من الداخل

هل انتهت جولة القصير و تداعياتها

  • 2013-07-07

زينـب الصفًـار: توالت الآراء ووجهات النظر الرامية إلى قرب سقوط حكومة الرئيس السوري "بشار الأسد"، ولكنّها لم تسقط. إلاّ إن الجهود حثيثة للمزيد من التقسيم والشرذمة. النزال والهزيمة والانتصار في مدينة "القصير" وتداعياتها على سوريا والساحة الإقليمية من وجهة نظر أميركية "من الداخل". معكم زينب الصفّار، تابعونا.

"على الأسد أن يرحل"، "على الأسد أن يتنحّى"، "نظام الأسد بدأ يتلاشى وسيسقط". تحليلات ونداءات وبيانات سقطت وتلاشت ورحلت بسقوط المجموعات المسلّحة في القصير وأخواتها. فبعد عامين ونصف العام على بدء الصراع في سوريا يبقى الأسد متربّعاً في عرينه ومملكته. فالتظاهرات التي بدأت في آذار/ مارس 2011 ما فتئت أن تحوّلت إلى ما يروّج له أنه عصيان داخلي ، إلاّ أنه من الجلي أن أدواته وسعيره وتمويله وعديده خارجي وبامتياز. (الأسد) تنبّأ أن الديبلوماسية ستفشل وأنّ مناهضيه في داخل سوريا وخارجها منقسمون إلى حدّ عدم اتفاقهم على أيّ إطار سلام. ويبدو بأنه مصيب في تلميحه إلى أرجحيّة تدخّل خارجي أكثر وأكبر. البروفيسور في كليّة الشؤون الدولية في جامعة (بنسلفانيا) في الولايات المتحدة الأميركية والمحلّل السابق لدى وكالة الاستخبارات المركزية الـ "سي. آي. إي."، والمدير السابق لشؤون الشرق الأوسط في إدارة مجلس الأمن القومي خلال ولاية "بوش" ، "فلينت لافريت"، كيف يرى الأزمة السورية اليوم، وهل أصبح الوحل السوري أكثر عمقاً وخطورة من ذاك الذي ما فتئنا نشهده في العراق.

زينـب الصفًـار: البروفيسور (فلينت لافريت)، المحلّل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية والخبير في شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي، أهلاً بك مجدّداً إلى برنامج "من الداخل" سيدي

فلينت لافريت: شكراً لك

زينـب الصفًـار: في الواقع، وبالعودة إلى تشرين الثاني من عام 2011، قال الملك الأردني (عبد الله) إنّ فرص بقاء (الأسد) في الحكم ضئيلة وعليه أن يتنحّى. وبعد عام قال الأمين العام لحلف الناتو (راسموسن) أيضاً: "أظن أن النظام السوري في دمشق يقترب من الإنهيار"، لكن النظام لم ينهر حتّى الآن، وهو قوي ، وحكومة (الأسد) لا تزال قويّة جداً لاسيّما بعد معركة (القصير)، لماذا برأيك؟         

فلينت لافريت: سمعنا مثل هذا سابقاً حين اغتيل رئيس الوزراء اللبناني السابق ( رفيق الحريري) عام 2005. الكثيرون في (واشنطن) ظنّوا أن ذلك سيكون بداية نهاية نظام (الأسد)، وكانوا مخطئين حينها. ونحن نسمع ذلك بشكل أكثر تطرّفاً اليوم في (واشنطن) لكنه غير صحيح أيضاً. وهو غير صحيح لسببين، الأوّل هو أن الرئيس (الأسد) وحكومته، وفقاً لاستطلاعات رأي وأدلّة أُخرى، يحظيان بدعم شرائح كبيرة من المجتمع السوري. في تقديري أن نصف الشعب السوري على الأقلّ مستمر في دعمه لنظام (الأسد)

زينـب الصفًـار: بل ربما أكثر من ذلك حسب استطلاعات حديثة

فلينت لافريت: صحيح، على الأرجح أن هذه النسبة ترتفع. خلافاً لذلك، لا أدلّة ولا استطلاعات رأي ولا إحصاءات تُفيد بأن غالبية السوريين تدعم ما يُسمّى المعارضة. من الواضح أن كثيراً من السوريين ساخطون على النظام ويشعرون بأن لديهم أسباباً مشروعة لمعارضة الحكومة أو أن الحكومة تهمّشهم

