مقالات - فاطمة خليفة

السفير الأميركي السابق في لبنان والذي اعتاد اللبنانيون على تسميته ببوق الفتنة، يعود للظهور مجدداً على الساحة اللبنانية للعب دوره السابق، فيما بادله اللبنانيون برفضٍ عارمٍ لدخوله الوقح على خط تظاهراتهم.

ماذا يعني أن يموت خمسة أطفالٍ رضِعوا من أمٍ واحدة، دُفعةً واحدة، كيف تتحمّل الإنسانية هذا العبء من الخروقات التي تهدّد وجودها، ووجودنا؟ ما هذا البلاء الذي وقع على عائلة السواركة؟ ماذا اقترف هؤلاء الأطفال؟ وماذا سيحلُّ بهذه العائلة المنكوبة التي أبَت مصائبُها أنْ تأتي فُرادى!

كيف لفتاة تحت رهبة السجن وظلامية غرف التحقيق أن تمتلك كل هذا الوعي الذي لم تتمكن جميع غرف غسيل الدماغ من كيّه؟ أجمل ما ورد في مقابلة هبة عفويتها، كلماتها الصادقة التي تنبع من قلب مؤمن بأنه سينجو، رددت هبة كلمات يجب أن يحفظها التاريخ جيداً، قالت إن الاحتلال جيش تملّك دولة، وليس العكس، وفي هذه الجملة عبر كثيرة، لمن يريد أن يعتبر.

في الجامعة، جاءنا في أحد الامتحانات سؤالُ ملغوم: إذا كنت في منطقة تشتعل فيها النار جرّاء الحرب، وأمامك طفل أصابته شظية، وخيار واحد فقط، إما أن تنقذه، أو تنقل صورته إلى العالم، كيف تتصرّف؟ يومها، اخترت أن أنقذ الطفل، وعلَّلت جوابي بأن الطفل نفسه سيحدِّث العالم عن تجربته. أعطتني الدكتورة وقتها نصف العلامة، وشدَّدت أن العلامة الكاملة لن أحصل عليها أبداً حتى أكون في موقفٍ حقيقي، وفي حرب حقيقية، ولديّ طفل، وكاميرا.

لا يحرمُ الطغاة شعوبهم كلّ شيء، يبقون لديهم شيئاً ما يخسرونه، فلا أخطر من إنسان ليس لديه ما يخسره. ينتفض لبنان اليوم على ضمّادات الجراح التي كان يُعالج بها، على الأورام الطائفية المنتفخة التي ظنها اللبنانيون لوقت طويل أمجاد آبائهم والأجداد!

كل اليوميات التي نمضي بها هي عبارة عن تراكُم للحزن، وليس الحزن بالضرورة حالة شعورية خاصّة، إنما يصير جزءاً من طباعنا اليوميّة، حتى نتمكن من تمييز الفرح حين يحلّ ونستلذّ به. هذا الحزن هو جزء من اكتئاب، وليس بالضرورة اكتئاباً مرضياً إنما مُجرَّد "حالة اكتئاب"، وعادة الحالات أنها تمرّ.

لو أن المقاومة هُزمت، ونقول لو، لسرقوا منًا صوت فيروز، وحرّفوا قصائد محمود درويش، وأذابوا حبر حنظلة. لو هزمت المقاومة لافترشنا الطرقات لاجئين هاربين ومحرومين.

التطبيقات الذكية قد تحلّ عقدة كونية، عقدة الفُقدان والاختفاء المُفاجئ لأشخاصٍ بقوا معنا لوقتٍ طويل. الباحِث في المفوضية الفرنسية للطاقة الذرية أحمد عودة يؤكّد أنه لن يمر وقت طويل حتى تصبح بعض التطبيقات الذكية قادرة على أن تُحاكي شخصاً ما - اعتماداً على ما تمّ - على مدى حياته، مما قد يمكننا من جعل المرء خالداً إلكترونياً.

