مقالات - فاطمة خليفة

للأماكن فلسفة خاصة تأخذ لونها واسمها مما نمرّ به. عند أيّة خيبة، الشوارع المؤدّية إلى بيتك ثقيلة، كأن الأحجار فوق ظهرك وليست عليها. عندما يتملكك الفرح، تبتسم الطرقات لك، تصبح جميلة فجأة. أسماؤها كأسمائنا نحن البشر، تعلّمنا بلون خاص حتى نختلف، أكثر بكثير مما نحن مختلفين، كالندبة التي تدلّك على الشيء وإن تاه. ترتبط تسمية الشوارع والمناطق بالمكان، بتاريخه، والأحداث التي مرّت عليه، وهي ليست حكراً على الجماعات التي سطّرت لبلادها انتصاراً ما. فبعض البلدان تسمّي الشوارع بإسم محتلّيها، كأن على سطوة حضورهم البقاء حتى ولو رحلوا!

لا يستطيع العالم إخفاء معالم قسوته غالباً. من الحروب، فالعنصرية، إلى الظلم، ثم الأمراض التي تنتشر في كل بيت ووادٍ. الأحجية تكمن في الأشخاص الذين يحملون عنّا أوجاعنا، ويشاركونا بها. وجودهم أمل ودواء. نحن، باختيارنا، بإرادتنا نقرر من نكون؛ الظالم، أو المظلوم، الذئب الذي يريد أن يأكل ليلى، أم ليلى نفسها!

من يكتب قصيدة، مقالاً إخبارياً أو صحفياً، يدرك جيداً أن مدققاً لغوياً ينتظره عند نهاية كلّ نص. يعمل المدقق على وضع النقاط فوق الحروف بشكل جيد، يشدّ عصب الكلمات وأعصابنا، يختبئ وراء الأحرف والهمزات، ما أن تقدّم له مادة حتى يتصدّى جهازه العصبي بكامله للتصحيح!

هل يأتي يوم تختفي فيه الكوفية الفلسطينية والقبعة المكسيكية والعباءة الموريتانية والخنجر اليمني وغيرها من الرموز التي تحاول الموضة طمسها على حساب ما هو دارج وجديد؟ هل نصبح شعوباً "من دون ذوق"، لا خيار لنا ولا حرية؟ هل يعقل أن نكون جميعاً فئران تجارب لكل ما تريد الشركات تحقيقه على الأرض؟سنصبح بأشكال واحدة وبوجوه موحدة لأن شفاهنا جميعاً ستكبر وصدرونا كذلك... سنحمل "الهاتف الذكي" نفسه الذي يجبرنا أن نوافق على جميع خياراته وإلا لن يقول لنا يا welcome!

الحب وحده مَن يجعلك تستلّ من نورِ الشمس خيطاً لتقدّمه غطاء لمحبوبك. التضحية رفيقة درب الحب، أخته من أمّه وأبيه. ولأن العشق الحقيقي يتحقّق عند ذوبان "الأنا" فإن القاعدة الأساس تقول إن الحب الذي تُقدّم الأضاحي في حضرته ينتصر، ولو كان على كرسيّ مُتحرّك!

عشرُ دقائق!

في بلد عربي كان يلقّب بـ"السعيد" هناك أطفال يدفنون بالجملة في كل يوم. في اليمن مشاهد مروعة لم تستطع فنون السياسة تجميل معالمها. ماذا يعني أن يموت طفل كلّ عشر دقائق؟ لماذا تهشّم عظام أطفال اليمن وتحرق جلودها؟ حتى لا نفقد إنسانيتنا على مذبح التهاون، وكي لا تسود شريعة الغاب فينا.. أنقذوهم.

مدمنو "الأشياء" حينما يحاولون التخلّي عنها يعيشون الألم المبرح، المدمنون يدركون جيداً صعوبة التخلّي والتغيّر. لأن المعصم حينما يعتاد السوار يرى نفسه قبيحاً بدونه، والعين التي اعتادت الكحل تظن أنها عمياء لولاه. وكذا الإنسان الذي لا يعرف التعامل مع بنات أفكاره، بحاجة دوماً إلى من يفكر عنه، ويأخذ قرارات عنه. بحاجة إلى أن يكون بين القطيع دوماً!

