أين موسكو من تصعيد الدول الغربية في الخليج؟

كان بارزاً في التطورات التي شهدتها الأشهر الأخيرة في منطقة الخليج غياب الدور الروسي الفاعل عن مسرح الأحداث، أو على الأقل عن التأثير فيه بصورةٍ واضحة. تفاوض بالضغوط بين الغرب وإيران وصل إلى حدّ الالتحام الميداني في أكثر من مناسبة، وإلى حافة المواجهة المباشرة أيضاً. لكن روسيا تدخلت في اليومين الماضيين في توقيتٍ دقيقٍ بإصدارها وثيقةً تطرح من خلالها مفهومها للأمن الخليجي، وفيها إشارات لافتة جداً قد تشكّلُ مدخلاً للحل فيما لو تجاوبت معها الأطراف المعنية، لا سيما الغرب وحلفائة المتحمسين لممارسة هوايتهم بانتهاك سيادة الدول.

تُعلي الوثيقة الروسية الجديدة صوت العقل فوق أصوات التوترات العسكرية والسياسية التي تشهدها منطقة الخليج في هذه الأيام، من خلال تركيز كافة بنودها على حلولٍ سلمية وجماعية بالدرجة الأولى، ومستندة إلى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة بالدرجة التالية.

وهي بذلك، تقدم نموذجاً مطلوباً لحل القضايا المرتبطة بأمن الخليج، مختلف عن ذلك النموذج القائم على الحماية الأجنبية التي تبتز دولاً في أمنها لتحافظ على وجود أساطيلها العسكرية في المنطقة، وتدفق إمدادات النفط إليها، وإمكانية مضايقة ومنع دول أخرى من الحفاظ على مصالحها وحماية أمنها الخاص.

 

يقوم النموذج الروسي الذي تتحدث عنه الوثيقة على مبادىء أساسية لتحقيق هدفٍ محدد بعيد المدى وهو إنشاء منظمة للأمن والتعاون في الخليج، تشارك فيها كل دول الخليج، بالإضافة إلى كلٍ من روسيا والصين والهند والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى بصفة مراقبين أو أعضاء منتسبين. وذلك لمعالجة قضايا المنطقة من خلال التعاون بدلاً من الصراع، ولتثبيت الاستقرار السياسي والأمني في كل دول المنطقة، ولوضع أسس لسياسات جماعية تقضي على الإرهاب في المنطقة، وما يخرج منها ليهدد مناطق أخرى حول العالم.

 

هذه النقطة الأخيرة تشكل أحد أهم المبادىء التي تضمنتها الوثيقة. فالانطلاق من ضرورة اتحاد جهود دول الخليج كافة لمكافحة الإرهاب تشكّل لمحة عقلانية أكيدة ومطلوبة، وأساساً منطقياً للعمل المشترك بين دول المنطقة فيما لو أبعدت عنهم الأيدي الخارجية.

وتضع روسيا هذا الطرح تحت مظلة ورعاية الأمم المتحدة، مقدمةً نموذج مبادرتها لمعالجة أزمة الأسلحة الكيميائية السورية في السنوات السابقة مثالاً يقاس عليه لإقناع الآخرين بفكرتها الجديدة هذه.

 

ويلاحظ من الخطوة الروسية هذه شمولها كل أزمات المنطقة، حيث تتحدث عن قابلية هذه المنظمة لحل قضايا اليمن والعراق وسوريا، والأهم من هذا كله إدراج الأزمة مع إيران تحت صيغة "تنفيذ جميع الاتفاقات بشأن البرنامج النووي الإيراني"، الأمر الذي يشير إلى توازنٍ في النظرة إلى المسألة الإيرانية، وهو توازن غائب عن الموقف الغربي برمته بعد تلكؤ الأوروبيين في تنفيذ التزاماتهم تجاه إيران في الاتفاق الذي وقعوا عليه معها.

 

وتزداد أهمية هذا الطرح من خلال تأكيد الخارجية الروسية أن أحد أهم المبادىء التي يقوم عليها هو مبدأ احترام سيادة الدول وسلامتها الإقليمية ورفض التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية. ثم من خلال تركيزه على إمكانية انطلاق الآلية التنفيذية لهذه المبادرة عن طريق مشاورات ثنائية أو متعددة الأطراف، وإطلاق عمل فريق مبادرة للتحضير لمؤتمر دولي بشأن الأمن في الخليج وتحديد الإطار الجغرافي له، والآليات التنظيمية واللوجستية لإعطاء الدفع لانطلاقته. وتركز روسيا من خلاله على رفض الكيل بمكيالين في التعامل مع الدول ومع المسائل التي تطال الأمن الإقليمي والدولي، والاستعاضة عن ذلك بنظام أمن عالمي وشامل، يتضمن جوانب إعلامية لتعبئة الشعوب في البلدان الإسلامية وغيرها ضد الإرهاب، وجوانب أخرى إنسانية من خلال تقديم مساعدات إنسانية للشعوب والدول المتضررة من الصراعات، كجزء من عملية حل هذه الصراعات.

 

بذلك، تصيب روسيا مجموعة أهدافٍ دفعة واحدة. فهي من جهة تعيد التوازن للمواقف الدولية من الأزمة بين ايران والدول الغربية، حيث لم تسمع أصوات قوية في العالم تعيد الاعتبار للقانون الدولي، ولحقيقة أن من يتحمل مسؤولية التوتر هي الدولة التي خرجت من الاتفاق النووي بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية الدول التي وقعت على الاتفاق ولم تلتزم بتنفيذ تعهداتها بشراء النفط الإيراني وتطبيق الآلية المالية وغيرها من النقاط. وهذا ما قد يساعد في حماية سيادة دولة حليفة وهي إيران، ويعطي نموذجاً لدول أخرى تشهد علاقاتها بالغرب توترات مثل تركيا.

 

ومن جهةٍ أخرى، فإن روسيا تضع من خلال هذا الطرح قدماً لها في منطقة تقع بمعظمها تحت سطوة النفوذ الأميركي، باستثناء إيران ومحور المقاومة. 

ومن جانب آخر أيضاً، تراكم روسيا موقفاً جديداً على طريق العالم المتعدد الأقطاب، وهذا ما تشير إليه فكرة إشراك قوى جديدة في منظمة الأمن الخليجي المقترحة، كالصين والهند والاتحاد الأوروبي، لتحفزهم على الانخراط بمهام سياسية وانسانية في منطقة حيوية للعالم كله، ما قد يصعّب على الأميركيين التفرد مستقبلاً بالخليج وثرواته من خلال اللعب بأمنه.