مقالات - عناية جابر

من المحتم، أن معارض الكتب تُتيح لك الفرص المحسوبة بدّقة، لاختيار ما ترغب من قديم، أو جديد الكُتّاب الذين تهوى أعمالهم. بضربة واحدة، أو زيارة واحدة في عبارة دقيقة، إلى المعرض السنوي للكتاب، تضمن أو تكفل مؤونتك السنوية إن شئت ممّا ترغب وتُحب لهذا الكاتب أو ذاك.

شادية (من شادية الكلمات لقب أطلقهُ عليها الممثل الراحل عبد الوارث عسر، ولعلّهُ الأقرب إلى صوتها الجميل) ممثلة غامضة إلى حد ورائعة، وكانت على اتصال فعلي بأدوارها، ما مكنّها من مقاربة الدراما الحزينة، والكوميديا حتى مُنتهاها، التي فاجأت جمهورها العربي على الإضحاك والمزاج " المعفرت" ولسنا في تعداد هذه الأفلام هنا أو في ذكر تسلسلها بل نتكلّم عن ممثلة استثنائية لن تغادر ذاكرة جمهورها الذي يحفظ جلّ أعمالها.

هذه المرّة ، أريد أن أمضي في كتابة ما يُفجعني. أمضي في الكتابة في موت اليمنيين، وفي الهواء الذي يتنفسونه.

تمتلك مسرحية "موت بائع جوّال" قوة دراماتيكية غير عادية على احتواء البؤس الإنساني مع نكهة فلسفية في بعض حواراتها التي تبحث في الوجود الإنساني، ويمكن تصنيفها بالمسرحية " الروحية" او متعدّدة الأبعاد الثقافية وليس السيكولوجية، فالإنسان والمواقف الإنسانية يقعا في قلب بنيان المسرحية.

قد يحدث أنك كنت مستمتعاً جداً في إقامتك الأميركية، لكنك لم تكن تكّف عن السؤال الذي لم يُبارح رأسك "ماذا لو حدث طارىء أمني ما، جعل من عودتك إلى لبنان أمراً مستحيلاً؟ "يخفق قلبي بشكل موجع من وطأة السؤال والاحتمال".

يوميات أميركية

رغم ذلك سمعت بأن أغلب الشعب الأميركي بكى لحظة فوز ترامب، وهي مفارقة مُحيرّة بالنسبة لي أنا الغريبة التي لا أفقه بالطبع دواخل هذا الشعب وما يُضمرهُ.

اللبنانيون، أستطيع تمييزهم في الطائرة والدلالة عليهم واحداً واحداً. أستطيع تبيّن لبنانيّتهم من الجَلَبَة التي تتصاعد من مقاعدهم. أستطيع تمييزهم من سخْطهم البادي على شيء غير مفهوم، من اليأس الساكِن في أحداقهم، من أحاديثهم عالية النبرة، من علاقتهم بالطائرة هذا الجسم المعدني البلا عاطفة، وهم يحتاجون إلى الكثير من العاطفة، أميّزهم من علاقتهم بالمضيفة كما لو هي ابنة خالة كلّ منهم، من نوعيّة الطلبات التي يطلبونها، من تعاملهم غير السويّ مع أطفالهم المُنهَكين، وأميّزهم من المجهول الذي يرتمون فيه كما لو قوة قاهِرة كنستهم من لبنانهم الأخضر.

عملاق عازفي البيانو، لازمتهُ عادة المشي طوال حياته، فكانت هذه رياضته المُفضّلة، البدنية والعقلية على السواء. في جيب معطفه كان بيتهوفن يحتفظ بورق لتدوين أفكاره الموسيقية أثناء توّغله في غابات فيينا التي عاش فيها شاباً. تسويداته وتدويناته غدت المرجع الرئيس لأعظم أعماله، وتضمنّت بعد وفاته أضعاف ما خلّفهُ من تراث موسيقي نادر.

