ماذا وراء تراجع ترامب عن الحرب؟

الرئيس الأميركي الذي يقول إنه تراجع في الدقائق الأخيرة عن الحرب، يزعم أنه لم يرغب بسقوط عدد من الأرواح بما لا يتناسب مع إسقاط طائرة أميركية مسيّرة. لكن ما اضطره إلى العد للعشرة هو تهديد إيران بالرد ضد القوات الأميركية ومصالحها ما قد يؤدي إلى حرب مفتوحة في المنطقة.

ماذا وراء تراجع ترامب عن الحرب؟
ماذا وراء تراجع ترامب عن الحرب؟

سردية الرئيس الأميركي التي أوحى بها أن قلبه حنون تجاه سقوط ضحايا إيرانيين، تكذّبها وقائع المباحثات في البيت الأبيض قبل يوم من إلغاء قراره بالحرب، التي جمعته مع مستشاريه والجنرالات وممثلين عن الكونغرس الأميركي. ففي هذه المباحثات اطلع ترامب على أن قصف الرادرات وأجهزة الصواريخ الإيرانية، قد يؤدي إلى قتل 150 إيرانياً وفق ما ذكرته صحيفة واشنطن بوست نقلاً عن مصادر مشاركة في المباحثات. وفي هذا الصدد من المستبعد أن يثنيه عن قراره الصحافي في قناة "فوكس نيوز" الذي وصف إعلان الحرب بالجنون، وفق صحيفة نيويورك تايمز.
ترامب الذي يبحث عمّا يسميه "ضربات موضعية"، اندفع وراء صقور إدارته بقيادة جون بولتون ومايك بومبيو إلى ما سماه وزير الخارجية الأميركية "عملية جراحية" قبل أسبوع من إسقاط طائرة التجسس الأميركية. وفي هذا السياق ألمح بومبيو في أروقة مجلس الأمن إلى "رد أميركي" بسبب واقعة ناقلتي النفط في بحر عُمان يشمل قصف مواقع حرس الثورة بموازاة إرسال ألف جندي لاستعراض القوّة. ولم تتضح أسباب وقف ما أشار إليه بومبيو قبل أسبوع من إسقاط الطائرة، لكن يبدو أن سبب وقف "العملية الجراحية" هو نفسه سبب تراجع ترامب في الدقائق الأخيرة.
رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، ربما تشير إلى مأزق الولايات المتحدة وإلى مأزق ترامب على وجه التحديد في العداء لإيران. ففي دعوتها إلى خفض التوتر بعد اطلاع أعضاء في الكونغرس على الإحاطة الأميركية لشن الحرب، تصف إيران بأنها "خصم خطير وغير مسؤول". فهي تقول بلغة الحلم الأميركي إن إيران تتميّز عن دول الموز والدول التابعة التي تنصاع إلى أعراف ترى أميركا أسد الغابة الذي تتقيّد المخلوقات بمهابته طوعاً. وبمعنى آخر تشير بيلوسي إلى أن إيران كروسيا والصين والدول الكبرى ترد على العدوان العسكري الأميركي الصاع صاعين. ولا تهادن أميركا على خسارة الكرامة والندّية مقابل كسب بعض الفتات.
في هذا السياق يصعب على ترامب خوض مغامرة عسكرية ضد إيران، لا تقف على ما يتخيله بومبيو في "ضربة محدودة". فإيران هدّدت على لسان المسؤولين السياسيين والعسكريين بردّ حاسم على أي اعتداء وهو لن يكون محدوداً. ومن موقع الندّية الكاملة هدّدت بإقفال مضيق هرمز إذا أقفل مضيق هرمز أمام إيران في تصفير صادراتها النفطية. فهي على خلاف ما يقوله ديفيد سافغر في نيويورك تايمز بأنها تختبر تصميم واشنطن وحلفائها في الرد، إنما تفرض على ترامب أن يختبر تصميم إيران في ردّ يُنذر بأن يتدحرج إلى حرب مفتوحة لا يريدها ترامب لأسباب لا شأن لها برأفته على الإيرانيين، بل خشية سقوط قتلى أميركيين وسقوط المشروع الأميركي.
ربما ينجح إثبات العزيمة الإيرانية بثني ترامب عن خوض مغامرة محفوفة بالمخاطر. فبين عشية وضحاها يعود ترامب إلى تقدير واحترام إيران على عدم اسقاط طائرة تجسس على متنها 35 شخصاً، على الرغم من التشكيك الأميركي عندما أعلن الخبر قائد القوّة الجو ــ فضائية بحرس الثورة العميد أمير علي حاجي. وإلى جانبه يخفّف بومبيو من غلوائه فيبدو من الحمائم بالمقارنة مع بولتون ومع السعودية التي تتحرّك في لندن وفي إسرائيل لجرّ ترامب إلى إشعال المنطقة ظناً منها أن الدمار يلحق بإيران بما يشفي غليلها.
لعل اللواء غلام الدين علي رشيد يسعى إلى تذكير دول الخليج أن دولة واحدة لا يمكنها أن تتحكم برقعة في المنطقة، فالحرب على الجميع والاستقرار للجميع.