كثيرة هي موانع الحب في بلادنا. الحروب أهمها وأقساها. الحرب رادع وحاجز كره، نهرب منها عبر كسر "الراء" التي اتفق جميع الفلاسفة وعُلماء الترميز على أنها البداية لحياة نحلم بها برمّتنا. الحب وحده بذاته ونفسه، هو المخدّر الأنجح لجميع الحروب التي نخوضها أفراداً وجماعات، تخيلوا، كم هم قساة أولئك الذين يقطعون المخدّر عن المريض في نصف العملية الجراحية، ويدعونه لمواصلة الحياة ببأس ويأس.

الزخم الشعبي ضدّ بن سلمان يكشف عن الجمر تحت الرماد، الشعوب ترى ماذا يحصل، ,وتشاهد القتل غير المبرر والسكوت غير المبرر للدول، ما أن اقترب بن سلمان من منطقتها، من حدودها حتى استشعرت الخطر القادم، وانتفضت لتقول كلا، مع أن ولي العهد السعودي في زيارة "سلمية"، ويؤكّد أحد المغرّدين أن "بن سلمان لا يحمل المنشار معه في الزيارات الرسمية".!

الحرب السعودية على اليمن لم تترك بيتاً إلا وتركت فيه ذكرى من حربها الظالمة، شهيد، جريح، يتيم، جائع، واللائحة تطول. البارحة، توفيت الطفلة التي فتحت عيون العالم على مأساة اليمن، أمل حسين، ماتت جائعة، وخائفة، ومقهورة، لأن أسياد الحرب، لم تتوقف شهيتهم عن المزيد من الدماء.

بالأمس غادرت الروح المدينة، بل الروح التي تلفُّ الوطن وتمرُّ على المجاهدين بكل قداسة الأمومة وعرفان الجهاد، ثمانون عاماً كافياتٍ لأبناء شهداء وأحفاد شهداء، تسرعُ فيها أمّ عماد إلى أبنائها المُتزيّنين بالسلاح، تُصلِحُ هندامهم العسكري، ترشُّ على أكتافهم عطرَ الرجال وتشدُّ وثاقَ قلوبهم التي تتفتّق كلما نظر راحلٌ إلى عيني والديه.

للأماكن فلسفة خاصة تأخذ لونها واسمها مما نمرّ به. عند أيّة خيبة، الشوارع المؤدّية إلى بيتك ثقيلة، كأن الأحجار فوق ظهرك وليست عليها. عندما يتملكك الفرح، تبتسم الطرقات لك، تصبح جميلة فجأة. أسماؤها كأسمائنا نحن البشر، تعلّمنا بلون خاص حتى نختلف، أكثر بكثير مما نحن مختلفين، كالندبة التي تدلّك على الشيء وإن تاه. ترتبط تسمية الشوارع والمناطق بالمكان، بتاريخه، والأحداث التي مرّت عليه، وهي ليست حكراً على الجماعات التي سطّرت لبلادها انتصاراً ما. فبعض البلدان تسمّي الشوارع بإسم محتلّيها، كأن على سطوة حضورهم البقاء حتى ولو رحلوا!

لا يستطيع العالم إخفاء معالم قسوته غالباً. من الحروب، فالعنصرية، إلى الظلم، ثم الأمراض التي تنتشر في كل بيت ووادٍ. الأحجية تكمن في الأشخاص الذين يحملون عنّا أوجاعنا، ويشاركونا بها. وجودهم أمل ودواء. نحن، باختيارنا، بإرادتنا نقرر من نكون؛ الظالم، أو المظلوم، الذئب الذي يريد أن يأكل ليلى، أم ليلى نفسها!

من يكتب قصيدة، مقالاً إخبارياً أو صحفياً، يدرك جيداً أن مدققاً لغوياً ينتظره عند نهاية كلّ نص. يعمل المدقق على وضع النقاط فوق الحروف بشكل جيد، يشدّ عصب الكلمات وأعصابنا، يختبئ وراء الأحرف والهمزات، ما أن تقدّم له مادة حتى يتصدّى جهازه العصبي بكامله للتصحيح!

المزيد