مقالات - عقيل سعيد محفوض

في خضم الرهانات المتعاكسة حول إدلب تحديداً وحول سوريا عموماً، ودخول باريس وبرلين على خط "المواءمات" و"الموازنات"، واندفاع واشنطن نحو تغيير أجندتها في سوريا، لصالح تدخّل عسكري وسياسي مديد وتعزيز الانفصالية الكردية، ومُعاداة إيران الخ تبدو خيارات تركيا في منزلة بين المنزلتين، وهي تتموضع في الحلفين والاصطفافين كليهما، في حيّز يمكن ملاحظته لكن من الصعب تعيينه، كما لو أن لها مصلحة في الشيء ونقيضه في آن!

إذا كانت تركيا تبحث عن تعاونٍ مع موسكو وطهران في شرق الفرات، وثمة توافق موضوعي بينها وبين دمشق حول الكرد، إذ تبدو عوامل التقارُب الراهِنة أكبر وأكثر من عوامل التنافُر، فلماذا قال إردوغان إنه لن يغادر سوريا "قبل أن يجري السوريون انتخاباتهم"، هل هذا تعبير عن موقف أنقرة الفعلي تجاه دمشق، أم تعمية على تفاهماتٍ أعمق في إدلب والشمال، أم رفع لسقف المداولة والمساومة في المشهد السوري؟

تتساقط الأقنعة في الموقف حول إدلب، وتتكشف الأمور عن رهانات تتجاوز المشهد السوري نفسه إلى المشهد الإقليمي والعالمي. ويحضر في التجاذبات حول إدلب اليوم أمور تتعلق بروسيا وأميركا وإيران وحزب الله والنفط والغاز واللاجئين والكرد وإسرائيل وطبيعة الدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب، فيما "تغيب" إدلب نفسها عن الأجندة الفعلية لدى فواعل الأزمة، أو أنها تحضُر بوصفها عنوان أو قناع لا أكثر!

عندما قال الرئيس بشار الأسد إن الكرد هم المشكلة الرئيسة المتبقية، بدا كما لو أنه أغفل أو سكت عن قضية أخرى تبدو أكثر تعقيداً وهي إدلب. لكن التطورات كشفت عن تقدير عميق للأمور، ذلك أن الموقف بين دمشق وكردها يواجه تحديات كبيرة، أميركية على نحو خاص، فيما الموقف في إدلب "أقل خلافية" على المستوى الإقليمي والدولي.

تُمثّل إدلب ساحة "المعركة الأخيرة" قبل الإعلان عن نهاية الأزمة السورية، في بُعدها العسكري على الأقل.

يبدو الموقف بين واشنطن وأنقرة حول سوريا، كما لو أن بينهما خلاف لا يريد أن ينتهي، واتفاق لا يريد أن يكتمل، حال بين-بين، فيها الكثير من عوامل التنافُر ومثلها وأكثر من عوامل التقارُب، غير أن ذلك لا يمثّل فرقاً كبيراً من منظور دمشق، فالطرفان عدّوان لها، ويحتلان أجزاء من أرضها، وإذا اتفقا فاتفاقهما هو ضدّها، وإذا اختلفا فخلافهما هو على تعريف أدوار ورسم سياسات ورهانات كل منهما تجاهها، بل إن جهدهما انصبّ منذ بدايات الأزمة، على تعيين حدود الاعتمادية المتبادلة بينهما، ومدى اعتمادية كل منهما على ما يعدّه الطرف الآخر خصماً، ولكنهما لم يصلا في خلافهما إلى حد المواجهة أو القطيعة.

أظهرت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا 24 حزيران/يونيو قابليتين أو استعدادين متعاكسين تقريباً حيال سوريا، الأول هو ما عبرت عنه قوى المعارضة من استعداد لتغيير الموقف من سوريا بالتمام، وبناء علاقات قوية معها؛ والثاني هو ما عبرت عنه الحكومة من استمرار في التورط العسكري والسياسي في الأزمة السورية. لكن القابليتين أو الاستعدادين ليسا سواء، إذ إن فوز أردوغان في الانتخابات كشف أن القوامة فيهما هي –حتى الآن- للعداء والتورط، وربما السعي لضم أجزاء من الجغرافيا إن أمكن ذلك.

