مقالات - عمر معربوني

بحسب سير العمليات العسكرية يبدو واضحاً أن عمليات تحرير المناطق التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية ستستمر وإن على مراحل ، ففي ملاحظة طبيعة التقدّم الذي تحرزه وحدات الجيش العربي السوري مقابل انهيار خطوط الدفاع الأكثر صلابة في ريف حماه الشمالي تحديداً الغربي منه حيث عقدة الوصل الهامة مع سهل الغاب وجبل الزاوية الذي يُعتبر المعقل الأخير للجماعات الإرهابية ، إضافة إلى أنّ الجيش العربي السوري هو مَن يُمسك زمام المبادرة إن كان بما يرتبط بتحديد نقاط الإندفاع أو إختيار اتجاهات الهجوم .

قد يتبادر إلى ذهن البعض عندما نسأل إن كان حزب الله بات فعلاً أقوى من " إسرائيل" إنّنا نقوم بعملية رفع معنويات أو رسم معالم بروباغندا بأبعادٍ عاطفيةٍ عندما يتبيّن للقارىء أنّ حزب الله بات فعلاً أقوى من " إسرائيل".

أهمية القرار الروسي في البُعد السياسي تتجاوز الأهمية التقنية لمنظومة الـ إس –300  فالسلوك الروسي السابق تجاه الاعتداءات الصهيونية المُتكرّرة كان في الحدّ الأدنى حيادياً، حيث كانت قنوات الاتصال الروسية – "الإسرائيلية" المشتركة تعمل على تجنّب الاحتكاك من خلال إبلاغ الصهاينة للروس بعمليّاتهم قبل وقتٍ مُحدَّدٍ لم تلتزم القيادة الصهيونية حذافيره، وكانت تتجاوز المعايير المُحدّدة بما يرتبط بزمن التبليغ عن العمليات داخل سوريا، ما يعكس عدم ثقة الصهاينة بالروس خشية إبلاغهم الدفاعات الجوّية السوريّة بالعمليات، ما يؤدّي إلى رفع مستوى الجهوزية لتحسين قدرات وأداء المنظومات السورية، حيث يشكّل عامل الوقت أحد العوامل الرئيسة لقواعد الاشتباك.

لا يمكن لأحد أن يُنكر أنّ الأتراك جمّدوا في الحد الأدنى انطلاق المعركة وباشروا بمناورات سياسية في اتجاهات مختلفة، تبدأ بابتزاز روسيا وإيران وتصل حدود ابتزاز الأوروبيين ضمن حملة ترهيب من نتائج المعركة التي ستكون نتائجها كارثيّة على أوروبا بحسب التصريحات التركية، وهو أمر يُلاقي صدى كبيراً في أوروبا بالنظر إلى ما يمكن أن تمثّله هجرة عشوائية كبيرة نحو أوروبا بغضّ نظر تركي إن لم نقل بتنظيم تركي.

من المُرجّح بالنظر إلى وضع ساحات الصراع أن يتّجه العدد الأكبر من "أجانب" الجماعات الإرهابية وهو ما تُطلق عليهم الجماعات مُسمّى "المهاجرين" الذين سينطلقون بعد إدلب في رحلة هجرة "جهادية" إلى أرضٍ يمكنهم من خلالها العمل ضمن مفهوم "أرض التمكين"، وهي الأرض التي كانت إلى زمنٍ قريبٍ في جغرافيا واسعة من العراق وسوريا ولبنان وفقدوها بحُكم الهزائم المُتتالية التي وقعت بهم.

وبين انتظار المسرحية الكيميائية والهجمات الأميركية المُحتَملة يمضي الجيش السوري بتحضير القوات للبدء بمعركة إدلب التي سينتظر وقت إعلانها نتائج القمة المرتقبة بين روسيا وإيران وتركيا التي ننتظر أن يكون لمواقفها دور هام في نتائج المعركة وانعكاساتها على مُجمل المسارات بما فيها المسار السياسي.

إذا ما سارت الأمور على النحو المُخطّط لها سنكون أمام مشهدٍ دراماتيكي يُنهي المواجهة العسكرية في سوريا، ويترك للمباحثات مع الأتراك تسليم المناطق التي يسيطرون عليها حالياً ضمن تفاهمات سياسية كبرى.

عندما نكون أمام مواجهة عسكرية طويلة كالتي حصلت في سوريا، من المهم أن نعرّف هذه الحرب ونعرّف أدوات الصراع فيها لنكون قادرين على مُقاربة المشهد الكلّي ومُتفرّعاته.

