إعلان "إقليم شرقي الفرات" بعدوان أميركي على دير الزور

العدوان الأميركي على مجموعات شعبية موالية للنظام السوري في دير الزور، ربما يؤشر إلى تجاوز واشنطن لخط التفاهم غير المعلن مع موسكو بشأن خط الحدود بين غربي الفرات وشرقه. لكن حسابات واشنطن بالمراهنة في عدوانها على إعلان "إقليم شرقي الفرات"، قد يتجاوز قدراتها على تحقيق تقسيم سوريا في "خطة السلام السورية" التي تسميها استراتيجية "لا ورقة".

الاستراتيجية الأميركية تقوم على إنشاء إقليم شرقي الفرات للاستيلاء على النفط والغاز والزراعة والمياه

الاعتداءات التي كانت تقوم بها الطائرات الأميركية على أنحاء متفرقة في دير الزور، هي في إطار ما تنسبه بعض المصادر إلى تفاهم مع موسكو بشأن تقاسم شرقي الفرات وغربه في لقاءات متعددة بين سيرغي لافروف وجون كيري. لكن الاعتداء الأميركي الجديد الأكثر توحشاً، يبدو أنه يمهّد لسياق أميركي آخر وصفه سيرغي لافروف بأنه تعبير عن "وجود خطة عملية لتقسيم سوريا في واشنطن التي تسير في هذا الاتجاه على ما يبدو".

موسكو لا تزال تبدي استعدادها للتفاهم "بشأن المسائل الأكثر إلحاحاً لكنها لن تصرّ على ذلك كثيراً" بحسب نائب وزير الخارجية الروسي أوليغ سيرومولوتوف. لكنها على ما يبدو لا تعوّل على رغبة واشنطن في تحقيق السلام في سوريا، استناداً إلى مساعيها لتعطيل مباحثات سوتشي بناء على مضمون الوثيقة التي سماها ريكس تيلرسون مع نظرائه الحلفاء في اجتماع نيويورك "لا ورقة" بشأن استراتيجية أميركية جديدة للسلام في سوريا.

ما برز في هذه "اللا ورقة" اعتماد  ما يُطلق عليه اللامركزية السياسية للتصريح بتقسيم سوريا إلى كيانات عرقية وطائفية وعشائرية....، والانقلاب على مركزية الدولة وعلى سياستها الداخلية والخارجية. ومن ضمن هذه الاستراتيجية الأميركية إنشاء إقليم شرقي الفرات للاستيلاء على النفط والغاز والزراعة والمياه كما عددتها الوثيقة من ثروات "للإفادة منها".

هذه المنطقة تبلغ مساحتها حوالي 28 ألف كلم2 وهي خزان الثروات الطبيعية السورية مزوّدة بأهم مصادر الطاقة في حقل كونيكو وحقل العمر وأهم معمل لمعالجة الغاز (13 مليون متر مكعب من الغاز في اليوم) على أعتاب عصر جديد للصراع على استحواذ الثروات الطبيعية ولا سيما طاقة الغاز وطرق إمداداتها بين دول المنطقة وبينها وبين اسرائيل من جهة أخرى. وبحسب "مؤسسة رند" يمكن أن تتضمن هذه الاستراتيجية المسماة "خطة للسلام في سوريا" التوغل في مدينة البوكمال ومدينة الميادين بتفاهم أميركي ــ روسي ــ أردني لطمأنة إسرائيل إزاء التسوية السياسية ضد الوجود الإيراني.

ما يهدّد به الرئيس التركي رجب طيّب إردوغان في وصول العلاقات الأميركية ــ التركية إلى مفترق طرق، قد يكون أنه نتيجة جموح أنقرة إلى تقاسم النفوذ والمصالح في هذه المنطقة السورية بين الحلفاء الاستراتيجيين في حلف الناتو وليس اتخاذ واشنطن وحدات الحماية الكردية أداة تكتيكية في تقسيم سوريا والاستيلاء على ثرواتها. فتركيا في هذا الاطار تشارك أميركا في الطموح بالاستيلاء على ثروات سوريا وتقسيمها بين الكيانات، لكن بمكونات مختلفة عن المكونات التي تعتمدها واشنطن.

لكسر التغوّل الأميركي، حاولت موسكو الاتفاق مع أنقرة وإيران على  عملية السلام في سوريا بحسب مسار آستانة الذي يقطع الطريق على التغوّل الأميركي ومسار جنيف. لكن أنقرة لم تلتزم بتعهداتها في مسار آستانة طمعاً بالمحافظة على زمن الوصل مع الناتو ودول جنيف. هي لم تلتزم في الموضوع الأهم بالنسبة لسوريا وهو المساهمة في مواجهة جبهة النصرة وحلفائها في إدلب. بل على العكس من ذلك ردّت على تقدّم الجيش السوري في إدلب إلى مطار أبو الضهور لتكريس التحالف مع النصرة وتدعيم نقاط المراقبة التركية في إدلب بذريعة معركة عفرين.

أنقرة تحاول إشاعة التفاهم مع موسكو وطهران في الدعوة إلى اجتماع ثلاثي في اسطنبول، على غرار اللقاء الثلاثي في سوتشي الذي أطلق مسار آستانة. ولتعزيز إشاعة التفاهم الثلاثي تعِد أنقرة برفع مستوى التنسيق واللالتزام الصارم باتفاقيات آستانة. لكن موعد الاجتماع لم يتحدد ولا لمحت أنقرة إلى التزامها بمواجهة النصرة التي أسقطت طائرة روسية انطلاقاً من منطقة مراقبة تركية، بل وعد إردوغان "بحل مشكلة إدلب بعد الانتهاء من عفرين".

وفي خطابه بمجمع الرئاسة الذي يعلن فيه عن مفترق طرق في العلاقات الأميركية ــ التركية، يعلن عن تقاطع وانسجام تام في الأساس وهو رفض الاعتراف باستقلال سوريا ورفض الحوار مع الرئيس بشار الأسد.