بين باريس وخان يونس: قطاع غزة يردع تل أبيب

في باريس قدّم نتنياهو خطاباً حمائمياً ظاهرياً ينطبق عليه وصف الذئب بجلد الحمل؛ وفي خان يونس كان نتنياهو يحاول غرس أنيابه في الجسد الفلسطيني، مُظهراً بذلك وجه الاحتلال الحقيقي.

ساعات معدودات فقط فصلت بين  إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في مؤتمر صحفي عقده في باريس بعد ظهر يوم الأحد أنه "لا يوجد حل سياسي مع غزة" وأنه يفعل كل ما بوسعه لتجنب الحرب غير الضرورية مع قطاع غزة، وبين إحباط المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة عملية أمنية إسرائيلية في منطقة خان يونس.

التعتيم الذي فرضه الجيش الإسرائيلي على أهداف العملية الأمنية السرية في منطقة خان يونس، لم تمنع طرح أسئلة سياسية في إسرائيل، لا سيما وأن العملية حصلت بمصادقة مسبقة من نتنياهو، ووزير الأمن افيغدور ليبرمان، ومن رئيس الأركان غادي آيزنكوت الذي أشرف شخصياً على تنفيذها وفق ما ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية. ما تقدم يعني أن الأمر يتعلق بعملية نوعية من حيث الأهداف المتوخاة منها. وإذا صحّت الرواية الرسمية للجيش الإسرائيلي التي استبعدت الخطف والتصفية من دائرة الأهداف المقررة للعملية، فهذا يعني أرجحية معقولة للفرضية التي أثارتها تقارير إعلامية إسرائيلية والتي تفيد أن هدف العملية له علاقة بمصير الإسرائيليين المحتجزين أو المفقودين في قطاع غزة.

الأسئلة التي أثارتها العملية في ضوء نتائجها (استشهاد سبعة فلسطينيين، ومقتل ضابط إسرائيلي برتبة مقدم وإصابة آخر من إحدى وحدات النخبة) تنبع قبل كل شيء من توقيتها، لأنها وقعت في وقت حساس جداً في ضوء الاتصالات الجارية للتوصل إلى تهدئة بين إسرائيل وقطاع غزة، والتي تشارك فيها مصر وقطر والأمم المتحدة وبدعم من البيت الأبيض، ولأنها  تلت كلام نتنياهو من باريس الذي قال فيه إنه لا يريد بأي ثمن حرباً في غزة لا جدوى منها بسبب عدد القتلى الكبير الذي سيسقط هناك مع جدوى مشكوك في أمرها، ذلك أنه من لا يريد حرباً لا جدوى منها كان عليه أن يفكر ملياً قبل أن يصادق على عملية لا جدوى منها، بحسب مراقبين إسرائيليين.

في باريس قدّم نتنياهو خطاباً حمائمياً ظاهرياً ينطبق عليه وصف الذئب بجلد الحمل؛ وفي خان يونس كان نتنياهو يحاول غرس أنيابه في الجسد الفلسطيني، مُظهراً بذلك وجه الاحتلال الحقيقي. ويمكن القول أن يقظة مقاومي خان يونس، عّرّت النفاق الإسرائيلي، ففي خان يونس لم تسقط فقط السردية الإسرائيلية التي تحاول أن تقدم إسرائيل بثوب الضحية، وقطاع غزة بصورة الجلاد، بل سقطت أيضاً "أسطورة تفوق قوات النخبة" في جيش الاحتلال الإسرائيلي، بعد وقوع القوة الإسرائيلية المعتدية في كمين فلسطيني محكم، والنجاة من كارثة مُحتمة لولا القوة النارية الكثيفة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي لإنقاذ ضباطه وجنوده؛ وما لا يقل أهمية هو سقوط قواعد اللعبة التي تحاول إسرائيل أن تمليها على المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وانتقال المبادرة في هذا المجال إلى الجانب الفلسطيني، وهو ما تجلّى في الرد الصاروخي الواسع والفعّال الذي بادرت إليه فصائل المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة، والذي عكس برأي محللين إسرائيليين وجود معادلة ردع جديدة بين قطاع غزة وتل أبيب، معادلة تنجح فيها المقاومة الفلسطينية في تثبيت قواعدها للعبة القائمة على حقها بالرد على كل اعتداء إسرائيلي وتنفيذها هذا الحق، وتنجح في ردع إسرائيل أيضا عن الذهاب بعيداً في عدوانها.

ولعلّ أبلغ تعبير عن ذلك جاء في كلام قائد المنطقة الشمالية سابقاً، اللواء احتياط عميرام ليفين، بقوله للقناة التلفزيونية الإسرائيلية:"منذ ثمانية أشهر وحماس هي التي تردع الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل، وتُملي الإيقاع، وتنغص حياة سكان غلاف غزة وشمال النقب وهذا لا يمكن أن يستمر".