ما هي تعهدات لبنان مقابل قروض دول "سيدر"؟

شروط عديدة وضعتها الدول الدائنة والمانحة على لبنان من أجله إقراضه. أهمها الخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإفساح المجال أمام الاستثمارات الخاصة، وعدم الاعتماد على الإدارة العامة في مؤشر على قلة الثقة بالدولة.

الصورة من مؤتمر "سيدر" ويظهر وسط الصورة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري (أ ف ب)
الصورة من مؤتمر "سيدر" ويظهر وسط الصورة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري (أ ف ب)

لبنان يتأرجح بين شروط الدول الدائنة في مؤتمر "سيدر" وتلكؤ القوى السياسية عن المضي بعملية إصلاح حقيقية تجنبه الوقوع في المحظور. الإصلاح ومكافحة الفساد على كل لسان، من دون انعكاسات حقيقية واضحة. الفرصة التي يصفها الكثيرون بالأخيرة لاستعادة التوازن والثقة المفقودين، تتعرض للخطر مع تأخر تنفيذ الإصلاحات.

خلال الأسبوع المنصرم، جال المبعوث الفرنسي بيار دوكين المُكلّف مُواكبة تنفيذ التعهّدات اللبنانيّة الرسميّة الخاصة بمؤتمر "سيدر"، على كبار المسؤولين اللبنانيين، مذكراً بضرورة الإسراع بإقرار المُوازنة العامة للعام 2019، وبالبدء بتنفيذ الإصلاحات الإداريّة والماليّة، التي رأى فيها وحدها "الإشارات الإيجابيّة" الكفيلة بتطبيق مقررات مؤتمر "سيدر" من جانب المُجتمع الدَولي. وبالتوازي مع كلامه، كانت وكالة "ستاندرد آند بورز" تبقي التصنيف الائتماني السيادي للبنان عند "باء سلبي"، مع تغيير النظرة المُستقبلية من "مستقرّة" إلى "سلبيّة"، ما يؤشر على خطورة اللحظة التي وصل إليها لبنان مرة جديدة. هذه الزيارة وهذا التصريح يعيدان إلينا مضامين مؤتمر "سيدر" وشروط الجهات الدولية التي قدمت قروضاً وهبات مشروطة بالإصلاح.

ويواجه لبنان منذ سنوات أوضاعاً مالية، اقتصادية واجتماعية صعبة، وصلت في الأشهر الأخيرة إلى شفير الانهيار المالي، الذي عبر عنه مسؤولوها همساً بتوقع عدم سداد الدولة لالتزاماتها المالية، قبل أن يعودوا ويستدركوا خطورة ما وصلت إليه الأمور بمجموعة من الإجراءات التي لاتزال متباطئة ولا تستجيب لحجم المخاطر الماثلة منذ ما قبل الانتخابات النيابية الأخيرة في أيار 2018 وحتى اللحظة.

يومها، وفي ظل الخلافات العميقة بين الأطراف السياسية المختلفة، وعدم وجود ضابط خارجي موحد اعتادت الأحزاب اللبنانية وجوده لضبط التوازن السياسي والأمني، وعملية توزيع الأدوار في السلطة في مراحل سابقة. واستمرار المواجهة بين القوى الخارجية المؤثرة على الساحة اللبنانية. عقد في الأسبوع الأول من نيسان 2018، ما أطلق عليه مؤتمر "سيدر"، الاختصار اللغوي "لـلمؤتمر الدولي لدعم الإصلاحات والتنمية في لبنان"، والذي جمع وفداً كبيراً من الحكومة اللبنانية بالدول والجهات المانحة في باريس.

اعتبر المؤتمر بارقة أمل حيث أعلنت الجهات المشاركة نيتها دعم لبنان بنحو 11 مليار دولار على شكل قروض وهبات (معظمها قروض) ميسرة طويلة الأمد، تبين فيما بعد أن قيمتها تخطت العشرين مليار دولار، مقسمة على ثلاث مراحل. وتم اشتراط وجهة لها محددة بتنمية البنى التحتية والبيئة. أعطيت جميعها على أساس مشروعات مقدمة من الحكومة اللبنانية بلغ عددها 250 مشروعاً.  

