اتفاق أردوغان ترامب

"نحن والولايات المتحدة الأميركية شركاء استراتيجيين" هذه العبارة نطق بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده مع الرئيس الأميركي دونلد ترامب في أعقاب اللقاء الذي عُقِدَ بينهما على هامش قمّة الـ20 الأخيرة في حينه لم ينتبه الكثيرون، من المبهورين بأردوغان لمعاني ودلالات هذه العبارة التي تؤكّد بما لا يضع مجالاً للشك على أن العلاقات التركية -الأميركية في عهد "أردوغان الإسلامي"باتت أمتن بكثير عما كانت عليه في عهد مَن سبقوه من رؤساء (أتاتوركيين)".

العلاقات التركية-الأميركية في عهد أردوغان أصبحت في نفس مستوى العلاقات الأميركية-الإسرائيلية
العلاقات التركية-الأميركية في عهد أردوغان أصبحت في نفس مستوى العلاقات الأميركية-الإسرائيلية

بكلمات أخرى فإن العلاقات التركية-الأميركية في عهد أردوغان، ورغم كل الضجيج الإسلاموي والديماغوجيا العثمانية، قد أصبحت في نفس مستوى العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، أي أنها انتقلت من التحالف الاستراتيجي إلى مرحلة أكثر تقدّماً بكثير وهي مرحلة الشراكة الاستراتيحية.
بعد هذه المقدّمة فإذا انتقلنا إلى الحديث عن اتفاق أردوغان-ترامب على إقامة مركز عمليات مشترك لإقامة وإدارة منطقة آمنة، في الشمال السوري، وداخل الأراضي السورية، ومن دون موافقة الحكومة السورية، فإنه بإمكاننا القول، أولاً، بأن هذا الاتفاق هو اعتداء صارِخ على أراضي دولة مستقلة، ذات سيادة، وانتهاك فاضح للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة.
وهو ثانياً انقلاب على الروس الذين اعتقدوا واهمين أن رجلاً انتهازياً مثل أردوغان يمكن الرِهان عليه، أو كسبه إلى صفّهم من خلال صفقة الـ أس-400، في الصراع الجاري لإضعاف نفوذ واشنطن في سوريا.
وهو ثالثاً نهاية لأحلام كرد سوريا المُتصهينين الذين لم يستمعوا لنصائح إدوارد فورد آخر سفير أميركي في دمشق والذي كان قد طالبهم مراراً بعدم الثقة بوعود إدارة ترامب التي ستبيعهم، حينما تحين لحظة الحقيقة، كما باع هنري كيسنجر كرد العراق عام 1974.
إن خطورة هذا الاتفاق الذي رفضته الدولة السورية وأكدت من خلال البيان الذي اصدرته وزارة خارجيتها جهوزيّتها لمقاومته وإسقاطه بالتعاون مع حلفائها في محور المقاومة، أنه تكمن في أنه يشكّل امتداداً لنهج وعد بلفور في العلاقات الدولية، في القرن الـ21.
فالاتفاق تمّ من وراء ظهر الدولة السورية ومن دون موافقتها، ومن شأن تطبيقه أن يؤدّي إلى اقتطاع أجزاء واسعة من أراضي الجمهورية العربية السورية وضمّها إلى سيادة دولتين لهما أطماع توسعية تاريخية في نفطها وغازها على حساب الشعب السوري وحقوقه في أرضه وثرواته.
بقي القول بأن اتفاق أردوغان-ترامب يشكّل استكمالاً وامتداداً للاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان السورية المحتلة ولقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليها لكي تصبح سوريا بين فكّي كماشة، إسرائيلية في الجنوب وتركية أميركية في الشمال.
ولذلك فإنه لا سبيل لإسقاط هذا الاتفاق سوى بالمواجهة العسكرية الشاملة، مهما كانت الموانع الروسية، لأن ما جرى يهدف إلى إعادة الأمور في سوريا إلى المربع الأول، وهذا ما يقوم به في هذه الساعات الجيش العربي السوري والحلفاء في ريف حماه الشمالي وفي محافظة إدلب.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً