هشام صفا

كاتب ومحلل لبناني

التوتّر عبر الأطلسي - سياسة أقصى الضغوط تطال أوروبا

لم تعد القضيّة بين حلفاء الأمس مُجرَّد خلافات وتبايُن في وجهات النّظر، كما وليست مواقف سياسيّة وتصريحات مُضادَّة ، لكن القضيّة أصبحت أفعالاً لا تحتمل الكثير من التأويل بل تحمل دلالات على نوايا الفاعلين.

التوتّر عبر الأطلسي - سياسة أقصى الضغوط تطال أوروبا
التوتّر عبر الأطلسي - سياسة أقصى الضغوط تطال أوروبا

منذ إعلان الولايات المتحدة الخروج من الاتفاق النووي تبلوَرالشكل الجديد للتحرّك الأميركي اتجاه الإتحاد الأوروبي والذي وضع القارّة العجوز أمام استحقاق أمني سعت لأجله مع إيران لسنواتٍ طويلة، فجاء خروج الولايات المتحدة من الإتفاق النووي مثل القشّة التي قصمت ظهر البعير ، لتُظهر حدَّة التبايُن بين المفوضيّة العامة للإتحاد الأوروبي وواشنطن اتجاه النظام الأمني الأطلسي الذي يبدو أن توازناته القديمة لم تعد تلبّي تطلّعات كافة الأطراف.

ومع نهاية العام الماضي، ومع إعلان الطرف الأوروبي عن عزمه المُضي بفكرة الجيش الأوروبي المُشترك ، حين أعلن ماكرون أثناء إحياء العيد الوطني الفرنسي تحت شعار "الأمن الأوروبي"  أنه من الأساسي للقارّة العجوز زيادة استقلاليتها الإستراتيجية، اشتعلت شوارع باريس بحراكٍ شعبي مطلبي كان قد أعلن عن نفسه في أيار من نفس العام، ورغم عدم وجود رابط بين هذا الحراك والضغوط الخارجيّة ، ولكن التوقيت وتولّد الحراك الشعبي من خارج مؤسّسات المجتمع المدني الفرنسي، وظهور حركات مُتزامِنة مُشابِهة في بلجيكا وألمانيا (حزب البديل وحزب الخضر) كل ذلك جاء ليعزِّز فرضية التدخّل الخارجي، بَيْدَ أن التعاقُب الدراماتيكي للأحداث أظهر بوضوحٍ أن مرحلة الضغوط الفعليّة دخلت حيِّز التنفيذ.

وإذا تجاوزنا الملف الإقتصادي وما عكسه من توتّر في العلاقات بين الجانبين وصل بعضها إلى حدّ العقوبات الإقتصادية المُتبادَلة، (أزمة السيارات مع ألمانيا والنبيذ مع فرنسا ...)، وإذا تجاوزنا الصعود السياسي المُفاجئ لليمين المُتطرّف في ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا والنمسا وهولندا، وإذا تجاوزنا كذلك الخروج البريطاني من دون اتفاق أو مع شروطٍ جديدةٍ يفرضها جونسون مُتجاوزاً كل ما توصّلت إليه مفاوضات الخروج السابقة، ولكن الذي لا يمكن تجاوزه هو تأزيم الوضع الأمني لأوروبا إلى الدرجة التي تُفتَح فيها كل ملفات الأمن العالِقة دفعة واحدة، لترزح  بعد ذلك القارّة العجوز تحت نفس الضغوط التي عانتها زمن الحرب البارِدة وسباق  التسلّح.

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" في نيسان الماضي مضمون وثيقة صادِرة عن هيئة تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) كشفت عن مواقع نحو 150 سلاحاً نووياً أميركياً مُخزَّنة في أوروبا، وحملت الوثيقة تقييماً لمستقبل سياسة الردع النووي التي يتّبعها حلف الناتو، ورغم اعتبار الصحافة الأوروبية أن الموضوع "سرّ قديم" ولكن الرسالة وصلت بالتأكيد إلى الجانب الروسي كتذكيرٍ بمستوى توازُنات القوّة القائمة وطبيعة النظام الذي يرعى تلك التوازُنات والمُتمثّل بنظام الدفاع المُشترك لحلف الناتو.