زينـب الصفًـار: النظام أيضاً اعترف بذلك

فلينت لافريت: هذا صحيح

زينـب الصفًـار: واعترف أيضاً في بداية ما يصفونه بالثورة السورية بأنه ارتكب أخطاءً

فلينت لافريت: أجل، أجل. أظن بأن هناك مشاكل سياسية جديّة في سوريا لكن ما من دليل على أن غالبية السوريين تريد التخلّص من نظام (الأسد)، وأظن أن هذا يُمثّل قاعدة مهمّة في دعم النظام. السبب الآخر الذي أظنّ أنه يلعب دوراً هنا، وهو ما أطرحه مع زوجتي (هيلاري) منذ مدة طويلة، هو أوهام الولايات المتحدة ودول غربيّة أُخرى بالتفكير في أنها لو تمكّنت بطريقة ما من إسقاط نظام (الأسد)، فإنّ ما سيحلّ مكانه هو نظام طائفي ديمقراطي ليبرالي سينسجم مع السياسة الخارجية للغرب، هذا خيال محض لا علاقة له بالواقع. ما نراه على ما أظن هو أنه إذا زال نظام (الأسد) فإن ما سيخلفه سيكون مجموعات متخاصمة غير موحّدة

زينـب الصفًـار: متطرّفة

فلينت لافريت: وفي العديد من الحالات، من يسميهم البعض في الغرب "الجهاديين"في حين إنني أفضّل تسميتهم "الإسلاميين التكفيريين" كـ (جبهة النصرة) ومجموعات أُخرى لديها قواسم مشتركة كثيرة مع تنظيم (القاعدة). في نوع سوريا التي ستنشأ إذا ما سقط نظام (الأسد)، لا أظن أن ذلك سيكون لمصلحة السوريين، ولا أظنه سيكون جيداً لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ما يوجّه السياسة الأميركية حيال سوريا في هذا الاتجاه، ومن المهم أن أقول ذلك بصدق، إن الأمور التي توجه السياسة الأميركية حيال سوريا في هذا الاتجاه هي أولاً الشعور بأن إسقاط نظام (الأسد) سيمثّل صفعة قويّة لإيران. إيران هي حافز قوي في إدارة (أوباما) للملفّ السوري. وثانياً، هناك مصلحة في تطويع الصحوة العربية . حين بدأت الصحوة العربية، سقطت أنظمة قمعيّة في تونس ومصر، وكان هناك فوضى عارمة في البحرين، وهكذا فإن إدارة (أوباما) في مطلع عام 2011 أرادت أن تُثبت أن الأنظمة التسلّطية التي ترتبط بالسياسة الخارجية الأميركية ليست  هي وحدها المُهدّدة  بالصحوة العربية، فالصحوة العربية يمكنها أن تسقط أيضاً أنظمة سياسية مُرتبطة بشكلٍ واضح بالسياسة الخارجيّة المستقلّة، وكانت سوريا في هذه الحالة أداة لتنفيذ ذلك، وقد ظنّوا أن باستطاعتهم استخدام المعارضة لتنفيذ ذلك، لكن هذا المشروع قد فشل.

زينـب الصفًـار: كيف تصف الوضع في سوريا حتى الآن منذ بدء الأحداث في آذار من عام 2011؟

فلينت لافريت: أظن بأنها تحوّلت مع الوقت إلى حرب أهلية بشكل صريح. في مرحلة مبكرة جداً كان هناك الكثير من الدعم الخارجي، فما كان يبدو تظاهرات احتجاجية لمواطنين سوريين ضدّ بعض التجاوزات تطوّرت بسرعة إلى حملة عنيفة تحاول الإطاحة بنظام (الأسد) فتحوّلت بطريقة ما إلى حرب أهلية، وطالما أن المال والسلاح يأتيان من الخارج فإن المعارضة قادرة على فرض المزيد من القتال والضرر والموت.

زينـب الصفًـار: هلّ سنرى عواقب مماثلة تتدفّق إلى لبنان؟ أو مناطق أُخرى كالعراق أو الأردن؟

فلينت لافريت: آمل بالتأكيد ألا يحدث ذلك، لكن هذا الخطر موجود. لو راجعنا الأمر تاريخياً حين كان لدينا هذه الأنواع من الحروب الأهلية وهذه الأنواع من المعارك الداخلية في مجتمعات الشرق الأوسط ، تاريخياً، كانت المنطقة تستطيع احتواءها. كانت هناك حرب أهلية دموية جداً هنا في لبنان استمرّت 15 عاماً لكنها لم تنتقل إلى بلدان أُخرى

