إلى أين يمضي ترامب في حماية ابن سلمان؟

الرئيس الأميركي الذي ترك الباب موارباً، لحفظ خط الرجعة في حال اضطراره إلى التخلي عن حماية ابن سلمان، أحال الكرة في الظاهر إلى الكونغرس الأميركي. لكن أبعد من الظاهر قد يكون من غير المتوقع أن يتخلى ترامب عن بصيص أمل يساعد على حماية ابن سلمان، لأسباب أعمق.

يتميز ابن سلمان عن أترابه من أمراء الأسرة السعودية الحاكمة أنه وحده سليل مدرسة ترامب
يتميز ابن سلمان عن أترابه من أمراء الأسرة السعودية الحاكمة أنه وحده سليل مدرسة ترامب

بيان البيت الأبيض الذي كان منتظّراً للاطلاع على طقس ترامب بعد تسريبات "السي آي إيه" لإحراجه، رأى فيه البعض أن ترامب يتراجع عن حماية ابن سلمان بسبب إشارته إلى إن علاقته مع المملكة، وليست مع محمد بن سلمان. ورأى فيه البعض الآخر أنه يتهرّب من إعلان موقفه بإحالة الموضوع إلى الكونغرس، وبذلك يعلن عن استعداده التخلي عن ابن سلمان إذا ارتأى الكونغرس ذلك.

الرؤية الأكثر وجاهة التي ترجّح تخلي ترامب عن حماية ابن سلمان، ترتكز إلى أن ترامب يستطيع استنساخ محمد بن سلمان آخر في السعودية إذا تخلّى عن ولي العهد وقطع الطريق على كرة الثلج التي يمكن أن تصل إلى رقبته في أميركا في حال إصراره على التمسّك بحليف ينبغي على من يسلّم عليه أن يتفقّد أصابعه.

ولا شك أن ترامب يحفظ عن ظهر قلب التراث الأميركي المعهود في التخلّي عن الحلفاء في أول مفترق، إذا وجدت الإدارة الأميركية مصلحة ولو طفيفة، حينها تقلب لحلفائها ظهر المجنّ. ولا يبدو أن ترامب يشعر بمصلحةٍ لإدارته إذا تخلّى عن حماية ابن سلمان، والأرجح أنه يرى مصلحته في حمايته إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

قد يكون حديث ترامب المتكرر لدغدغة الغريزة الشعبوية الأميركية، عن 450 مليار دولار من السعودية في الاقتصاد الأميركي، هو أقل العناصر المؤثرة في انحياز ترامب لابن سلمان. فهو حديث مبالغ فيه يتعمّد به ترامب تضخيم العقود الحقيقية التي تبلغ حوالي 20 مليار دولار، بحسب مرشح الرئاسة السابق بيرني ساندرز. وفي كل الأحوال لا يرتبط هذا الأمر بمحمد بن سلمان من دون آخر تأتي به أميركا إلى سدّة العرش من الأسرة الحاكمة.

لعل العنصر الأهم الذي يتمسّك به ترامب، مفاده أن تراجع ترامب عن استثمار سخّر له صهره وعائلته وكل ثقله لتسجيل فتح لم يسبقه إليه أوباما وغيره في حلم صفقة القرن، فمثل هذا التراجع هو اعتراف بالهزيمة أمام الطبقة السياسية والنخبة الأميركية المناوئة له التي تخوض معركة كسر عظم مع ترامب تعبيراً عن حالة الانقسام الحاد في أميركا.

في هذا الشأن يحسب ترامب ألف حساب لعدم ارتكاب خطأ في مرماه. ويفضّل خوض معركته باستنفار الشعبوية الأميركية، كما خاضها قبل الانتخابات، وعدم الانزلاق إلى معركة خاسرة مسبقاً  فيما تسميه الطبقة السياسية المناوئة "القيم الأميركية". فيكتفي بإطلاق أحكام يلهج بها شارع ترامب "قد لا نتوصل مطلقاً لمعرفة كافة الحقائق".

يتميز ابن سلمان عن أترابه من أمراء الأسرة السعودية الحاكمة الذين تربوا في المدرسة الأميركية، أنه وحده سليل مدرسة ترامب المختلفة عن غيرها، كما أظهر مواهبه في الانقلاب الدراماتيكي على التقاليد السعودية الراسخة سواء في إدارة الحكم أو في التوازنات في قاعدة المجتمعات القبلية. ما أدّى إلى أن إزاحة ابن سلمان تستدعي على الأرجح انقلاباً بحجم الانقلاب الذي أوصله إلى الحكم، وهذا الأمر قد لايكون بمتناول اليد في المدى القريب، قبل تمهيد الأرضية لتغيير كبير ربما يتطلب تضافر المساعي على مستويات متعددة.

مدرسة ترامب - ابن سلمان تظهر جليّة في بيان يؤكد فيه ترامب "أن إيران مسؤولة عن حرب دموية بالوكالة ضد السعودية في اليمن". وبينما يثير ترامب "البقاء كشريك ثابت لضمان مصالح بلدنا ومصالح إسرائيل"، يُفاخر باستعداده للقاء ابن سلمان في الأرجنتين أواخر الشهر. وعلى النقيض من ذلك تظهر المدرسة الأميركية التقليدية على الرغم من ثوابت تقاليدها الإمبريالية، أنها تحفظ المبادىء الحربية في الاتجاه إلى مساومات أو إلى الالتفاف نحو تغيير أشكال المعركة، إذا تحوّلت  الحرب إلى قتل لمجرد القتل.

في هذا السياق يدعو نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، آدم شيف، إلى معاقبة ابن سلمان بتعليق تصدير الأسلحة وإنهاء الحرب في اليمن. ويدعو السناتور الجمهوري راند بول الذي يتهم جون بولتون بكتابة بيان ترامب، إلى الضغط لوقف بيع السلاح وإلى وقف الحرب على اليمن. فتمهيد الأرضية للوصول إلى عزل ابن سلمان، ربما تبدأ بتغيير الظروف لغير مصلحته.

يبدو أن هذا الاتجاه تعوّل عليه الطبقة السياسية التقليدية لإسقاط ترامب. ويبدو أن ترامب يعوّل على اتجاه عكسي للتمسّك بحماية ابن سلمان. فترامب وابن سلمان يصعدان معاً ويسقطان معاً على الأرجح. والطرفان المتصارعان في أميركا يبدو أنهما على ضفتين متقابلتين من المحيط.