موسيقيون على زاوية الشارع يتدرّبون على لحن " سينت لوسي بلوز" من دون الإستعانة بأيّة نوتة مكتوبة أمامهم. الموسيقى المُرتبكة بداية، تنّز من عرق الإسفلت وتصعد إلى رأسي وتغّل في شراييني. نيويورك مُذهلة في الليل، حين يبدو كل عابر يُطبّق أسلوبه الخاص في الحب وفي اليأس.أرى إلى العابر إن كان عاشقاً أو يائساً من خلال مشيه المُتأنّي أو هرولته.

نكون نُمنّي النفس برسالة حب هاتفية من صديق، تُعيننا على الوقت، لنجد تحذيراً صارِماً بتوّخي الحيطة والحَذَر، والابتعاد عن أماكن التجمّع ومُجانبة مناطق لبنانية بعينها، ومُحاذرة الـ " المولات ". التحذيرات الأمنية (أميركية وفرنسية وبريطانية وسواها) وإن تخّص بها رعاياها، تنتهبني نهباً مُدمّراً، مع إنني أعرف في الحقيقة مغزاها السياسي ومدلولاتها، وأخمّن الغَرَض الحقيقي من إرسالها.

 إسمه حسين السيّد، شاعر أغنية مصري مضى على وفاته ما يقرب من نصف قرن من الزمان، ومازالت أغنياته تذهل الناس لبساطتها. ما من أحد – أعتقد – يذهَل لأمر أكثر ممّا تذهلهُ البساطة. بالنسبة لي، أدهش أكثر قليلاً من سواي، لأني أحبّ البساطة  لأنها في صلب طبيعتي، ولأن هذا الرجل موضوع مقاربتي هنا، عبقري بساطة، ولأنه لا يتباسط عن عمد، بل يترك لنفسه أن تكتب مثل طفل، كما مثل عاشق، ومثل مخدوع، تماماً كما تقتضيه الطفولة الحقّة، ويقتضيه العشق، والهجر والخداع.

كثيرون يحسبون أن احتساء فنجان من القهوة معك في أيّ وقت، حقّهم الطبيعي والضروري، كما لو كانوا أنجزوا باكراً مشاغل العالم كله وآن أوان قهوتهم اللعينة. ما يحدث في الشارع لا يمكن التعبير عنه بكلمات.

لا يعنيني كمّ الأوكتافات التي حملها صوت عبد الحليم، ولا قدرته على الوصول بقفلات الغناء إلى خواتيمها السليمة، كما لا أحبّ التفرّج عليه في حفلاته المُتلفزَة بتسريحة شعره الغريبة، وعينيه الصغيرتين المُبلّلتين بماء المرض. أكره طريقته في قيادة الفرقة الموسيقية المُصاحِبة لغنائه فارداً يديه، مولياً ظهره لجمهوره أو مُصفّقاً بيديه بتوقيعات مُستفزّة، ذارعاً خشبة المسرح طولاً وعرضاً، ناشداً مشاركة مُحبيه وحضوره الكثير مُصاحبته الغناء والتصفيق>

المطر وفيّ. أشعر أن للمطر ولاء تجاه الناس البُسطاء وتجاه الأشجار والعشب والحيوانات والموانىء. المطر يُهذّب أمزجة الناس ويُرقّقها، ويمنح وجوههم مشهداً مُتفكّراً، مُتأمّلاً ويجعلهم يجيدون الصمت ويحترمون السكينة. يقفون تحت المطر أو أمام نوافذهم من دون النظر إلى أشياء بعينها كما لو الماء النازِل رسائل من السماء. يصمت الناس تحت المطر كأنهم داخل أرواح لا يريدون إغضابها بالكلام.

إن الحُسين ليس مقاماً فقط أو مزاراً أو شارعاً حقيقياً، إنه على الدوام عاطفة، ولأني كنت بحاجة مهُلكة إلى عاطفة، غلبتني رغبة الاسترخاء والشعور القوّي بالاحتماء من أمور صعبة تُشنّج كل عرق فيّ. جعلني المكان أتنفّس بهدوء، أصغي بهدوء، أتأمّل ما حولي بحبّ وقد تحوّلت رغبتي بالسلام إلى حمى على شكل شرود جميل.