قد يكون لدى الكرد أحلام أو أوهام كيانية وضعتهم في مواجهة دمشق، غير أن تفكيكها أو احتوائها لا يكون بالعنف، وإنما بالسياسية والشراكة والتنمية والديمقراطية.

لدى أردوغان فلسفة خاصة بشأن فلسطين، أن تتكلّم عنها بما يريده جمهورك، وأن تفعل ما تقتضيه مصالحك وارتباطاتك. ولا داعي للقلق بشأن أن يُخالف فعلك قولك. وهو هنا، لا يختلف كثيراً عن أكثر الزعماء العرب والمسلمين، بل يزيد عليهم أحياناً في مواقف وتصريحات يتخيّر لها توقيتاً وتظهيراً مناسبين. 

الحرب ليست قراراً عقلانياً بالضرورة، وقد حدث كثيراً أن أدى الحمق وسوء التقدير إلى اندلاع مواجهات كبرى، ومنها ما يتعلق بالأزمة السورية، وأما الحرب مع إيران فتُدرك إسرائيل أنها ليست خياراً هيّناً، وتتطلّب منها ومن حلفائها تدبيراً طويل الأمد، دونه صعوبات وإكراهات كبيرة. وهكذا تقف إسرائيل حيال إيران أمام مأزق مُعقّد للغاية، فلا الحرب المباشرة والمفتوحة مُمكنة ولا الانسحاب أيضاً.

لا يمكن الحصول على صورةٍ بسيطةٍ أو جدّية لمواقف أردوغان، ذلك أن تأييده للعدوان على دمشق، بل تسهيله له، ولو أن المتحدّث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن نفى استخدام قاعدة إنجرليك في العدوان، هو من الأمور التي يصعب على موسكو وطهران "تفهّمها" بالتمام، إلا أن الذهاب أبعد من ذلك، سوف يضع أنقرة في مواجهة معهما، ولذلك تبعات لا يمكنه تحمّلها.

شكّلت معركة عفرين حدثاً صادِماً وضع أطراف الأزمة السورية أمام الحاجة للقيام بمراجعات قاسية، والتحسّب لمصادر تهديد متزايدة، ذلك أن ما يمثل فرصة اليوم، يمكن أن ينقلب تهديداً غداً.

أردوغان لا يمكن أن يُغفل غريماً آخر، حليفاً لواشنطن أيضاً، وهو الكرد، الذين "تغويهم" الولايات المتحدة بالانفصال في شرق الفرات، ولا يبدو أنها مستعدّة للتخلّي عنهم كرُمى لأردوغان، ولو أنها لن تجد صعوبة كبيرة في "تكييف" الأمور بين حليفيها اللدودين. كما أن الغريم الكردي المذكور يمارس لعبته هو الآخر، وقد اتّفق مع دمشق على مواجهة الاعتداء التركي ضد عفرين، وسلّم الأحياء التي كانت قوّاته تسيطر عليها في مدينة حلب للجيش السوري.

يمثل اتفاق عفرين إنجازاً كبيراً لجهود "التقريب" بين دمشق وكردها، ويساعد في "احتواء" الرهانات التركية في شمال سوريا، إلا أنه غير كافٍ ومحفوف بالمخاطر، ولا بد من أن تعزّزه توافقات وموازنات بين فواعل رئيسة في المشهد مثل موسكو وطهران وأنقرة وحتى واشنطن. وهو ما يضع الحدث السوري تحت وطأة المواجهة والصِدام على الدوام.

الدرس الأهم المستخلَص من اجتماع سوتشي هو أن المواجهة في المؤتمرات لا تقلّ خطورة عن المواجهة في أرض المعركة، وأن "إنتاج النصوص" لا يقلّ أهمية عن الإنجاز العسكري، ذلك أن الأزمة السورية هي أزمة نصيّة أيضاً. وهذا يُفسّر الاهتمام الكبير من قِبَل موسكو بحشد ما يُقارب 1600 مشارك لـ "عرض" نصوص معروفة مُسبقاً، في مشهديّة طقوسيةٍ و"مسرحةٍ" لها أكثر منها مفاوضة ومداولة حولها.