وكي لا تكتفي واشنطن فقط برسائل تذكيريّة جاء الانسحاب الأميركي من معاهدة الصواريخ المتوسّطة بداية شهر آب الجاري، ليحمل معه تأكيداً على أن القواعد التي كان قائماً عليها توازُن القوّة قبل العام 1987 تاريخ توقيع معاهدة الصواريخ المتوسّطة (ستارت) مازال قائماً إلى الآن، وبالتالي فالنّظام الذي يرعى تطبيق تلك القواعد أي نِظام الدفاع المُشترك الأوروبي الأميركي (الناتو) ما زال ساري المفعول هو أيضاً.

قابل الخطوة الأميركية تلك تحرّك دبلوماسي روسي باتجاه أوروبا لاحتواء الوضع حيث أعلن وزير الخارجيّة الروسي سيرغي رافروف في تصريحٍ صحافي أدلى به عقِب مُشاركته في اجتماعٍ لدولِ منظمة الأمن والتعاون في أوروبا قبل يوم واحد من خطوة الانسحاب الأميركي أن "الوضع خطير بما فيه الكفاية ويتطلّب حلولاً وخطوات عملية لحلحلة التوتّر ووقف التصعيد"، وترك الباب مفتوحاً أمام اتفاق فيينا حول إجراءات الثقة المُتبادَلة بين روسيا وأوروبا الذي تمّ التوصّل إليه عام 2011 ، آملاً في أن "يؤدّي الحوار المُمنَهج إلى نتائج ملموسة في المستقبل القريب".

ورغم تصريح أنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة أن "العالم سيفقد مكابح لا تقدَّر بثمن للحرب النووية"، أتى الرد الأوروبي في نفس اليوم مُتناغِماً مع التصريح الروسي حيث قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس: "تفقد أوروبا جزءاً من أمنها بانتهاء معاهدة الأسلحة النووية متوسّطة المدى"، وأضاف "أنا على قناعةٍ بأننا يجب أن ننجح اليوم مُجدّداً في الاتفاق على قواعد بشأن نزع السلاح والحدّ من الأسلحة من أجل تجنّب سباق تسلّح نووي جديد".

تدفع أوروبا باتجاه قواعد أمن جديدة تساعدها في صوغ نُظم أخرى بديلة للردع النووي لقناعتها أن النُظُم العسكريّة التي أفرزها سباق التسلّح أيام الحرب البارٍدة لم تعد صالحةً لضمان توازُن أمني أوروبي لعدّة عقود قادمة،  وبالمقابل فإن الولايات المتحدة تصرُّ على المحافظة على قواعد الأمن المُشتركة مع أوروبا تحت غطاء حلف الناتو الذي أنشىء عام 1949 لتلبية الحاجات الدفاعية للدول الأعضاء، والذي كان يُعتبر النظام الدفاعي المطلوب في ظلّ التبايُن السائِد آنذاك بين المعسكر الشرقي الشيوعي والمعسكر الغربي الليبرالي، ورغم زوال الخطر الناجِم عن التبايُن الأيديولوجي، والسعي من قِبَل الإتحادين الأوروبي والروسي  لبناء مستقبل علاقات أمنيّة وتجارية مشتركة تحقق طموح الطرفين ببناء اقتصاديّاتٍ قويّة، رغم ذلك سيستمر السعي الأميركي بالضغط الأمني على أوروبا لإجبارها على عدم الإنفكاك عنها أمنياً وسياسيّاً، لعِلم واشنطن بأن السماح للاتحاد الأوروبي بتطوير اقتصاده سيؤدّي بالضرورة إلى تعديل صيغة الاتحاد الإقتصاديّة إلى صيغة اتحاد أوروبي جديد مُتكامِل ثقافياً وأمنياً وعسكرياّ وقادرعلى تأمين مستقبله كلاعبٍ دوليّ، وهذا ما لا تريده الولايات المتحدة الأميركيّة.