محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

نهاية محتومة.. لا بد من عدن وإن طال السفر

في حب صنعاء كتب الدكتور عبد العزيز المقالح قائلاً: "لابد من صنعاء وإن طال السفر.. صنعاء إن أغفت على أحزانها حيناً وطال بها التبلّد والخدر.. سيزول في وجه الظلام صباحها حتماً ويغسل جدبها يوماً مطر". ومرَّت الأيام وأضحت الكلمات تُقال في "كبريا عدن"، التي قال عنها ياقوت الحموي: "مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن.. مرفأ مراكب الهند والتجّار يجتمعون إليه لأجل ذلك فإنها بلدة تجارة". وقال إبن خلدون:"عدن هذه من أمنع مدائِن اليمن".

  • صورة من الحرب على اليمن

تطوّرات طويلة مرّت عليها وصولاً إلى يوم 27 أغسطس/ آب الماضي، حيث نشر خبر في وسيلة إعلان أميركية نقلاً عن مصادر مُطّلعة في العاصمة الأميركية واشنطن يؤكّد أن "الولايات المتحدة تُخطّط للانفتاح على مُباحثاتٍ مباشرةٍ مع الحوثيين، وذلك بهدف التوصّل إلى وقف إطلاق النار في اليمن. وأوضحت المصادر أن المعلومات تُشير إلى أن المُباحثات، في حال عُقِدَت، ستكون في سلطنة عُمان، وبالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي، في محاولةٍ على ما يبدو لحل الأزمة اليمنية. وفي حال عُقِدَت هذه المُباحثات، ستكون أول مُحادثات مباشرة بين واشنطن والحوثيين".

لقد شرع "التحالف" مؤخّراً في التمهيد للإعلان عن إجراء مُباحثات رسمية مع قيادات مع جماعة "أنصار الله" وذلك عبر نقاشات واسعة داخل دوائر الحُكم لبلورة رؤية موحَّدة عن هذه المباحثات وتفاصيلها وأهدافها، كما طرحت الأمر على قيادات مُقيمة في الرياض لجسِّ نبضها ومعرفة ردود أفعالها وتصوّراتها حيال هذه المُباحثات الوشيكة والحتميّة.

وعلى الأغلب سيبدأ التحالف بالإيعاز لوسائل إعلامه وكتّابه بالحديث عن ضرورة السلام ووقف الحرب وأن هناك عُقلاء في جانب "أنصار الله" يجب كسبهم وجعل مرجعيّتهم لجيرانهم وللأمّة العربية بدلاً من توجّههم إلى دولٍ أخرى، وأن الحرب قامت بطلبٍ من "الشرعية اليمنية" وستتوقّف بطلبٍ منها لإنهاء مُعاناة أبناء اليمن.. الخ.

مثل هذه المُفردات نتوقَّع أن تبدأ وسائل إعلام "التحالف" بطرحها خلال الأيام القادمة كتهيئةٍ لهذه المُباحثات القادمة.

أمام هذه الضغوط الدولية المُتزايدة على التحالف السعودي الإماراتي لوقف الحرب في اليمن وبعد أن قفزت الإمارات من سفينة التحالف الغارِقة وبدأت "تشتغل على المكشوف" وتنفّذ مشروعها الانفصالي في جنوب اليمن، يجد التحالف نفسه أمام خيار وحيد وهو إجراء مباحثات رسمية مع قيادات من "أنصار الله" لوقف الحرب والاتفاق على تفاصيل المرحلة القادمة بعد أكثر من أربع سنوات من قيادتها لتحالفٍ عسكري، انتهى بتفكّكه وفشله وبتكريس سيطرة القوات العسكرية اليمنية من الجيش واللجان الشعبية على معظم مناطق شمال اليمن، وأصبح المُضيّ في هذه الحرب ضرباً من العَبَث والمزيد من استنزاف إمكانيات دول التحالف وسمعتها.

هناك عوامل كثيرة تدفع باتجاه هذه المُباحثات التي نكاد نجزم أنها لن تتأخّر كثيراً وأهمها صمود جماعة "أنصار الله" والقوى المُسانِدة لها وانتقالها من حال الدفاع إلى استراتيجية الهجوم بعد أن قامت بتطوير وتصنيع مجموعات من الصواريخ البالستية والطائرات المُسيَّرة التي أمطرت بها مطارات وقواعد ومدن جنوب المملكة. هنا قد تكون البدايات جاءت في 12 أغسطس/ آب الماضي حيث التقى وليّ عهد أبوظبي، محمّد بن زايد، مع وليّ العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان، ودعا بن زايد الأطراف المُتحارِبة إلى اغتنام دعوة الحوار المُقتَرحة من جانب السعودية.

