مقالات - بثينة شعبان

لا شكّ أنّ انتصارات المقاومة في لبنان وسوريا وإيران واليمن والعراق مترابطة ومتفاعلة مع بعضها البعض، ولاشكّ أنّ انتصار تموز قد أسّس لانتصار سوريا وأنّ انتصار سوريا قد أسّس لانتصار إيران وأنّ قوّة هذا المحور تكمن في ثباته وتعاضده وتمسكه بالثوابت مهما روّجوا ولفقوا من أكاذيب وأوهام.

بلداننا التي يدين معظمها بدين الإسلام يجب أن تكون مقتنعة أصلاً وقبل كلّ أحد أن هذه الحياة عابرة وأنّنا جميعاً مؤقتون وأنّ البقاء لله والأوطان والعمل الصالح. فلماذا لا نعمل وفق هذا المعيار حين يتعلّق الأمر بمصلحة وطننا ومستقبله ولماذا استسهل الكثيرون حمل ما خفّ حمله وغلا ثمنه وغادروا هذه الأرض وكأنّه لا يربطهم بها رابط ولا يعنيهم العيش فوقها بل يمكن أن يبنوا حياتهم في أيّ مكان.

عالم الغد يتشكّل اليوم ونحن في غفلة عن مخاضه الحقيقي وعن عناصر تشكّله حيث التريث اليوم قاتل والوقت سيف مسلط على رقاب من لا يعرف قيمته وأهميته في صناعة الحدث.

يتحدثون في الغرب عن حقوق الإنسان وعن الحرية وعن الإعلام الحرّ، هذه الأحاديث فقدت معناها لأنّها أثبتت أنّها تنحصر في دائرة النفاق فقط ولكنّه نفاق عالمي يدفع ثمنه ملايين البشر الأبرياء في مناطق مختلفة من العالم.

مع أنّ الضجيج الإعلامي يتركز على خرق الاتفاق النووي مع إيران ومستقبل هذا الاتفاق والموقف الأوروبي الحقيقي المنتظر منه فإنّي أرى أنّ المستهدف من خلال تدحرج الأحداث في المنطقة هي السعودية ودول الخليج والتي رغم غناها النفطي والمادي تعتبر دون شك الحلقة الأضعف بين الامبراطوريتين القديمة والحديثة من جهة وبين إيران.

العالم قد تغيّر وهو في طور حقيقي لعالم مُتعدِّد الأقطاب يرفض الهيمنة والاستعمار والعقوبات ويعود إلى المنطق البسيط وهو أنّ حقائق التاريخ والجغرافيا تتفوّق على كلّ التهويل الإعلامي التي تجاوزه وعي الناس. البقاء هو للشعوب المؤمِنة بحقوقها والمُدافِعة عن هذه الحقوق في وجه كلّ أشكال الظلم والهيمنة والعقوبات والتاريخ حافِل بالأمثلة الناصِعة على مرّ الزمان والأجيال.

لاشكّ أنّ موقف الفصائل الفلسطينية بمقاطعة "ورشة البحرين" هو موقف هام على أن تتبعه خطوات لتوحيد الصف الفلسطيني في وجه الاحتلال الغاشم وليتمثلوا قول الرئيس حافظ الأسد: "كلّ ما يوحدنا هو صحيح وكلّ ما يفرّقنا هو خطأ".

هل يمكن لحدث مثل هذا أن يدفع بعض الحريصين فعلاً على مصلحة الولايات المتحدة والقادرين على التمييز بين ما يمثله بلدهم وبين ما يمثله الكيان الصهيوني، أن يقفوا في وجه الترويج الإسرائيلي للحروب في منطقة الشرق الأوسط والتي تنذر بالخراب والدمار لكلّ المتورطين المحتملين فيها؟

في غمرة مراقبة ما يحدث في عالمنا اليوم من هذا المنظور نلاحظ دون أدنى شك أنّ روسيا والصين ودول البريكس ودول منظمة شنغهاي تخطّ أسس عالم جديد وتعيد التذكير مرة تلو أخرى بالأسباب التي قوّضت أسس السلام والعيش المشترك في العالم الذي نودعه وبالخطوات الأمريكية والتي هي سبب التوتر والحروب على هذا الكوكب.

السائرون اليوم في ركب الامبراطوريات الآفلة وممثلها الأساسي في المنطقة الكيان الصهيوني سوف يواجهون حائطاً مسدوداً، وسوف يعلمون عاجلاً أو آجلاً أنّهم سائرون وراء سراب.

لم تغادرني هذه الحكمة وأنا أشاهد على مدى الأسبوعين الماضيين التجاذبات الأميركية والخليجية بشأن إيران والمنطقة، حيث أتت القمم الثلاث الخليجية والعربية والإسلامية التي دعت إليها السعودية وسيّرتها وفق أجندتها بعدما طال انتظار الرئيس ترامب قرب الهاتف ليستقبل مكالمة من إيران وبعدما أفصحت معظم المصادر العارفة بالشأن الإيراني عن أنّ هذا الهاتف سيبقى صامتاً ولن يأتي أبداً بالمكالمة المنتظرة.

ما لم نفهم هذه العلاقة الأميركية الإسرائيلية على حقيقتها وما لم يستجمع العرب عناصر القوّة خارج إطار هذه العلاقة لن نفهم سرّ كلّ ما يجري في منطقتنا وما يتمّ تخطيطه لنا وتنفيذه ضد مستقبل أجيالنا وشعوبنا.

غريب أمر الدول الغربية التي لا ترى في سوريا سوى القوى الإرهابية والتركية والأميركية وكلّ من يتواطىء معهم، أمّا الشعب السوري والذي يتعرّض لنتائج عقوبات قسرية أحادية الجانب في مجالات الطاقة والصحة وحتى الغذاء، فإنّ معاناته لا تظهر على شاشات هذه الدول ولا يتمّ تسجيلها في حسّاسات ضمائرهم الإنسانية، كما أنّ مئات الشهداء الذين قضوا في محردة إلى حلب إلى اللاذقية نتيجة استهداف الإرهابيين للمدنيين الأبرياء لم يعنوا شيئاً لكلّ هذه الدول وممثليها ولم يسارعوا ولو مرة واحدة لإدانة استهداف سوريين أبرياء في مناطق مختلفة من سوريا.

يكاد يكون تعبير غينغرش عن قلق الغرب من الصين مضحكاً إلى حدّ ما حيث استنتج بعد عرض نظرياته ومعلوماته بالقول: قبل أن نقرّر مقاربتنا للصين يجب أوّلاً أن نغيّر وجهة نظرنا عن الصين. يجب أن نقبل أن الصينيين لديهم التزام عميق أن يكونوا صينيين وليس أن يكونوا غربيين"، ما هذا الذنب العظيم الذي يرتكبه الصينيون بأنّهم يريدون أن يكونوا صينيين ولا يريدون أن يكونوا غربيين".

في ملتقى بكين المهم طرحت كلّ القواعد التي ترفض كلّ أسلوب التعامل الاستعماري الغربي مع العالم دون أن تسمّيها بالاسم، وطرحت بدائل جميلة ومقنعة للجميع وتعود بالخير على الجميع. وتمّ التأكيد عشرات المرات على أهمية التشاور والتواصل والترابط كمبادئ تحكم مفهوم وروح طريق الحرير، ولا يخفى أن ما عانته دولنا خلال العقود الماضية.

المزيد