017، بين فريقي الطرفين برئاسة مستشاريهما لشؤون الأمن القومي، اتش آر ماكماستر، عن الجانب الأميركي، ونظيره مائير بن شباط.

تناقلت وسائل إعلامية أميركية متعددة نبأً قبل نحو سنتين بأن ".. الولايات المتحدة أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لاغتيال سليماني .. نتيجة اتفاقهما على أنه يشكل تهديداً" للطرفين. وأوضحت أن مصدرها كان صحيفة تصدر في الكويت، الجريدة، والتي ".. في السنوات الأخيرة تنشر أخباراً من مصادر إسرائيلية حصراً". (الجريدة، 1  كانون الثاني يناير 2018).

وتضيف الصحيفة الكويتية أن الولايات المتحدة أفشلت عملية اغتيال لسليماني مشابهة قبل نحو ثلاث سنوات (2015) في دمشق، مما "أثار جدلاً خلافياً حاداً" بين جهازي الأمن للطرفين.

رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية، الموساد، يوسي كوهين صرح لصحيفة تتبع الأرثوذكس اليهود، في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بأن اغتيال سليماني "ليس أمراً مستحيلاً .. (مستدركاً) أنه لم يرتكب الخطأ الأمني" الذي يعرضه للانكشاف والاستهداف.

كما أشارت يومية نيويورك تايمز، في2 حزيران/ يونيو 2017، إلى الإجراءات التي استحدثها مدير السي آي ايه، مايك بومبيو، عززت منحى العمليات السرية والاغتيالات؛ مؤكدة أن وكالة الاستخبارات المركزية "بالتعاون مع الموساد استخدمت سيارة متفجرة لاغتيال عماد مغنية في دمشق" بتاريخ 12 شباط/فبراير 2008.

إذا استثنينا جانباً تجنيد الموساد والسي آي ايه لعملاء إيرانيين، ولا سيما مجموعة مجاهدي خلق، لاغتيال 5 علماء إيرانيين في مجال الطاقة النووية داخل إيران؛ ينبغي لفت الأنظار للعمليات العسكرية "الإسرائيلية" داخل العراق منذ توقيع "مذكرة التفاهم المشتركة" مع الولايات المتحدة.

هل نسقت واشنطن مع تل أبيب لاغتيال قاسم سليماني؟ الصحافة الأميركية وفرت علينا الجواب إيجاباً.

يومية لوس إنجليس تايمز، في 4 كانون الثاني/ يناير الجاري، أكدت أنه كان لتل أبيب إشعار مسبق بالخطة الأميركية نقلاً عن مصدر عسكري "إسرائيلي" رفيع. الصحافي المقرب من الأجهزة الأمنية في تل أبيب، باراتك رافيد قال "تقييمنا هو أن الولايات المتحدة أبلغت إسرائيل بهذه العملية في العراق، على ما يبدو قبل بضعة أيام". (قناة الحرة الأميركية، 4 كانون الثاني/ يناير.

الخيارات الأميركية

التزمت واشنطن الرسمية شح الكلام والتعليق في الساعات الأولى لإصابة الصواريخ الإيرانية قواعدها في العراق، واستنفدت اجتماعين عاجلين لمجلس الأمن القومي قبل ظهور الرئيس ترامب في رسالة متلفزة للأمة محاطاً بطاقمه من المستشارين والوزراء، مشدداً على أن بلاده لم تتكبد خسائر بشرية من جراء الهجوم.

كانت تلك إشارة بأن واشنطن لن ترد على الفور وترجمة لكتاب وجهه للكونغرس مفاده بأن الرد الأميركي على إيران مشروط "بمهاجمتها أي شخص أو هدف أميركي .. وسيكون الرد سريعاً وبشكل كامل وربما بطريقة غير متناسبة".

عند هذا المنعطف، وبعد فشل بومبيو ومؤيديه بجر الولايات المتحدة إلى حرب مباشرة مع إيران سيتعين عليه استنباط حيلة وذريعة أخرى لإشعال حرب، مع الأخذ بعين الاعتبار موسم السباق الانتخابي.