لا شك أنها الصِدامات الدمويّة هذه داخل تحالف يخوض الحرب ضد حركة "أنصار الله" في اليمن، جاءت بعد اتّهام المجلس الانتقالي حزب الإصلاح اليمني الإسلامي المدعوم سعوديّاً بالتّواطؤ في هُجومٍ صاروخيٍّ استهدف عَرضاً عسكريّاً لقوّات (المجلس الوطني) أدّى إلى مقتل العشرات. فالإمارات تُجاهِر بدعمها لانفصال الجنوب، وقيام دولة تخضع لسيطرتها، وعبّر أكثر من مسؤولٍ إماراتيٍّ عن هذه الاستراتيجيّة، بينهم الدكتور عبدالخالق عبد الله، الناطِق شبه الرسمي للشيخ محمّد بن زايد، وليّ عهد الإمارات، الذي قال إن اليمن لن يعود مُوحّداً مِثلما كانت عليه الحال في السابق، والفريق ضاحي خلفان، نائب رئيس شرطة دبي الذي طالب علناً بانفصال الجنوب في إحدى تغريداته، وانتقد الرئيس هادي مُذكّراً له بأنّه لم ينتصر قائد يُقيم في الفنادق.

السعوديّة في المُقابل تتمسّك بهادي وتعتبر "شرعيّته" غطاء ضروريّاً لتبرير حربها التي دخلت عامها الخامس في اليمن، وأرسلت دبّاباتها وطائراتها لحماية قوّاته في عدن، ومنع اقتحام قصر المعاشيق بالتّالي، في مُواجهةٍ مُباشرةٍ مع قوّات الحِزام الأمني المدعومة إماراتيّاً، مُعلنةً بذلك مُعارضتها المُسلّحة للإمارات ومشروعها في الجنوب.

يبقى أنه من المتوقّع أن يتمّ الإتفاق خلال هذه المُباحثات القادمة على تأمين الحدود وعدم إطلاق الصواريخ على السعودية مقابل وقف الغارات وفتح المطارات والموانئ، وستدفع السعودية المليارات كتعويضاتٍ ولإعادة الإعمار وقد تفضي هذه المباحثات القادمة بين السعودية "أنصار الله" إلى استئناف حوار السلام بين الأخيرة وبين "الشرعية" وبوساطةٍ كويتيةٍ وبمشاركة قيادات من المجلس الانتقالي ليتمّ التوافق على مُصالحة وطنية وحكومة وحدة وطنية يشارك فيها الانتقالي و"أنصار الله" لفترةٍ انتقاليةٍ تنتهي بانتخاباتٍ رئاسيةٍ ونيابيةٍ ومحلية.

ربّما من المُبكِر الجَزْم بأنّ "أنصار الله" هو الطّرف الرابِح حتى الآن لصُموده ووحدته وتفكّك خُصومه نتيجة صِراعات داخليّة، سواء على صعيد الدول، أو الجماعات المُسلّحة، ولكنّها الحقيقة، التي تتجلّى وقائعها على الأرض، وحرب عدن الأهليّة هي أحد الأدلّة.. فلا يُخفى على أحد أن العلاقات بين العرب تتّسم بالمزاجيّة الحادّة، وتنتقل في أحيانٍ كثيرةٍ من التطرّف في التحالف والودّ إلى التطرّف في الخُصومة والعداء، ويبدو أنّ هذه القاعدة تنطبق حاليّاً بطريقةٍ أو بأخرى، على العلاقات السعوديّة- الإماراتيّة.

ستبقى التسريبات تتوالى والتوقّعات كثيرة والتفاصيل أكثر ولكن كل النهايات واحدة وكل الطُرُق ستؤدّي بين (عدن وصنعاء)، والعكس فقد فشل التحالف وتفكّك بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب الظالِمة التي أكلت الأخضر واليابس وأعادت اليمن عقوداً إلى الوراء واقترب أوان وضع أوزار هذه الحرب لتبدأ مرحلة جديدة في اليمن.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً