مقالات - عناية جابر

ليست المُخيّلة العاطفية لدى رياض السنباطي، سوى وجه لرؤيا صراعية فنية، وتجتهد إلى رفض ونبذ دراميين عاصفين لكل ما هو استهلاكي في الفن ورديء.

في ملامح فن زكريا أحمد، وعلى غير ما قيل عنه، التطوير المُتبّصر لبعض أشكال الغناء العربي، لكن من دون المساس بالآلات الموسيقية العربية، أو المقامات العربية أو الإيقاعات، أي عدم الاستعانة بأية آلة أجنبية في "تخته" الموسيقي وفي تلحينه.

إن الحب، الحب بلا مقابل، الحب إلى حدّ اللعب صفة الطفولة ونُذرها. الطفل الذي يقدّم لنا مقطعاً غنائياً ( أو الطفلة ) نراه أثناء الآداء كما لو يطير إلى حيث كان الغناء غناء، يتسلّق الماضي بعد أن ضاق بالحاضر المُشوّه المريض. نسمعهُ يستدرج الغناء بلثغة الطفولة، ويتحايل على المقاطع، ويخّفُ من مقطع إلى آخر بثقة العارِف والفاهِم، يصل إلى السماء مُغردّاً، ويُلاعب الآلات الموسيقية العازِفة لا يهابها صوته ولا يخشاها.

المقاطع الغنائية عند الصافي تنهض شاهقة رقيقة منحنية ومائلة، في نوع من لعبة توازن مستمرة، لكنها أيضاً مُتعامدة مصطفّة في ما يشبه دائرة، تقوم فوقها مظلّة هائلة صوتية تسمح لسامعها بالظّن أنه وقع في الغرام فجأة. خسرنا الصافي، الغناء الخالص المقطوع عن كل الهنّات، المليء بذاكرة البيوت والحقول والأوطان والنساء الجميلات، الشبيه بقرية بالغة البداءة، في مكان وزمان مجهولين .

نكتب في شأن الراحل أو الراحلة، ما يُشبه التوريات والكنايات التي هي في ذات الوقت اتضاح لهول لحظة الموت وإشارة إلى حقيقتها أكثر منها كتابة عادلة في نتاجه وأدبه أو فنه. كتابة فورية ليست شيئاً سوى الفراغ، لا مفتاح ولا دليل. كتابة أغلبها عاطفية فجائعية وعلى قدر من الإيجاب لكل ما خلّفهُ الراحل وقدر كبير من اليقين بريادته، وكتابة عدمية تُشبه مآلات كل البشر، أدباء كانوا أو "عاديين".

ولا صورة يمنية ترسم انزياحاً ولو بسيطاً عن الموت. كل مشهد رُسم وحدهُ وإن بفكرة الفناء نفسها. صنعاء، تعز، صعدة... الغيوم اللولبية، والدوامات الفضائية. أكثر من ألف يوم من القتل، وأكثر من ألف ليلة أمام الشاشة، أبكي من دون صوت، والعالم من دون صوت!

أطفال الشوارع إلى متى؟

يبدأ النهار البيروتي من حيث ينهض الأطفال إلى الشوارع. يبدأ النهار، في القيظ وفي البرد، من توّزعهم في الزوايا، بثيابهم الرّثة وهيئاتهم الخاوية وأجفانهم المُطبقة نُعاساً وقهراً.

يحدثُ أن أمشي الهوينا على غير عادتي، أقطع شارع الحمراء من محطة " أبو طالب" لغاية مصرف لبنان، أي أقطع الشارع الرئيسي من أولّه إلى آخره. الهوينا هنا، ليست للغوى، بل لتمّلي ما أحدثتهُ زينة الميلاد ورأس السنة المقبلين في الشارع ومحلات الشارع، ومطاعمه ومقاهيه وناسه.

منذ لحظة إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، حضرت في رأسي وبقوّة، راشيل كوري. كوري التي قضت سنة 2003 تحت أنياب جرّافة إسرائيلية، لم تكن في ذلك الوقت تُجابه الجرّافة الإسرائيلية من أجل مجرّد تسمية ترامب لمدينة فلسطينية ما، عاصمة لإسرائيل.

كيف الأحوال بالبلد؟

كيف تردّ على سؤال أحد الأهل أو أحد الأصدقاء على الهاتف، حين تُباغتك العناوين التي تجعل أيامك اللبنانية مُعتّلة، ومُرّكبة، فلا تستطيع معها بالتالي سوى ترديد عبارة واحدة:"ماشي الحال" وذلك رأفة بالسائل، ورأفة بك أنت نفسك بالدرجة الأولى.

من المحتم، أن معارض الكتب تُتيح لك الفرص المحسوبة بدّقة، لاختيار ما ترغب من قديم، أو جديد الكُتّاب الذين تهوى أعمالهم. بضربة واحدة، أو زيارة واحدة في عبارة دقيقة، إلى المعرض السنوي للكتاب، تضمن أو تكفل مؤونتك السنوية إن شئت ممّا ترغب وتُحب لهذا الكاتب أو ذاك.

شادية (من شادية الكلمات لقب أطلقهُ عليها الممثل الراحل عبد الوارث عسر، ولعلّهُ الأقرب إلى صوتها الجميل) ممثلة غامضة إلى حد ورائعة، وكانت على اتصال فعلي بأدوارها، ما مكنّها من مقاربة الدراما الحزينة، والكوميديا حتى مُنتهاها، التي فاجأت جمهورها العربي على الإضحاك والمزاج " المعفرت" ولسنا في تعداد هذه الأفلام هنا أو في ذكر تسلسلها بل نتكلّم عن ممثلة استثنائية لن تغادر ذاكرة جمهورها الذي يحفظ جلّ أعمالها.

هذه المرّة ، أريد أن أمضي في كتابة ما يُفجعني. أمضي في الكتابة في موت اليمنيين، وفي الهواء الذي يتنفسونه.

تمتلك مسرحية "موت بائع جوّال" قوة دراماتيكية غير عادية على احتواء البؤس الإنساني مع نكهة فلسفية في بعض حواراتها التي تبحث في الوجود الإنساني، ويمكن تصنيفها بالمسرحية " الروحية" او متعدّدة الأبعاد الثقافية وليس السيكولوجية، فالإنسان والمواقف الإنسانية يقعا في قلب بنيان المسرحية.

قد يحدث أنك كنت مستمتعاً جداً في إقامتك الأميركية، لكنك لم تكن تكّف عن السؤال الذي لم يُبارح رأسك "ماذا لو حدث طارىء أمني ما، جعل من عودتك إلى لبنان أمراً مستحيلاً؟ "يخفق قلبي بشكل موجع من وطأة السؤال والاحتمال".