نواف الزرو

أسير محرر وكاتب صحفي فلسطيني

المرأة الفلسطينية في النضال وفي معتقلات الاحتلال

بالتوثيق والشهادات الحيّة، فإن دور المرأة الفلسطينية ارتقى وتطوّر على نحو ملحمي، وتاريخي، واقتربت أو ربما تجاوزت في روحيتها وتضحياتها خنساء المسلمين، حيث لم يعرف التاريخ العربي الإسلامي عملياً سوى خنساء واحدة، هي الشاعرة العربية المشهورة الخنساء أو تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد السلمية التي استشهد أبناؤها الأربعة في معركة القادسية سنة 14 هجرية، التي قالت حينما بلغها الخبر: "الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم، وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته". في حين عرف التاريخ الفلسطيني المعاصر عشرات الخنساوات اللواتي فقدن فلذات أكبادهن في انتفاضات وهبّات الدفاع عن الوطن والوجود...!

تعرّضت المرأة الفلسطينية خلال سنوات الاحتلال من 1967-1987 إلى شتى أشكال القمع الدموي الإسرائيلي

 عشرات الخنساوات الفلسطينيات التي تحكي لنا كل واحدة منهن قصص وحكايات بطولة وتضحيات وإباء لا مثيل لها في تاريخ المرأة على وجه الكرة الأرضية..!، ومن هذه القصص والحكايات نتابعها على جبهة الاعتقالات والمعتقلات الصهيونية. 

فعلى هذه الجبهة القمعية الاحتلالية ضد المرأة الفلسطينية، فقد انتهجت سلطات الاحتلال الصهيوني سياسية قمعية متصاعدة تتمثل في ازدياد حجم الاعتقالات في صفوف النساء الفلسطينيات، وذلك بهدف"نشر الرعب والخوف وإذلال الشعب الفلسطيني"، وقالت جمعية أنصار الأسرى في هذا السياق"إن المرأة الفلسطينية سطّرت أروع آيات البطولة والصمود والتحدّي فانخرطت في النضال والمقاومة وكانت بجانب مقاتلي الثورة واستشهد العديد منهن ، وسطّرن صموداً في زنازين الاحتلال ومعتقلاته وكانت تجربة الحركة النسوية الأسيرة جزءاً أساسياً من الحركة الأسيرة بشكل عام في نضالاتها وعلى مدار تاريخها".

وكشفت وزارة شؤون الأسرى والمحرّرين الفلسطينيين من جهتها في تقرير لها "أن سلطات الاحتلال الإسرائيلى اعتقلت ما يقارب 15 ألف امرأة فلسطينية منذ عام 1967، وأن أكبر حملة اعتقالات جرت خلال الانتفاضة الأولى عام 1987، حيث وصل عدد المعتقلات إلى 3000 امرأة فلسطينية، مقابل 9000 امرأة في الفترة بين العام 2000 ونهاية العام 2009".

 - المرأة بين حزيران 67 والانتفاضة الأولى 1987

في أعقاب هزيمة العرب في حرب حزيران 1967، واحتلال الدولة الصهيونية للأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع، والعربية في سيناء والجولان وجنوب لبنان، شهدت مشاركة المرأة الفلسطينية في العملية النضالية نقلة نوعية فعّالة، حيث انخرطت في كافة أشكال العمل الوطني الفلسطيني ومارست دورها النضالي في كافة المواقع، فسارعت للمشاركة في الكفاح المسلّح داخل الوطن وخارجه، في لبنان على وجه التحديد، فانضمّت للمجموعات الفدائية، وشاركت في تنفيذ العمليات المسلحة،  وساعدت في نقل الأسلحة وتخزينها..

    كما مارست المرأة الفلسطينية دوراً بارزاً ملفتاً للانتباه على صعيد النشاطات اللاعنفية، ففضلاً عن دورها العام في تربية  الأطفال والأجيال، انخرطت بقوة كبيرة في التظاهرات والإضرابات والاعتصامات الاحتجاجية الصامتة، واخترقت معظم الأطر الطلابية والنسائية وقد تمثّل ذلك في اتحاد المرأة الفلسطينية في الداخل والخارج، ونجحت المرأة الفلسطينية كذلك في تفعيل دورها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، فشاركت في اتحادات مجالس طلبة الجامعات وعملت على إنشاء الأطر النسائية في شتى المواقع، وبرز أيضاً دور اتحاد المرأة للعمل الاجتماعي، ما أنضج الظروف والاحتياجات العملية لاندلاع وتواصل الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى.

وقد تعرّضت المرأة الفلسطينية خلال سنوات الاحتلال من 1967-1987 إلى شتى أشكال القمع الدموي الإسرائيلي، الذي بلغ أعلى درجات الوحشية حينما داست الدبابات الإسرائيلية في مدينة جنين جسد المناضلة فتحية عوض الحوراني التي تصدّت للدبابة بجسدها خلال انتفاضة عام 1974، وكذلك في حالة استشهاد المناضلة لينا النابلسي في نابلس، حيث كانت تقف على رأس تظاهرة كبيرة ضد قوات الاحتلال عام 1977، أو في حالة الشهيدة دلال المغربي التي قادت دورية الساحل عام 1976.