زينـب الصفًـار: صحيح

فلينت لافريت: وما حدث في العراق بعد الاجتياح الأميركي عام 2003 لم ينتشر إلى بلدان أُخرى، وما حدث في الجزائر

زينـب الصفًـار: بكلّ حال (فلينت)، اليوم في سوريا مثلاً ، ولنأخذ (القصير) تحديداً حيث لدينا عامل لبناني فعّال هو (حزب الله) ، لقد أصبح طرفاً في المعركة والصراع في (القصير). ما ستكون عواقب هذا التدخّل والتداعيات الناجمة عن نتيجة المعركة سواء كانت نجاحاً أو فشلاً لطرفٍ أو لآخر؟ وليس فقط في سوريا، بل أيضاً في المنطقة كلّها، لبنان وإسرائيل؟

فلينت لافريت: السائد في (واشنطن) هو أن إيران و (حزب الله) هما من أشعلا هذا الصراع الطائفي، أما أنا فأعتقد أن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً. إنهم السعوديون وداعمو المعارضة من الخارج الذين أرادوا أن يجعلوه في الحقيقة صراعاً ضدّ نظام شيعي كافر، وحين يساعد (حزب الله) وإيران نظام (الأسد)، يصبح ذلك صراعاً طائفيّاً. أعتقد أن الواقع من وجهة نظر إيرانية وما أفهمه من وجهة نظر (حزب الله)، هو أنه جهد حقيقي لمقاومة حملة ترعى جزءاً  منها الولايات المتحدة وترعى جزءاً آخر منها السعودية وغيرهما، وهي حملة لاستخدام المعارضة السورية من أجل تغيير النظام في سوريا حتّى إحراز توازن قوى في المنطقة. وهو أيضاً مجهود للحفاظ على موقع لمعارضة مقاومة للهيمنة الأميركية والإسرائيلية في المنطقة. هذه هي دوافع الإيرانيين و(حزب الله) لدعم نظام (الأسد) كما أفهمه. أظنّ أنه في النهاية المقاومة ستتخطّى مشكلة الطائفية

زينـب الصفًـار: لكنك تعلم أن (حزب الله) منذ نشأته كان دائماً في موقع دفاعي

فلينت لافريت: هذا صحيح

زينـب الصفًـار: لكنه اليوم في موقع الهجوم، لماذا هذا التغيير في سياسته؟

فلينت لافريت: أعتقد أن ذلك بسبب الوضع. أجل، (حزب الله) نشأ نتيجة الاجتياح والإحتلال الإسرائيلي للبنان، لكن حتّى حينه كان هدفه إنهاء الاحتلال وإجبار الإسرائيليين على الانسحاب من لبنان، وفي النهاية نجح (حزب الله) في ذلك. في وجوه عديدة، الوضع مختلف تكتيكياً لكن التحرّك نفسه ينطبق من الناحية الاستراتيجية. لدينا نوع من الاجتياح الأجنبي لسوريا

زينـب الصفًـار: نعم، قيل إن معركة (القصير) كانت معركة كونية

فلينت لافريت: كانت كذلك بالتأكيد، فهذا جزء من الوضع المحزن في سوريا. لقد استغلّوا ما قد يكون تظاهرات أو احتجاجات داخلية مشروعة وقلبوها إلى اجتياح أجنبي. لذا في النهاية، فإن نظام (الأسد) يقاتل من أجل السيادة السورية، وداعمو (الأسد) سواء كانوا إيران أو (حزب الله) يقاتلون لمنع احتلال أجنبي لسوريا. تكتيكياً نعم،يضاً  ما فعله (حزب الله) وغيره في (القصير) ما كانوا ليفعلوه في الثمانينيات والتسعينيات خلال مقاومتهم الاحتلال الإسرائيلي، لكنني أظن من الناحية الاستراتيجية بأن الأجندة هي نفسها، وأعتقد أنّك إن نظرت إلى من ينتصر في الواقع في هذه المنطقة فإن المقاومة هي من ينتصر والطائفية لا تنتصر

زينـب الصفًـار: دكتور (لافريت)، سنتوقّف الآن مع فاصل قصير وحين نعود سنتحدث قليلاً عن التوتّر الإسرائيلي الذي واكب معركة (القصير)، ونتائج وتداعيات تلك المعركة. سيعود برنامج "من الداخل" بعد الفاصل، إبقوا معنا

النص الكامل
إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي موقع قناة الميادين الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها