مقالات - أحمد أشقر

اشتركت أطراف عدّة في عملية تهويد المَعالِم العربية على أرض فلسطين وهي: وزارة الأديان...الجيش الإسرائيلي بعد الاحتلال الثاني عام 1967 ومؤسسات دينية مُختلفة ومؤمنون عاديّون من "المُهاجرين"- كما يصفهم الكاتب- من اليهود العرب الذين تم استجلابهم من أوطانهم في خمسينات وستينات القرن الماضي، لأنهم كانوا بحاجة إلى مزارات قريبة من أماكن سكناهم، فقاموا بالسيطرة على المزارات الإسلامية في القرى العربية المنكوبة وحوّلوها إلى مزارات يهودية. على سبيل المثال: سيطروا على مقام النبيّ يامن غربي قلقيلية وحوّلوه إلى قبر "بنيامين بن يعقوب"؛ وفي وسط البلاد بالقرب من قرية صرعة المنكوبة سيطروا على مقام الشيخ غريب وحوّلوه إلى "قبر شمشون"؛ وحوّلوا مقام أبي هُريرة في يُبنة (على خط سير يافا- الرملة) إلى مقام الـ"رابي جمليئل"، والأمثلة بعد كثيرة.

قبل خمسة أعوام تقريباً، انفجر الاحتقان الذي أنتجته سلطات الأنظمة العربية القُطرية النهبوية ضدّ شعوبها في كل من تونس ومصر وسوريا واليمن، (وبصورة أقلّ حدة في البحرين). وتمت عنونته بالربيع العربي والثورات العربية. إلا أن الواقع يشير اليوم إلى أن ما يحدث في هذه الأقطار ليس إلا تدميراً ذاتيّاً تقوم به طبقات أفقرتها أنظمتها ماديّاً ومعنويّاً وروحيّاً، تقودها قوى ظلامية ارتهنت لمنظومة من أفكار التصحّر والتوحّش، ووجدت من الأعداء الخارجيين حلفاء طبيعيين لها.

وأخيراً اعترف الآثاري "الإسرائيلي" "زئيف هيرتسوج" قائلاً: "بعد سبعين عاماً من الحفريات المُكثّفة، في أرض إسرائيل [فلسطين]، توصّل علماء الآثار إلى نتيجة أنه لم يكن أي شيء لليهود هنا سوى الأساطير، حيث لا وجود لمملكة داود وسليمان، والباحثون يعرفون هذه الحقائق".

قبل عام بالضبط في الحادي والثلاثين من شهر تموز 2015 أقدمت عصابة من المُستعمرين اليهود في الضفة الغربية بإلقاء قُنبلتين حارقتين على منزل عائلة الدوابشة في قرية دوما بالقرب من نابلس. الأمر الذي أدى إلى مقتل كل من الزوجين ريهام وسعد ورضيعهما علي دوابشة وجرح ابنهما الثاني أحمد. تم اقتراف الجريمة وعائلة دوابشة نيام، وأثارت الجريمة التي أعلن ارتكابها من قِبل "مجهولين" من المُستعمرين، الغضب والاستنكار والإحساس بالعجز أمام جرائم "مجهولة الفاعل". وأثارت كذلك العديد من الأسئلة عن المسؤول الأول والأساسي وسلسلة الفاعلين المساعدين له والثقافة التي يستندون إليها. في هذا المقال سأحاول قدر الإمكان الحفر في طبقات الأسباب التي تُنتج هؤلاء المجرمين ومن يدفعهم ويساندهم من قوى "سريّة" وعلنيّة في الثقافة والدولة والمجتمع؛ ومن يتستّر عليهم من أجهزة "حفظ النظام وسيادة القانون". وكما سيظهر من النقاش أدناه فهذا النوع من الجرائم مخطّط له سلفاً برعاية الثقافة والمجتمع وأجهزة الدولة.

يُعتبر اليهود أكثر المجموعات الإنسانية استخداماً للاستعارات والرموز التُراثية الأسطورية والدينية؛ فهم مجموعة مسكونة بهاجس الماضي والتُراث إلى حدّ العُصاب. ويمكن المغامرة والقول إنهم المجموعة الإنسانية الوحيدة- في مستوى الوعي الجمعي- التي لا تملك قراءة للتاريخ العام، ولتاريخها على وجه الخصوص، خارج وعيهم الأسطوري الديني.