مع استكمال العمليات العسكرية حتى خط الاشتباك مع الجولان السوري المحتل بعد تحرير منطقة سيطرة داعش جنوب غرب وصولاً حتى جباثا الخشب شمالاً مروراً بالقنيطرة والحميدية وخربة الحميدية، يحقّق الجيش السوري العودة إلى كامل نقاط انتشاره السابقة ما قبل إطلاق الحرب على سوريا على خط الاشتباك مع الجيش الصهيوني.

خروج جيش الإسلام لم يتم بشكلٍ كاملٍ حيث كنّا أمام اندلاع للاشتباكات بين الجيش السوري، استمرت منذ مساء يوم الجمعة السادس من الشهر الجاري وحتى فجر الأحد الثامن منه بسبب العديد من التعقيدات المُرتبطة بخلافات داخلية بين عناصر وقيادات جيش الإسلام، ما استدعى مباشرة الجيش السوري لعملية عسكرية يمكن وصفها بالأعنف عبر تاريخ الحرب لجهة القصف الجوّي والصاروخي، وهو ما أدّى مُجدّداً إلى إتمام اتفاق تم التوصّل إليه تحت الضغط الناري سيُسفر عن خروجِ إرهابيي جيش الإسلام وتحرير آلاف المخطوفين من قبضةِ هذا الجيش خلال أيامٍ قليلة.

أقّل من شهرٍ هي المدّة التي استغرقتها العمليات في الغوطة الشرقية حتى الآن وهي عمليات أسفرت عن نتائج هامّة غيّرت خريطة السيطرة بشكلٍ كبيرٍ لمصلحةِ الجيش السوري، الذي يُتابع عملياته بعد أن فصل منطقة سيطرة الجماعات الإرهابية إلى ثلاثة جيوب منعزلة في عملية تقطيع أوصال كانت متوقّعة بالنظر إلى خطِ الاندفاعِ الرئيسي للجيش السوري على محورِ النشابية من الاتجاه الغربي، بموازةِ خطّ اندفاع من الشمال الغربي على محور الشفونية – الريحان ومن الجنوب الغربي على محور تل فرزات - حوش الصالحية.

إننا سنكون أمام إبطاء في تنفيذ العمليات وليس وقفاً لها مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية حصول تطوّرات خطيرة تتمثّل في إمكانية تنفيذ هجوم كيميائي مُفبرَك، سيأخذ الأمور حينها إلى تطوّرات كبيرة سيتم استخدام نتائجها ضد الدولة السورية، وهو ما تُحذِّر منه روسيا منذ فترة طويلة.

أمام كل هذه الأحداث من المؤكّد أنّ الدفاع الجوّي السوري دخل مرحلة التعافي بعد ست سنوات من الاستهداف المستمر سواء للمنظومات نفسها أو لمراكز الإنذار المُبكر، حيث تم وضع أسلحة ومواقع الدفاع الجوّي على رأس قائمة الأهداف التي دمّرت الجماعات الإرهابية قسماً كبيراً منها، إضافة إلى أن خسارة الجغرافيا أثّرت في انتشار المنظومات ، حيث عمدت القيادة العسكرية السورية إلى سحب المنظومات وتخزينها والإبقاء على عدد قليل منها.

في المواجهة القادمة إن حصلت وهي في الظروف الحالية والقائمة مُستبعدَة، لن تكون الحرب على الصهاينة مجرّد نزهة باعترافهم، وخصوصاً ما سيلحق بالجبهة الداخلية من خسائر، فالتفوّق الذي تمتلكه المقاومة في المواجهة القادِمة يرتبط بالقدرات الخفيّة التي لم تستطع أجهزة الاستخبارات الصهيونية تحديدها، سواء كانت هذه القدرات مرتبطة بالكفاءة القتالية أو بوسائط القتال المختلفة على مستوى البّر والبحر والجو، إضافة طبعاً إلى ما يمكن أن يشكّل عامل المفاجأة الأكبر.

تكتسب العمليات العسكرية الجارية في منطقة عفرين طابعاً شديد الخطورة والتعقيد حيث تتداخل المصالح بشكل يأخذ الأمور أكثر نحو الضبابية لجهة المواقف المُعلنَة والمُبطّنة، بحيث يصعب حتى اللحظة إبداء رأي جازِم حول النتائج لتنحصر المسألة في التوقّعات ما يحتاج الكثير من الإحاطة بدقائق الأمور وتفاصيلها.

المزيد