ما القضية التي تجعل الأم تقول لفلذة كبدها اذهب إلى الخطوط الأمامية حيث أنّ الموت وارد؟ من هم هؤلاء؟ لماذا يدافعون عن الإنسان والأوطان؟ ولماذا يضحون بطفولة لم يخرجوا منها شبّانا ليوثاً إلا قبل بضع سنوات؟ لماذا يرسم هذا الطفل بدل الغيمة والشمس التي رسمناها جميعاً في طفولتنا، بندقية؟ لن يفهم كَنهَ الحياة والموت في عزّ إلا صاحب قضية، ينظر بعينها أقصى القوم.

الرصاصة التي يطلقها المبتهجون الأنانيون في السماء، وتصيب صدور المارة أو الجالسين على شرفاتهم يرتشفون آخر شربةٍ من كأس الحياة، جريمة.

الفراق ليس حكراً على العشاق.. هو مادة دسمة تتغلغل في أحشاء يومياتنا، مذ فارقنا مقاعد الدراسة، منذ لوّحت لنا الطفولة بعيداً وأعطتنا دور الكبار، مذ قرعت طبول الحرب في آذان عالمنا.. أطفال يفارقون الحياة بحضور أغلى أنواع القذائف.. وأمهات يمتن وهنّ على قيد الحياة.. وشباب يقطف الرحيل أجمل ما في ربوع شبابهم.. ويتركوننا خلفهم للحزن والبكاء.. أليس هذا موتاً؟ بلى بل أشدّ وأدهى..

شعورٌ لا يخضع للحروف والأرقام، لا تتوقف الساعة فيه، ولا يٌدق الجرس، هو الحب. هو اليد التي تمسكها في منتصف الطريق وأنت مغمض العينيين وتعبر مطمئناً أنك ستصل إلى الضفة الأخرى سالماً. هو البلد الذي يبعدك وينفيك ويظلمك ومع ذلك تبقى في هواه، متيماً.

الندى الفلسطيني تجّمد تلك الليلة، ألا تعرف كيف يتجمد الندى؟ حين تنثرُ على رذاذه الكثير من الصبر والقليل من ماء الحلم.. يتجمّد..

الأتباع يكونون عادة أشدّ تطرّفاً من مُلهميهم، لذلك فإن البعض يتوغّل في استعمال وسائل التواصل إلى العُمق، العُمق الذي قد يؤدّي إلى الغَرَق في حال افتقارك إلى الثقافة التنظمية للوقت والعلاقات. لا أحد يقف في وجه التطوّر جميعنا نرفع له قُبّعة الاحترام بشرط أن نطوّعه لأدبيّاتنا لا أن يجرفنا نحو أدبيّاته..

هناك، في الجزء الآخر من المشهد، أصوات مواطنين لا يعنيهم القصر، ولا من بداخله، لا يعنيهم من، ولا ابن من، وصل إلى الكرسي الأول، بل إن الرئاسة تحديداً لا تعنيهم شيئاً. هو رئيس "للراضي والزعلان" للـ "المشحر والمعتر" وللغني المستغني كذلك. هذا رأي الدستور؟ حسناً. لكن للمواطنين في الشارع، للأساتذة في مدارسهم، للعاطل عن العمل في شغوره الخاص، رأي آخر..

ماذا يعني الجنس الآخر؟ ولماذا هناك جنسُ آخر اساساً؟ وإذا كان هناك جنس آخر فعلاً فمن هو الجنس الأساسي الذي يستحق أن يقال عن كل ما سواه إنه آخر؟ وعلى أي مبدأ ومن منظور من يُحدَّد الجنس بأنه آخر؟ من هو الجنس الآخر إذاً؟ وكم قارئ وقارئة همسوا في سرّهم الأن: إنها الأنثى؟ّ