 

قصة أول شهيدة فلسطينية

وكانت المرأة الفلسطينية حاضرة منذ بدايات الاحتلال للضفة الغربية عام 1967، وكانت شادية أبو غزالة أول شهيدة فلسطينية بعد الاحتلال مباشرة، وحاكيتها كما رويت في مصادر عديدة كما يلي: وُلدت شادية أبو غزالة بعد عام واحد من النكبة في مدينة نابلس، وتلقّت تعليمها الابتدائي والثانوي في مدارس نابلس والتحقت بحركة القوميين العرب لتباشر من خلالها أولى نشاطاتها السياسية، وتوجّهت أبو غزالة في العام 1966 لجامعة عين شمس في القاهرة بهدف الدراسة العليا، إلّا أن النكسة أجبرتها على العودة إلى مدينتها نابلس، وانضمّت إلى صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتبنّت العمل العسكري، فكانت عضواً قيادياً في الذراع العسكرية للجبهة وشاركت في العديد من العمليات ضد الاحتلال وشاركت في عملية تفجير باص إيجد في تل أبيب وعادت إلى قواعدها سالمة ، فشكّلت نموذجاً للمرأة العربية المقاومة-عن عرب 48/ 08/03/2015 -. وبين النكبة والنكسة عاشت أبو غزالة، فبعد عام واحد من النكسة وأثناء تحضيرها لقنبلة يدوية الصنع، كان المفترض أن تقوم بتفجيرها في بناية في تل أبيب، انفجرت أثناء قيامها بتحضيرها، وبذلك، تكون الشهيدة المناضلة شادية أبو غزالة أول شهيدة فدائية في الثورة الفلسطينية فولدت بعد النكبة بعام واحد واستشهدت بعد النكسة بعام واحد

 

المرأة الفلسطينية في الانتفاضة الأولى 87-1993

  • تطوّر أداء المرأة الفلسطينية الوطني النضالي خلال سنوات الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى 87-1993، حيث انخرطت في العملية الانتفاضية في كافة مظاهرها وأشكالها ووسائلها ومجالاتها امتداداً من اتحادات مجالس الطلبة الجامعية، مروراً باتحادات المرأة بأنشطتها المتعدّدة، وانتهاءاً بالمشاركة الميدانية الفعلية إلى جانب الرجل في التظاهرات والصدامات، وكل ذلك إلى جانب دورها في إقامة العيادات الميدانية لتوفير العلاج السريع لجرحى الانتفاضة، فضلاً عن دور اتحاد المرأة في إنشاء وتأسيس رياض الأطفال في المدن والقرى والمخيمات لتوفير التعليم المناسب للأجيال الفلسطينية وتعبئتها وطنياً، وحسب التقارير والدراسات البحثية الفلسطينية فقد لعبت المرأة الفلسطينية دوراً كبيراً خلال الانتفاضة الأولى ساهم إلى حد كبير في استمرار الانتفاضة وتحمّل أعبائها وتضحياتها وضغوطاتها المختلفة، وخاصة على الصعيد الاقتصادي، حيث كانت المرأة تحمل كميات كبيرة من الحليب والدواء والمواد الغذائية وتتسلّل مخترقة الحصارات والأطواق العسكرية لمساعدة أهالي القرى والمخيمات المحاصرة ، فضلاً عن دورها في الزراعات البيتية وخبز الطابون ما ساهم في توفير سبل الصمود والاستمرار.
  • وقد تعرّضت المرأة الفلسطينية خلال الانتفاضة الأولى إلى القمع والقتل والاعتقال والتعذيب مثلها مثل الرجل تماماً (حول العناوين والتفاصيل المشار إليها حول دور المرأة خلال الانتفاضة الأولى أنظر دور المرأة في الانتفاضة).
  • وإظهاراً لدور وتضحيات المرأة الفلسطينية خلال الانتفاضة الأولى جاء في تقرير لدائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية " إن الإناث يشكّلن 7% من عدد الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا خلال الفترة 1987-1997،  (ويصل إلى نحو 1500  شهيد تقريباً )، ويشكّلن 9% من عدد حالات  الجرحى البالغ نحو 70 ألف جريح، إضافة إلى اعتقال مالا يقلّ عن 500 امرأة خلال الانتفاضة الأولى، فضلاً عن " اعتقال نحو عشرة آلاف امرأة فلسطينية منذ عام 1967"، و أكثر من ( 1700) حالة إجهاض خلال الفترة ذاتها جرّاء استنشاق الغازات السامّة والضرب المُبرح للنساء".