مقالات - عناية جابر

ما نحملهُ من تاريخ والتاريخ ذاكرة، لا يعدو أن يكون قبوراً كثيرة، وكلاماً مبحوحاً وذكريات مُقطعّة، وأشلاء أوطان بلا سلالات والكثير الكثير من الخيانات. أوطان لم نحافظ عليها وتيجاناً بلا رجال، وترهات انقلبت حقائق، وحقائق بدّلت في حقائقها.

حياةُ اليمني، وليس شخصهُ فحسب أو موته، دراميّة في أساسها. إنها صراعٌ ملحَمي للكائِن البشري في هذا العالم، صراعٌ مع الخارج وصراعٌ مع الداخل، وهي حياته ذات وتائِر نفسية ومعيشية وفكرية مُتفاوِتة مُتدرِّجة غالباً.

لم يكن الحال اللبناني أكثر تواصلاً مع سابقه كما يحدث الآن. فإذا كانت الانتخابات اللبنانية المُزمَعة قريباً، علامات أولى تبشيرية داخلية في حياة هذا البلد، وذات وعود نهضوية ما لهذا الفريق، فإن علامات تبشيرية داخلية مُماثلة للفريق الآخر مرفوعة وبشكلٍ موازٍ ومتداخل إلى حدّ لا نعرف معه، أيها المُخلّصة فعلاً، وأين هي البداية.

منذ زمن ليس بالبعيد، وعلى التحديد منذ سنوات قليلة لاتتعدّى أصابع اليدين، كنّا نتكفّل بأحبائنا المُغتربين، عبر إمدادهم ببعض الهدايا التي تُغذّي أرواحهم، وكانت في الغالب على شكل مجموعة أشرطة غنائية، تُعيد ربط أواصرهم بما تشكلّت منه طفولاتهم وبعض صباهم، الأمر الذي أوشكوا على نسيانه بفعل الوقت.

ليس صحيحاً بالمرّة أنك حال تعتلي خشبة المسرح وتشرع في الغناء تنسى الناس والدنيا بما فيها. تبقى تراقب كل نأمة وكل حركة وكل شخص مستمع مع أنك توحي بإستغراقك التّام بالغناء. المهّم هذه حالي، ربما لأن الغناء هوايتي وشغفي وليست مهنتي. المشرفون على الحفل عمدوا إلى تهدئتي وقالوا إن القليل من التجوال في المدينة كاف لإراحتي وطرد كل هواجسي. قالوا أنها مدينة تُحب الغناء وتُحب الغرباء والتعرّف إلى فنون العالم كافّة وإلإ لما كانت الدعوة في الأساس.

ليست كل معزوفات "البلوز" أليفة دائماً على الأسماع، حتى على ناسها، فهي لا تخضع لمنطقٍ ما، فتراها أحياناً نابعة من غابات، وقائمة في أرض متشابكة الأشجار والأغصان، أو هي أنين عميق لأيدي وأرجل تُضنيها الأصفاد.

أعياني الاختيار في عروض الكُتب التي لم تستملني عناوينها، فكان أن اشتريت كتاباً كيفما اتّفق، وجدت في عنوانه احتمالاً لتسليةٍ ما، أو بديل عن الأصيل فهي غلطتي على كل حال، وعقابي على نسياني وارتباكي حيال الانتقال إلى حيّزٍ جغرافي غير حيزّي المُعتاد. " صناعة السعادة" عنوان الكتاب اللقيط الذي حملتُه على عَجَل، لكاتبٍ أميركي غير معروف لذلك نسيت إسمه ، وقلت في سرّي فلأصنع سعادة من النوع الذي يرتأيه صاحب هذا الكتاب، ويدّل عليها في عنوان كتابه.

من كتب لليلى مراد، ومن لحّن لها، كان كمن خبرها وعرفها جيداً، مُتحررة من عمرها ومن الزمن، تنحو في الغناء إلى مشاهد وعاديات الحياة كما والسخرية منها، كما لو أنها لوحة مكشوفة.

