ما هو تأثير الانتخابات النصفية على سياسة ترامب؟

النظام السياسي الأميركي "يجدد" نفسه كل سنتين بانتخابات ممثليه في الكونغرس والرئاسة كل أربع سنوات. بالنتيجة تبقى القوى الاجتماعية الراغبة في التغيير الحقيقي أسيرة ضغوط الزمان إذ لا تكاد تنتهي من جولة حتى تعد لجولة اخرى، وهكذا دواليك. بيد أن "التغيير" الآتي عبر نتائج الانتخابات لا يستطيع الصمود أمام تشتيت الأنظار والاهتمامات "وافتعال" الازمات، سواء داخلياً وخارجياً.

ترامب يرغب في ادخال تعديلات أخرى على إدارته، خاصة في منصب وزير الدفاع الذي يحاصره إعلامياً لدفعه إلى تقديم استقالته كي ينجو بأقل الخسائر
ترامب يرغب في ادخال تعديلات أخرى على إدارته، خاصة في منصب وزير الدفاع الذي يحاصره إعلامياً لدفعه إلى تقديم استقالته كي ينجو بأقل الخسائر

تميزت مشاركة المرأة في الانتخابات النصفية بدخول 255 حلبة الانتخابات عن الحزبين. ففازت مرشحات الحزب الديموقراطي بـ 93 مقعداً، مقابل 13 مقعداً لمؤيدي الحزب الجمهوري. وتصدرت المرأة عمليات التحشيد للناخبين ومطالبتها بضرورة تحقيق تمثيل أوسع انطلاقاً من حالة الغضب المتصاعدة من تساهل الجهات الرسمية مع المتهمين بالتحرش الجنسي، ابرزهم القاضي في المحكمة العليا، بريت كافانو.

على الطرف الآخر من المعادلة، سجلت الدورة الانتخابية الكلفة الأضخم في تاريخ الانتخابات الأميركية، إذ تم صرف ما لا يقل عن 5 مليار دولار أنفقها الطرفان، ما يشير إلى تعاظم دور رؤوس الأموال والممولين لكلا الطرفين والتي لا تبرر الأحجام والنتائج الباهتة للحزبين في تقاسم السيطرة على مجلسي الكونغرس.

النظام السياسي الأميركي "يجدد" نفسه كل سنتين بانتخابات ممثليه في الكونغرس والرئاسة كل أربع سنوات. بالنتيجة تبقى القوى الاجتماعية الراغبة في التغيير الحقيقي أسيرة ضغوط الزمان إذ لا تكاد تنتهي من جولة حتى تعد لجولة اخرى، وهكذا دواليك. بيد أن "التغيير" الآتي عبر نتائج الانتخابات لا يستطيع الصمود أمام تشتيت الأنظار والاهتمامات "وافتعال" الازمات، سواء داخلياً وخارجياً. المكاسب النسبية التي حققها الحزب الديموقراطي ليست كافية للقضاء أو الحد من طابع الاستبداد للرئيس ترامب، وربما سيحقق إبطاء بعض برامجه وسياساته، لكنها ليست كافية للتصدي الحقيقي للتغول الرأسمالي الجديد أو الإعداد لمرحلة مقبلة يحقق فيها تغييراً حقيقياً يعيد البوصلة إلى ما ينشده من برامج اجتماعية.

خارطة التوزيع الديموغرافي للناخبين جاءت مطابقة للتوقعات: المناطق المدينية ذات الكثافة السكانية أسهمت مباشرة في نتائج مجلس النواب – المعبر الأكثر قرباً عن مصالح وتطلعات القطاعات الشعبية. بينما المناطق الريفية شاسعة الامتداد وتحتل مركزاً اجتماعياً متدنياً مقارنة مع المدينية، فقد صوتت لصالح مرشحي الحزب الجمهوري.

الرقم السحري للحزب الديموقراطي كان ضرورة فوزه بـ 23 مقعداً في مجلس النواب، وجاءت النتيجة لما لا يقل عن 26 مقعدا؛ إذ لا تزال بعض الولايات لم تحسم نتائجها النهائية، وأحداها في ولاية مسيسيبي ستعقد جولة انتخابية بين المرشحين، الأول والثاني، لعدم حصول أي منهما على نسبة 50% في الجولة الأولى.

الحزب الجمهوري ركز جهوده على مناصب وولايات محددة، واستطاع توسيع اعضائه من 51 إلى 54 على الأقل، بانتظار إعلان النتائج النهائية لولايات لم تنجزها بعد. وسخّر الرئيس ترامب وما يمثله في ذهنية مؤيديه المتشددين جهوده لحشد الدعم لمرشحيه، لا سيما لمنصب مجلس الشيوخ. ومن بين 11 مرشحاً ساندهم الرئيس ترامب وشاركهم المنصة فاز 9 منهم بمناصبهم، ما أدخل نشوة الانتصار مجددا للرئيس.