ووضع الدائنون في "سيدر" شروطاً على الحكومة اللبنانية المسارعة إلى تنفيذ الإصلاحات ووقف الهدر المالي وإطلاق عملية مكافحة الفساد. في سياق مضامين سياسية واقتصادية ومالية. في الجانب السياسي تمسكت الجهات المانحة والدائنون بوحدة لبنان واستقراره وأمنه، ودعم الجهود التي يبذلها لبنان لتحسين عمل المؤسسات والإعداد للانتخابات النيابية، وتأكيد استمرار دعم المجتمع الدولي للبنان في كل أزماته ومحنه، ودعوته إلى الاستمرار في سياسة النأي بالنفس حيال القضايا الإقليمية المشتعلة، إضافةً إلى التنويه بعودة مؤسسات الدولة إلى عملها الطبيعي من خلال انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

أما في الشقين المالي والاقتصادي، فقد أشاد المانحون-الدائنون بتعيين كبار لملء الشواغر الموظفين في الإدارة، وأكدوا ضرورة وضع برنامج لتحسين الإدارة المالية واستعادة انتظام الموازنة العامة، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في البنى التحتية وتمويل مشروعاتها، مشيدين بإقرار مجلس النواب لقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ورأوا أن الدين العام اللبناني وصل إلى مستويات قياسية، وأن التمويل بالقروض الميسرة والاستثمار الخاص يبقيان من أهم الخطوات المطلوبة للاستثمار في البنى التحتية وخلق وظائف جديدة، وضرورة الاستثمار والإنفاق في القطاعات الاجتماعية وتحديداً الصحة والتعليم، وقبل تنويههم بإقرار موازنة عام 2017 بعد 12 عاماً من غياب الموازنات في لبنان، طلبوا من لبنان ومن حكومته المقبلة بعد الانتخابات وضع جدول زمني محدد للالتزام بعملية الإصلاح، ويمكن اعتبار هذا الشرط الأخير لب المسألة بأثرها.

لكن بعد مرور حوالى السنة على هذا المؤتمر، لا تزال المالية العامة في لبنان تعاني من ارتفاع عجزها نسبة للناتج المحلي الإجمالي، مع ارتفاع ضغط كلفة خدمة الدين العام على الخزينة، واضطرار المصرف المركزي إلى ممارسة سياسة نقدية خانقة للنمو بهدف ضمان صمود قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار، في اقتصاد "مدولر" بنسبة عالية.

زيارة دوكان الأخيرة، والهمس المترافق معها عن نية الرئيس الفرنسي "سحب يده" من تعهدات "سيدر" يحدثان هذه الأيام الكثير من الضجيج في صالونات السياسة اللبنانية. وإن كان ذلك يدفع بالقوى المحلية إلى تنحية خلافاتها جانباً بعض الشي، فإن قدر ذلك لا يبدو كافياً حتى اللحظة. فالإصلاحات التي تعهد لبنان بتنفيذها لا تزال أمنيات في الهواء، في حين يتردد مسؤولو الحكومة بمناقشة موازنة عام 2019 قبل إرسالها إلى مجلس النواب للمصادقة عليها. بعض المحللون يقولون إن الحكومة لا تجرؤ على إظهار أرقام الموازنة، ذلك أنها عاجزة حتى اللحظة عن إجراء التخفيضات المطلوبة من الدائنين في "سيدر"، وتقليص العجز. فضلاً عن تعثر ملف مكافحة الفساد الذي لا يعدو كونه جعجعة من دون طحين حتى اللحظة.

والحقيقة أن الصورة الآن كالتالي: المانحون والدائنون ينتظرون رؤية الإصلاح وتقليص العجز في الموازنة ليقدموا الأموال التي وعدوا بها. الحكومة تنتظر هذه الأموال لتطلق عجلة المشروعات التي تعتقد انها ستقلص العجز وتمكنها من استعادة قدرتها على الإنفاق الاستثماري. والمالية العامة بين الاثنين، تعاني من شح في الموجودات، وعدم قدرة على الخفيض أكثر من ذلك. في ظل مخاوف تتعرض إليها العملة المحلية. وبين هذا وذاك ينتظر المواطن اللبناني معجزةً من غير الأنبياء.