مقالات - رفعت سيد أحمد

هذا الرجل، جاء بالضبط على موعدٍ مع القَدَر، جاء في زمنٍ يحتاج إلى رجالٍ إلى سادةٍ في الحق، والإيمان، والمقاومة، وليس إلى عبيدٍ أذلاّء في خدمة شياطين الأرض.

قصّة الاستيطان الصهيوني في فلسطين، تؤكّد أننا إزاء إرهاب مُمنهَج من قِبَل دولة عدوانية مزروعة عبر التآمر الدولي الذي لايزل يحميها. إن هذا الإرهاب الاستيطاني ليس منفصلاً عن مجمل استراتيجية العدو لاحتلال فلسطين، وفرض الإرهاب الدموي على شعبها، وأحد أبرز وسائلهم في ذلك هو الاستيطان، والذي يعني زرع أرض فلسطين بمئات المستوطنات المبنية على مفارق طُرق، وعلى مواقع استراتيجية تحول دون التواصل الجغرافي لفلسطين، وتؤدّي إلى تهديد وإزالة الهوية العربية للشعب الفلسطيني، وعزله في كانتونات مُتباعدة، ولعلّ في مُتابعة مراحل وتاريخ الاستيطان وأهدافه الخبيثة، ما يؤكّد مخاطره على فلسطين البشر والأرض والقضية.

هو حلف قديم منذ نهايات الأربعينات من القرن الماضي، يقوم على التوظيف وتقاطع المصالح، إنه حلف الإخوان والأميركان، وهو حلف سيستمر رغم صرخة الكونغرس الأخيرة المطالبة بوضع جماعة الإخوان على لائحة الإرهاب.

اليوم نعيد طرح السؤال وبتصوّر تخيّلي: ماذا لو أن عبدالناصر لايزال حيّاَ وعاصر تجربة داعش وأخواتها في بلاد الشام وفي بلاده.. مصر ؟ ماذا كان سيفعل معها؟ وهل كان سيُطبّق عليها نفس المنهج في التعامّل مع الأخوان المسلمين حين اصطدموا به عسكرياً في عامي 1954 و1965؟ أما كان سيختلف سواء في المنهج أو سُبل المعالجة السياسية والعسكرية؟

تتقاتل الجماعات المسلّحة مع بعضها البعض، فضلاً عن الصراع المكتوم بين الرُعاة الاقليمين وتحديداً بين قطر ومعها تركيا من ناحيةٍ وبعض دول وممالك الخليج من الناحيةِ الأخرى فضلاً عن الصراع التركي والكردي الدامي، والدولة السورية تتابع كل ذلك، وهي ترى أن من مصلحتها استمرار هذا الصراع وتصفية بعضهم البعض، ثم تخوض في النهاية المعركة الأخيرة مع مَن تبقّي من تلك الجماعات وستكون في ساعتها معركة أسهل من الآن.

وتؤكّد المعلومات والحقائق المنشورة أيضاً أن تركيا في عهد أردوغان استضافت مصانع لوك هبد مارتن لتصنيع السلاح للجيش الإسرائيلي في مدينة أدرنه، وهي التي صنعت الصواريخ والرشاشات والدبابات التي دمّرت أكثر من مرة قطاع غزّة ومناطق عديدة في سوريا، وهو عينه أردوغان الذي وقّع اتفاقية تدريب الطيّارين الإسرائيليين بواقع 8 دورات سنوياً لميزة اتّساع الأجواء التركية.

عبر التاريخ الطويل للصراع مع الكيان الصهيوني والممتد لأكثر من مائة عام مضت؛ لعبت الفتوى الدينية دوراً مهماً في اتجاهين رئيسيين الأول هو تأكيد قيمة وفريضة الجهاد والمقاومة ضد الكيان الصهيوني باعتباره أعلى مراحل الاحتلال العدواني المغتصب للحقوق وللمقدّسات، وكان هذا الاتجاه هو الغالب عبر تاريخ الصراع.

هذا خطر آخر لم يوله الكيان الصهيوني، بل والطرف العربي والفلسطيني - إلا قليلاً _، حقه من الدرس والتحليل الاستراتيجي، إنه سلاح آخر من أسلحة المقاومة الكبري لدى شعبنا الفلسطيني في مواجهته الممتدة مع الكيان الصهيوني؛ والتي كانت (مسيرات العودة المليونية بشهدائها العظام) أحد أهم نماذجها الحيّة خلال الأيام الماضية؛ إلا أن هذا السلاح ورغم أنه قديم.. إلا أن الحديث عنه يتجدّد كلما رأى العدو تلك الأجيال الجديدة المُتمسّكة بخياره الوحيد خيار المقاومة، ونقصد بهذا السلاح.. سلاح الديمغرافيا؛ سلاح التفوّق العَدَدي لشعب فلسطين ..

