مقالات - نور الدين أبو لحية

نتعجَّب من وكالات الفضاء التي تبحث عن الثقوب السوداء في السماء وهي موجودة في الأرض.. موجودة أمامها في تلك القلوب الميتة الخالية من كل المشاعر، والتي أرسلت في يوم من الأيام قنابلها النووية، لإبادة مدن كاملة، ولا تزال ترسل مثل تلك القنابل، وفي كل مكان، وبأسماء برَّاقة، استطاع ترامب أن يُزيل بريقها لتبدو بشعة مظلمة سوداء، كالثقوب السوداء.

هل نبكيها أم نبكي أولئك العُلماء والدُعاة أصحاب البطون الكبيرة، والسيارات الفخمة، والذين امتلأت الأرض من نعيقهم ونهيقهم.. ولم نسمع أحداً منهم في يومٍ من الأيام يدعو إلى وقف المجازر، والكفّ عن الظلم.. بل الكل بارك، والكل شارك، والكل راح يستعمل ما في جعبته من كلام ربّه المقدّس ليبرّر الجريمة.

حزب الله هو الحزب الوحيد الذي صَدَقَ في كلِ وعوده، وانتصرَ في كلِ معاركه، واستطاع أن يمثّلَ القِيَمَ الأخلاقية والحضارية أحسن تمثيل، وهو الذي رفعَ رأس الأمّة الذي انخفض لفترةٍ طويلةٍ، في نفس الوقت الذي أذلّ فيه الكيان الصهيوني بعد أن بنى له الأعراب قصوراً من الكبرياء.

من القِيَم التي يتأسّس عليها نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية [الجمهورية]، والقِيَم النابعة منها، وهي تشكّل مع [الإسلام] اللقب الذي اختارته إيران لنفسها بعد انتصار ثورتها؛ فهي [جمهورية إسلامية]، وليست إمارة إسلامية، ولا مملكة إسلامية، ولا خلافة إسلامية، ولا إمبراطورية إسلامية.

لن يتقبّل الكثير من الناس هذا الكلام بفعل تلك الحملة المدروسة التي تُشيطن إيران، وتجعل دينها المجوسية بدل الإسلام، ولذلك ننصح العقلاء الذين لم تتسنّ لهم الثقة بما نقول، أو بالأدلّة التي نوردها، بأن يراجعوا الفقه الشيعي من مصادره المعتمدة، أو يذهبوا إلى إيران نفسها ليتأكّدوا.

من المفاهيم الخاطئة التي أشاعها الإعلام المغرض والأيادي الخبيثة المحرّكة للفتنة تلك المفاهيم المرتبطة بالاستبداد.. فالدولة المستبدّة عندهم، وبحسب الطرح الذي يطرحونه: هي تلك الدولة التي تمسك بزمام أمرها في الداخل والخارج، وتفرض هيبتها وسيادتها على رعيّتها، كما تفرضها قبل ذلك وبعده على أية جهة تسوِّل لها نفسها التدخّل في شؤونها.

ذلك هو حراك البحرين، وهو حراك لم يطالب بإسقاط النظام، ولا برحيل الملك، وكل ما طالب به هو التحوّل إلى ملكيّة دستورية بدل الملكية المطلَقة، مع احتفاظ الملك بمنصبه، وكان المتظاهرون مُستعدّين للحوار، ومطالبهم كانت في مُنتهى الشرعية والوضوح، فقد كانوا يتألمّون لذلك التطبيع الذي تقوم به مملكتهم مع إسرائيل، وتلك الإتاوات التي تدفعها لأميركا مقابل حمايتها.

ما تقوم به فرنسا في اليمن بإرسال قواتها بعدتهم وعتادهم، ليحاربوا ذلك الشعب المستضعف الفقير الذي ابتلي بأسوأ جوار عرفه التاريخ.

مع أن القوانين الدولية تتيح لأية دولة أن تقيم علاقاتها مع مَن تشاء، وكيف تشاء.. لكن المجرمين الذين يقومون بالتطبيع مع إسرائيل كل حين، ويقومون بإمداد أميركا بكل ما يجبونه من أموال الأرض والسماء، يرفضون ذلك، ويحاربون لأجل ذلك حفاظاً على أمنهم القومي، مُتناسين إسرائيل التي هي المهدّد الأكبر لأمن المنطقة، ومُتناسين أميركا أعظم دولة إمبريالية في التاريخ.