من أبرز خصائص استراتيجية الحزب الجمهوري، بتركيز جهوده وموارده على مجلس الشيوخ، أن الرئيس ترامب ينجح في تعيين ما يراه مناسبا لمناصب شاغرة في القضاء والسلك الديبلوماسي ودخول أعضاء جدداً لحكومته التي تتطلب جميعها مصادقة بالاغليبة من مجلس الشيوخ بمفرده.

قادة الحزب الديموقراطي حافظوا على إرسال رسائل تهديد لنظرائهم في مجلسي الكونغرس بأن على رأس سلم أولوياتهم عند تسلمهم مجلس النواب، وما سيترتب عليه من تبديل مواقع لرئاسة اللجان المختلفة، سيشرعون بإعادة إجراءات التحقيق في سجلات الرئيس ترامب المالية والضرائبية، والقضائية لإثارة زوبعة كثيفة من الغبار لشل حركته. لكن مجلس النواب لا يستطيع المضي بتنفيذ مطالب قواعده الشعبية بضرورة تقديم الرئيس ترامب للمحاكمة بهدف عزله، إذ يتطلب الإجراء تأييد نسبة ثلثي اعضاء المجلس، مما يخرج أحد أهم أسلحة الحزب من الحلبة قبل أن يبدأ.

بعض المراقبين يعربون عن اعتقادهم بترحيب الرئيس ترامب إقدام الحزب الديموقراطي على تفعيل اجراءات العزل، نظراً لاطمئنانه بفشلها من ناحية، ومن ناحية اخرى سيستعيد مجد ادائه في حشد قواعد حزبه لدعم مرشحه للمحكمة العليا، بريت كافانو. استدراجه قادة الحزب الديموقراطي لهذا المربع يتيح له التحلي بصفة "الضحية،" لا سيما وأن استطلاعات الرأي جاءت بمعارضة اغلبية الناخبين بنسبة 56% لإجراءات العزل.

سلاح التحقيقات ذو حدين، يدركه الحزبان، واستخدامه من قبل أحدهم يستدعي تحرك الطرف الآخر لحملة مشابهة ضد خصومه من القيادات النافذة، لا سيما وأن تركيبة وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي تخضع لسيطرة الرئيس ترامب.

وعليه من غير المتوقع الذهاب أبعد من تسجيل مواقف وإدامة تسليط سيف التهديد لكن دون نتائج حقيقة لأي من الطرفين، مما سيعزز مرحلة الشلل الحكومي في بعض القضايا الحساسة كالمصادقة على ميزانية الدولة التي يبدأ التداول بها في مجلس النواب وترفع من ثم لمجلس الشيوخ.

أما السلطة التنفيذية ممثلة بالرئيس ترامب فهي غير مقيدة بالتشاور مع الكونغرس، ويرجح مضي الرئيس باستخدام مكثف لإصدار قرارات رئاسية، كما فعل سلفه الرئيس أوباما في ولايته الرئاسية الثانية نظراً لحالة الشلل السائدة في مجلسي الكونغرس آنذاك.

قبل أن تتضح نتائج الانتخابات النهائية أقدم الرئيس ترامب على "إقالة" وزير العدل جيف سشينز واستبداله بمدير مكتبه قافزا فوق سلم التسلسل المهني تجسدت اصداؤها في توجيه الاتهامات له بأنه يقترب من تنفيذ قراره بتعطيل مهمة المحقق الخاص، روبرت موللر. قيادات الحزب الديموقراطي كانت حذرة في اتهامه ولم تصف الإجراء بأنه مخالف للنصوص الدستورية، كما سعى البعض في وسائل الإعلام وطلبت منه فقط الرد على استفساراتها لتعليل قراره وإسناده بالقوانين الناظمة. ومن غير المتوقع أن يستجيب الرئيس ترامب لتلك المطالب في المدى المنظور.

ترامب يرغب في ادخال تعديلات أخرى على إدارته، خاصة في منصب وزير الدفاع الذي يحاصره إعلامياً لدفعه إلى تقديم استقالته كي ينجو بأقل الخسائر. المرجح أن التعديل في المنصب سيتم مع مطلع العام المقبل والتئام دورة الكونغرس بتركيبته الجديدة.

من أبرز اسلحة ترامب وأشدها فعالية بين مؤيديه إثارته موجة عداء ضد قافلة المهاجرين مشياً على الأقدام عبر الأراضي المكسيكية باتجاه الحدود الأميركية. وأعلن عن ارساله ما لا يقل عن 5 آلاف عنصر من القوات المسلحة بكامل عتادها القتالي "لحماية" الحدود الجنوبية للبلاد. والأرجح استمراره في التعويل على نبش المسألة واستنهاض العداء الشعبي لطرف وخطر مصطنع.

في هذا السياق قد يسخّر الرئيس ترامب ورجالات المؤسسة الحاكمة الأعمال الإرهابية واطلاق النار الحي على مدنيين دون تحديد، إضافة لقدرته على تحشيد قاعدة مؤيديه المدججة بالأسلحة النزول إلى الشوارع والاصطدام حين يشتم خطراً محدقاً على مستقبله.