في زمن داعش وأخواتها.. شاعت ثقافة التكفير... في كل القضايا من السياسة وأمور الحياة إلى الأدب والفن... ولم يقتصر الأثر السلبي لهكذا ثقافة على بلدانها التي أنتجت الوهّابية.. والتي مثّلت آلة التفريخ الكبري لكل ما هو ظلامي ومُتطرّف وأنتجت روافع لهذا الفكر من جماعات التوحّش الملتحفة زيفاً برداء الدين، لم يقتصر خطرها على بلدانها..

لايتوقف النظام السعودي عن محاولاته الدؤوبة لاختراق الأزهر وزرع الفكر الوهابي التكفيري بداخله، تارة يأخذ الاختراق شكل دعوة لعلماء الأزهر ليدرسوا في جامعات السعودية بمقابل مادي سخي للغاية، لإفسادهم وإخضاعهم لقبول ذلك الفكر الذي يقف خلف (الريال) المدفوع لهم.

كانت هناك أيضاً المؤامرة الدولية والخليجية ضده والتي كشفتها الوثائق الجديدة التي خرجت من أميركا وإسرائيل قبل عدّة شهور، لتؤكد تعدّد أسباب الهزيمة والتي بالتأكيد ورغم وجود المؤامرة. إلا أنها لا تعفيه من المسؤولية، ولا تجعلنا نؤمن بأنها كانت نكسة بل كانت هزيمة في معركة غير متكأفئة. سرعان ما استعد لها جيش عبد الناصر برجاله العظام وقتها (الشهيد الفريق عبدالمنعم رياض .. وإبراهيم الرفاعي _ والفريق محمّد فوزي .. وغيرهم ) ليثأروا بعدها سريعاً في حرب الاستنزاف (1968-1970) ثم في حرب 1973.

مع ولاية حكمه الثانية، والتي تبدأ رسمياً في 8/6/2018، وبعد نجاحه بنسبة97 في المائة في الانتخابات الرئاسية التي جرت أيام 26/3-28/3/2018، لا نتردّد في القول بأن واحداً من أكبر التحديات التي ستواجه نظام السيسي في السنوات الأربع القادمة، هو تحدي الإرهاب ولأن بعض مؤسّسات النظام ورموزه السياسية والإعلامية لاتزال تنظر- ومن ثم تتعامل– مع قضية مقاومة الإرهاب نظرة جزئية، وسطحية، فإننا هنا نعيد فتح الملف والتأكيد على ما قلناه كثيراً.

في أجواء شهر الصيام ومع نسماته الإيمانية العطرة نحتاج إلى تأمّل رسالة القرآن والدعوة المُحمّدية الطاهرة، وأن نُعيد فهم رسالة الدين في أبعادها الصحيحة وليس تلك المشوّهة، لماذا؟ لأنه وسط شلالات الدمّ التي أنتجتها تنظيمات الغلوّ والإرهاب بإسم الإسلام الذي هو براء من هكذا فكر، وسط ثقافة داعش والقاعدة القائمة علي الكراهية والكآبة والتي أنتجتها ثقافة البَداوة وما يُشبهها من دعوات تمتد إلى الخوارج في سنوات الإسلام الأولى، مروراً بكل الغُلاة من الفُقهاء ومَن تتلمَذ على أيديهم من الإرهابين، نقول وسط هذا المناخ الممتد من سوريا إلى ليبيا مروراً بمصر، نحتاج إلى أن نشير وبقوّة إلى أن هذه الثقافة المولّدة للعنف، ليست هي ثقافة الإسلام والقرآن.

إن هذه المقاومة الفلسطينية كان ولايزال هدفها دفع الإجرام الصهيوني بعيداً عن المقدّسات وهدفها إحقاق الحق لأهله بإعادتهم إلى أرضهم المُغتصَبة، وهدفها قبل هذا وبعده حماية الإسلام ذاته والذي تتعرّض قِيَمه ورموزه في فلسطين إلى التهويد والأسرَلة... إن مَن لا يُدرك القيمة الكبيرة والرائعة لمسيرات العودة المليونية من مثقّفي وسياسيي البترودولار.. لا يستحق أن يكون عربياً بل ولا حتى أن يكون إنساناً طبيعياً يرى الباطل يرتفع أمامه فلا يقول له: لا ولا يصدح بالحق ويُنافح عن أهله والله أعلم.

إن السؤال الذي ينبغي أن يوجّه لشعوب وحكّام الأمّة وليس إلى الفلسطينيين هو "إلى متى سنظل نحيي ذكرى النكبة من دون مواقف وسياسات جادّة لاسترداد فلسطين وحقوق شعبها الصابر المقاوم؟"، إنه بالطبع ليس سؤالاً يبغي معرفة عدد السنين التي تنتظرنا من أجل تحرير فلسطين، لا، إنه سؤال استنكاري مقصود به توجيه اللّوم والعتاب والنقد الشديد لهؤلاء الحكّام وشعوبهم على تقاعسهم وضعف ردود فعلهم تجاه فلسطين والقدس.

المزيد