من التهم الباطلة التي يوجّهها الإعلام المغرض للنظام السوري كونه سبب تلك الأمواج البشرية التي تخرج من مدنها وقراها السورية، لتتوجّه إلى مناطق كثيرة من العالم ابتداء من الدول العربية، وانتهاء بالدول الأوروبية وغيرها من دول العالم. وهو يتفنّن في تصوير مظلومية تلك الأمواج، موجّهاً أصابع الاتهام دائماً إلى الدولة السورية ومؤسّساتها، وخصوصاً جيشها.. وكأنه هو الذي قام بطرد أولئك المواطنين من غير محاكمة، ولا أية إجراءات قانونية أو أخلاقية.

لم نر علماء سوريا الرسميين يدعون إلى الجهاد في أفغانستان أو الشيشان أو الصومال، بل لم يُستثمروا من طرف الجهات الرسمية إلا في الدعوة للجهاد في فلسطين، وخاصة إبان الحروب التي جرت بين سوريا والكيان الصهيوني، وما أكثرها.

إن أي عاقل ينظر إلى النظام السوري، وكيف أدار المحنة التي ألمت به منذ سنوات طويلة، يمتلئ بالعَجَب، خاصة إذا قارناه بتلك الأنظمة الهشّة التي تسقط سقوطاً حراً بمجرد حوادث بسيطة، أو تنقلب رأساً على عقب عن كل ما كانت تؤمن به أو تمارسه. على عكس النظام السوري، الذي مهما اختلفنا معه، فلن نختلف أبداً في كونه نظاماً متماسكاً محكماً قوياً، لدرجة أن كل قوى الشر اجتمعت عليه، ولم يتأثر، ولم يتزحزح عن مبادئه قيد أنملة، بخلاف خصومه من المعارضة أو من الدول التي تموّنها، والذين يغيّرون آراءهم كل حين.

أرجو ألا تذكرو لي أيضاً ما يسمّونه بتصدير الثورة، فأنتم تعلمون أن العالم مفتوح، وأن كل ثورة ناجحة تصدر، رضيَ أصحاب الثورة أو لم يرضوا.. فثورة تشي غيفارا صدرت ولا تزال تصدر.. وثورة تونس وحَرْق البوعزيزي نفسه صدر.. وصار الكل يحرقون أنفسهم.. ولذلك لا داعي لهذا الوصف، واتهام إيران به.. فهي لم تفعل سوى أن خرجت من عباءة الشاه الذي كان عبداً لأميركا، وكان لذلك تأثيره الكبير في الشعوب التي لا تزال تخضع لعبوديّة الشاهنشاهات.

هذا سؤال وجيه يحتاج كل عاقل للإجابة الهادئة والعقلانية عليه، ليخرج من تلك السطحية والبساطة التي يُجيب بها الكثير من الإسلاميين الذين ركبوا موجة هذه الثورات، والذين يختصرون الجواب عليه في الشمّاعة التي تعودوا أن ينسبوا كل فشلهم إليها، وهي الطُغاة والمُستبدّين والظلَمة.

أبادر الذين يستاؤون من أمثال هذه العبارات، ويتصوّرون أنني أتحامل على مَن يسمّون أنفسهم "إسلاميين" أو "حركيين" أو "إخوان مسلمين"، بأنني لست مُتحاملاً، ولا حاقداً، ولا أحمل لهم في تلك العبارة أو غيرها من العبارات إلا كل معاني الرحمة والمودّة واللطف والنصيحة.. وأني لا أفعل معهم سوى دور ذلك الطبيب الذي يصف الحال، ويشخّصها، ليستعمل المريض بعدها ما يُعيد به إلى نفسه الصحة، فهل يكون الطبيب ناصحاً إن كذب على مريضه، وكتم عنه مرضه، وأخبره أنه بصحّة جيّدة؟

المزيد