مقالات - حسني محلي

المعطيات بتفاصيلها المُعقّدة تضع إردوغان أمام قرارات لن يكون سهلاً عليه أن يتّخذها بعد بيان البيت الأبيض الذي يحمل في طيّاته تهديدات أميركية ذكيّة.

الموقف المحتمل للقوات الأميركية الموجودة شرق الفرات بمواجهة احتمال توغّل القوات التركية قد يساهم في ترسيخ التقسيم الذي تسعى إليه واشنطن منذ فترة طويلة، وسيطرة الجيش التركي على شريط حدودي بطول 480 كم وبعمق 30 كم سيخلق وضعاً معقداً في المنطقة.

انتهت ليلة الإثنين الفائت المهلة التي حدَّدها إردوغان لحلفائه الأميركيين مُهدِّداً إيّاهم باجتياح شرق الفرات وإقامة منطقةٍ آمِنةٍ، الأمر الذي لن يستطع القيام به طالما أن الأميركيين يعترضون على ذلك، خصوصاً بعد أن رفض ترامب لقاء إردوغان في نيويورك الأسبوع الماضي.

من دون الفرات لن يبقى لسوريا أيّ معنى حتى على الخارِطة الجغرافية، وهي حال النيل بالنسبة إلى مصر. بذلك يُحقّق "الربيع العربي" هدفه الاستراتيجي الأخطر، وهو تدمير ثلاث دول عربية أساسية وفق حسابات بن غوريون، وهي مصر وسوريا والعراق. فعسى أن يُدرِك الساسة العرب هذه الحقيقة قبل أن تدركهم حقائق "إسرائيل" المرة.

لولا استمرار العشق الأميركي التركي لما التقى إردوغان مع ممثلي المنظمات اليهودية في نيويورك قبل أن يهاجم إسرائيل بيوم واحد، ولما تجرَّأ ترامب على أن يتجاهله وهو في نيويورك مُعلناً تضامنه مع السيسي ضد الإسلام السياسي، أي الإخوان المسلمين.

تهرّب الرئيس ترامب من لقائه مع الرئيس إردوغان، واكتفى بحديث هاتفي معه، فيما جلس مطوّلاً مع السيسي.

لم يخطر على بال أحد أن هذه الإمبراطورية ليست النموذج المثالي الذي يجب أن يتغنّى به الإسلاميون في العالم، وقبل ذلك في تركيا التي يجهل البعض من أهلها حقائق هذه الإمبراطورية التي لا يختلف تاريخها السيّئ عن تاريخ مُعظم الإمبراطوريات المُندَثِرة في العالم، والتي لا تتغنّى عادة شعوبها بأمجادها كما هي الحال بالنسبة إلى الإسلاميين الأتراك.

كما كان متوقَّعاً انتهت قمَّة أنقرة من دون أن يتَّفق الزعماء الثلاثة حول القضايا الأساسية في جدول أعمالهم، مُذكِّرين الجميع بالمقولة العربية الشهيرة: "اتفقنا على ألا نتّفق".

مثل هذا الإعتراف يحمل في طياته موافقة إن لم نقل تأييداً تركياً لفكرة التقسيم طالما أن هذا التقسيم سيدعم الحسابات التركية الخاصة بسوريا وشمالها بالذات.

لم يفاجئ وزير الاقتصاد السابق علي باباجان أحد عندما أعلن استقالته من حزب العدالة والتنمية وهو عضو فيه منذ تأسيسه عام 2001 حيث شغل العديد من المناصب في الحكومات السابقة ومنها وزير دولة ثم نائب رئيس وزراء ووزير اقتصاد ولفترة قصيرة وزيراً للخارجية. وجاء الإعلان هذا بعد المعلومات التي تحدثت عن استطلاعات للرأي أجراها باباجان تبين فيها أن 18% من الذين يصوتون عادة للعدالة والتنمية يتمنون ميلاد حزب جديد ينقذ البلاد من المشاكل التي تعاني منها داخلياً وخارجياً خاصة في المجال الاقتصادي وهو الموضوع الذي يختص به باباجان المعروف عنه علاقته الواسعة مع الأوساط المالية العالمية والأمريكية منها بالذات.

وأثبتت الأرقام أن عدداً كبيراً من أتباع وأنصار حزب العدالة والتنمية وحتى حليفه الحركة القومية، لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع استنكاراً لسياسات إردوغان المتناقضة في الموضوع الكردي، أي محاولته اليائسة للاستنجاد بأوج الان.

يُراهن الكثيرون قبل ذلك التاريخ على نتائج انتخابات إستانبول 23 حزيران والتي إن هُزِمَ فيها أردوغان مرّة أخرى ، فالأمور ستكون أسهل بالنسبة لواشنطن التي ستزيد من ضغوطها على أردوغان 'المُنحطّة معنوياته' . ولن يستطيع أردوغان في مثل هذه الحال مواجهة هذه الضغوط خاصة الاقتصادية منها ، طالما أنه بحاجةٍ لمساعداتٍ ماليةٍ عاجلةٍ من المؤسّسات المالية العالمية التي لن تحرّك ساكناً إلا بضوء أخضر أميركي.

يبقى الرهان على ما سيفعله وسيقوم به إردوغان خلال الأيام القلية المقبلة لضمان فوز مرشحه بن علي يلدرم مئة بالمئة وعدم تسليم بلدية إسطنبول لأكرم إمام أوغلو الذي اكتشف خلال فترة وجوده القصير في البلدية ما لا يمكن للعقل أن يصدقه من قضايا فساد خطيرة.

وجاءت نتائج الانتخابات الأخيرة التي خسر  فيها العدالة والتنمية 31 ولاية تمثل أكثر من 60%من سكان واقتصاد البلاد، لتعطي غول وداوود أوغلو على انفراد وربما لاحقاً معاً المزيد من المُبرّرات لتضييق الحصار على أردوغان بعد أن أفلست كل سياساته، ولم يبق إلى جانبه إلا عدد قليل جداً  من أصدقائه  ورفاق دربه الذين أسّسوا هذا الحزب وأوصلوه إلى السلطة في انتخابات 2002.

جاء سقوط إسطنبول التي كان الكثيرون يريدون لها أن تكون مكّة أو قدساً ثانية ليفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية التركية بعد أن فَقَد الجميع أملهم في أيّ تغيير بسبب سيطرة أردوغان على جميع مفاصل الدولة التركية وأهمها الجيش والأمن والمخابرات والقضاء و 95% من الإعلام.

المزيد