إعادة انتشار" القوات الأميركية في سوريا والعراق دليل آخر على "تراجع" الولايات المتحدة في المرحلة الراهنة، وإبقاء بوصلتها مصوبة شرقاً باتجاه الصين وروسيا.

عديد القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، برية وجوية وبحرية ومشاة البحرية – المارينز، تندرج تحت عناوين ثلاثة عريضة:

القوات المقاتلة: قوات مدربة على مهام الاقتحام والالتحام مع الخصم وحماية المواقع الأميركية، ونشر وحدات صغيرة مدربة لتحقيق مهام محددة، ومعظمها يتواجد في أفغانستان.

الفنيون: فرق من الجنود المدربين على صيانة نظم التسليح المتعددة، كالطائرات المقاتلة ونظم الدفاع الجوي وشبكات الرادار. تقتصر مهامهم على الدفاع وحماية المواقع، وليس القيام بعمليات هجومية أو اشتباك مع الخصم.

القوات المساندة: تشمل فرق الإغاثة والفرق الطبية والقيام بمهام الإمداد والنقل، لكنها غير ملائمة لخوض معارك حربية.

باستثناء بعض الفرق الصغيرة من مشاة البحرية والمرابطة في الكويت فإن معظم القوات الأخرى تندرج مهامها في حماية وصيانة نظم التسليح المتعددة: المقاتلات الحربية، نظم الدفاع الصاروخية، صواريخ كروز، والطائرات المسيرة. مجموعة محدودة من المارينز اتجهت من الكويت إلى بغداد لتوفير حماية للسفارة الأميركية.

أرسلت وزارة الدفاع الأميركية- البنتاغون نحو 2200 جندي من مشاة البحرية، وحدة 26 الاستكشافية، إلى المغرب للمشاركة في التدريب، وسيرابطون على متن السفن الحربية.

كما أرسلت مجموعة من الفوج 75 للحرس لتعزيز مهام الحماية في المنطقة.

ويتأهب اللواء القتالي 173 المحمول جواً للذهاب إلى المنطقة ويرجح أنه سيقوم بحماية السفارة الأميركية في بيروت.

أما مجموع القوات الأميركية العاملة في المنطقة فيبلغ نحو 80000 عسكري، معظمها لمهام قتالية، وفق بيانات البنتاغون، موزعة كالتالي:

أفغانستان – 14000 جندي؛ الكويت وقطر – 13000 لكل منهما؛ البحرين – 7000؛ العراق – 6000؛ السعودية – 3000؛ الأردن – 5000؛ وسوريا – 800.

القوات البحرية العاملة في المنطقة يبلغ تعدادها 5000 عسكري.

كما تحتفظ الولايات المتحدة بترسانة من الأسلحة والذخائر مخزنة في مناطق متعددة باستطاعتها نشرها في أي وقت يستدعي ذلك.

سلاح صواريخ كروز المنطلقة من البحر سيكون له دور بارز في أي مواجهة محتملة مع إيران، وكذلك المئات من الطائرات المقاتلة، سواء في القواعد البرية في الخليج أو في عرض البحر.

المواجهة الأشد ترجيحا بين إيران والولايات المتحدة هي في مجال القرصنة الإلكترونية والتي يستخدمها الطرفان من دون إعلان في أغلب الأحيان؛ وكذلك في مضيقي هرمز وباب المندب حيث تتواجد حاملات الطائرات الأميركية وبوارجها الحربية.

أما القوات الإضافية التي تستعد واشنطن لإرسالها للمنطقة فهي لساحة العراق لاعتقاد الأولى أن القوى الشعبية المسلحة ستستهدف القواعد الأميركية هناك، وتقتصر مهامها على تعزيز سبل الحماية للمنشآت والمؤسسات الأميركية هناك.

إقرأ أيضاً