اعتمدت نجاح سلام بالإضافة إلى فخامة الصوت إذن، على معرفةٍ غنائية، كوسيلةٍ فكريةٍ للتعبير، تتجسّدُ في مبادئ وقوالب موسيقية مُتعارَف عليها ولازِمة ضرورية لتميّز المطرب أو المطربة. سلام ربطت بين ما تؤدّيه، وبين الخلفية الثقافية للعصر الذي نبع فيه وتفجّر عنه، لأنها أدركت بحدسها الذكيّ أن مُميّزات المجتمع السائِدة على وجهِ الخصوص، المُميّزات الفكرية والثقافية والسياسية في مرحلةٍ من مراحلِ العالم العربي، تكون عادةً هي نفس السِمات التي تنطبع على العمل الفنّي، أو التي يتوجّب أن يُظهرّها العمل الفنيّ، ومنه الغناء الذي كان رسالتها وبرعت فيها.

ليست المُخيّلة العاطفية لدى رياض السنباطي، سوى وجه لرؤيا صراعية فنية، وتجتهد إلى رفض ونبذ دراميين عاصفين لكل ما هو استهلاكي في الفن ورديء.

في ملامح فن زكريا أحمد، وعلى غير ما قيل عنه، التطوير المُتبّصر لبعض أشكال الغناء العربي، لكن من دون المساس بالآلات الموسيقية العربية، أو المقامات العربية أو الإيقاعات، أي عدم الاستعانة بأية آلة أجنبية في "تخته" الموسيقي وفي تلحينه.

إن الحب، الحب بلا مقابل، الحب إلى حدّ اللعب صفة الطفولة ونُذرها. الطفل الذي يقدّم لنا مقطعاً غنائياً ( أو الطفلة ) نراه أثناء الآداء كما لو يطير إلى حيث كان الغناء غناء، يتسلّق الماضي بعد أن ضاق بالحاضر المُشوّه المريض. نسمعهُ يستدرج الغناء بلثغة الطفولة، ويتحايل على المقاطع، ويخّفُ من مقطع إلى آخر بثقة العارِف والفاهِم، يصل إلى السماء مُغردّاً، ويُلاعب الآلات الموسيقية العازِفة لا يهابها صوته ولا يخشاها.

المقاطع الغنائية عند الصافي تنهض شاهقة رقيقة منحنية ومائلة، في نوع من لعبة توازن مستمرة، لكنها أيضاً مُتعامدة مصطفّة في ما يشبه دائرة، تقوم فوقها مظلّة هائلة صوتية تسمح لسامعها بالظّن أنه وقع في الغرام فجأة. خسرنا الصافي، الغناء الخالص المقطوع عن كل الهنّات، المليء بذاكرة البيوت والحقول والأوطان والنساء الجميلات، الشبيه بقرية بالغة البداءة، في مكان وزمان مجهولين .

نكتب في شأن الراحل أو الراحلة، ما يُشبه التوريات والكنايات التي هي في ذات الوقت اتضاح لهول لحظة الموت وإشارة إلى حقيقتها أكثر منها كتابة عادلة في نتاجه وأدبه أو فنه. كتابة فورية ليست شيئاً سوى الفراغ، لا مفتاح ولا دليل. كتابة أغلبها عاطفية فجائعية وعلى قدر من الإيجاب لكل ما خلّفهُ الراحل وقدر كبير من اليقين بريادته، وكتابة عدمية تُشبه مآلات كل البشر، أدباء كانوا أو "عاديين".

ولا صورة يمنية ترسم انزياحاً ولو بسيطاً عن الموت. كل مشهد رُسم وحدهُ وإن بفكرة الفناء نفسها. صنعاء، تعز، صعدة... الغيوم اللولبية، والدوامات الفضائية. أكثر من ألف يوم من القتل، وأكثر من ألف ليلة أمام الشاشة، أبكي من دون صوت، والعالم من دون صوت!

المزيد