أيها "العاديون"..إذهبوا إلى سالييري!

لا ينفك الانسان يسعى إلى التميز، وفي هذا الشأن يقول ميلان كونديرا في روايته ( الخلود): " أنا مجرّد مظهر مبهم يتعذّر الإمساك به ووصفه، في حين أنّ الواقع الوحيد الذي يسهل الامساك به ووصفه هو صورتنا في عيون الآخرين"، وبما أننا نبحث عن ذواتنا في انطباعات الآخرين، فمن هنا كان السعي دائماً لمحاولة خلق ذات مختلفة، متميزة، فريدة لا تشبه ذاتك وذاتها وأي ذات أخرى. الكل يبحث عما ينقصه ليصير متميزاً.

الموسيقي الايطالي أنتونيو سالييري

فاطمة فقيه - لبنان

في الفيلم الشهير "أماديوس" للمخرج ميلوش فورمان، يصرخ المؤلف الموسيقي الايطالي أنتونيو سالييري قائلاً: "أنا قديس الناس العاديين" ويكررها مع ضحكة ساخرة وهو على كرسي متحرك في خريف العمر.

هذا العجوز استنتج أخيراً ألا عيب في أن يكون الإنسان عادياً، ولا فائدة من اللهاث دائماً وراء التميز.

تختلف الروايات حول سالييري الذي عاصر أحد أعظم المؤلفين الموسيقيين، وولفغانغ أماديوس موزارت. إذ تشير بعض الروايات إلى أنه كان يغار من موزارت وكان ناقماً عليه، فيما يكذب آخرون هذه الروايات كون سالييري كان رجلاً معروفاً وشغل وظيفة مؤلف موسيقي للبلاط في فيينا، وكان معلماً لكبار المؤلفين حينها.

لكن الفيلم تناول الرواية الأولى، وحيث أن سالييري كان حاسداً لموزارت، لأنه وبرغم كل مهاراته لم يحقق التميز الذي حققه الأخير، فقد استسلم في نهاية المطاف للحقيقة..."أنا شخص عادي"، قال. علماً أن موزارت كان رجلاً بسيطاً، يسعى دائماً للمرح، يقهقه بصوت مرتفع، حتى أن البعض كان يراه ساذجاً برغم عبقريته في التأليف.

لا ينفك الانسان يسعى إلى التميز، وفي هذا الشأن يقول ميلان كونديرا في روايته ( الخلود): " أنا مجرّد مظهر مبهم يتعذّر الإمساك به ووصفه، في حين أنّ الواقع الوحيد الذي يسهل الامساك به ووصفه هو صورتنا في عيون الآخرين"، وبما أننا نبحث عن ذواتنا في انطباعات الآخرين، فمن هنا كان السعي دائماً لمحاولة خلق ذات مختلفة، متميزة، فريدة لا تشبه ذاتك وذاتها وأي ذات أخرى. الكل يبحث عما ينقصه ليصير متميزاً.

لكن ماذا لو كف الإنسان عن البحث عن التميز؟ وإن كان – والحق يقال - التميز كان عاملاً في نشأة الحضارات والثقافات المختلفة واختلاف أنواع الفنون والعلوم وغيرها. لكن ماذا لو كففنا عن السعي نحو التميز كحاجة نفسية، ربما كنا سنكون أكثر صدقاً وأقل أنانية، أو ربما نصبح أكثر كسلاً وأقل انتاجية..من يدري؟!!
وحده سالييري في ما تبقى له من سنين على كرسيه المتحرك، أراد أن يرتاح من عذاب المحاولة، وقرر الاستسلام للواقع..فصار قديس الناس "العاديين"!!

أيها "العاديون"..إذهبوا إلى سالييري!