عمر الخوري

مهندس إتصالات، ماجستير دراسات إستراتيجية، وعميد متقاعد من القوات المسلحة الأردنية.

حبيبي اللدود.. دراما الحروب الأهلية في زمن الإنحدار

في البُعد النفسي، نجحت الكاتبة في استفزاز المُشاهِد وفي إدخاله في صراعات فكرية لا تنتهي مع نهاية كل حلقة. اختلطت المشاعر والأفكار بين الجدوى والعبثيّة، الحب والحقد، الأمل والإحباط، الفرح والحزن، الحياة والموت، الخير والشر.

حبيبي اللدود.. دراما الحروب الأهلية في زمن الإنحدار
حبيبي اللدود.. دراما الحروب الأهلية في زمن الإنحدار

أعتبر نفسي محظوظاً إذ سنحت لي الفرصة لمُشاهدة المسلسل اللبناني المُتميّز "حبيبي اللدود" الذي عرض مؤخّراً على إحدى الشاشات اللبنانية. المسلسل من كتابة وإدارة المُبدِعة منى طايع وإخراج سيزار حاج خليل. يُجسّد المسلسل بعضاً من خفايا وصفقات وانعكاسات الحرب الأهلية اللبنانية على حياة وعلاقات مجموعة من اللبنانيين المُنتمين إلى حزبين مُتصارعين. الأحزاب كانت من خيال الكاتبة والتي تعمَّدت ألا تربطها بأية أحزاب واقعية. تزامَن عرض المسلسل مع أحداث قبرشمون المؤسِفة في لبنان والتي ذهب ضحيّتها عدد من الضحايا بين قتيل وجريح والتي تؤشّر إلى أن قبور الحرب الأهلية لم تـُغلِق أبوابها بعد، وإننا إذا اعتقدنا أننا تركنا حقبة الحرب وراءنا فإن الحرب لم تتركنا.

ما يُعطي المسلسل بُعداً أوسع من منظورٍ عربي شامل أنه منذ إنتهاء الحرب الأهلية اللبنانية كان هناك اقتتال داخلي في العديد من الدول العربية إبتداءً من عقد التسعينات حتى الآن. فالصومال تـُقـَدَّم في الأدبيات الغربية كالنموذج الأبرز للدولة الفاشِلة بعد ما لحق بها نتيجة الصراعات الداخلية. وهناك النزاعات في اليمن بعد الوحدة والتي تـَجدّد الإقتتال فيها مرة أخرى في السنوات الماضية، والعشرية السوداء في الجزائر، ثم العراق وسوريا وليبيا، وبالطبع السودان الذي أفضت به النزاعات إلى التقسيم.

قد تكون أهم فكرة يأخذها المُشاهِد معه من المسلسل أن الحروب الأهلية ترتكز على عنصرين: الأول خارجي يتآمر، يحرِّض، ويموّل، والثاني داخلي يتواطأ، يُفبرِك، يُضلـّـل، وينفذ طمعاً في زعامة أو مكسب مادي على حساب حياة عامة الناس التي تـُدَمَّر وجودياً ومعنوياً ونفسياً حيث يصبحون وقوداً لهذه الحروب. بالطبع هناك أطراف تنبذ الحرب وتتمتّع بأخلاقياتٍ عاليةٍ ولكنها تجد نفسها وقد زُجّ بها في أتون الحرب مُجبَرة على خوضها.

درامياً، جاء العمل مُتكامِلاً وخالياً من أية هفوات، وقبل كل شيء أظهر احتراماً كبيراً لعقل وذكاء المُشاهِد العربي. جمال وحرفيّة النص والإخراج حوّل المُمثّلين إلى أشخاص حقيقيين من لحم ودم ينتظرهم المُشاهِد ويشعر أنه يعرفهم، ولكنه بالمقابل يقف عاجزاً عن التكهّن بتصرّفاتهم القادمة. كانت الحبكة الدرامية مليئة بالتشويق الذي جعل كل حلقة تبدو كفيلمٍ قصيرٍ يمرّ بوتيرةٍ مُتسارعةٍ تجعلك غير قادر على رَفْعِ عينيك عن الشاشة.

في البُعد النفسي، نجحت الكاتبة في استفزاز المُشاهِد وفي إدخاله في صراعات فكرية لا تنتهي مع نهاية كل حلقة. اختلطت المشاعر والأفكار بين الجدوى والعبثيّة، الحب والحقد، الأمل والإحباط، الفرح والحزن، الحياة والموت، الخير والشر. ولم يفت القائمون على العمل إظهار جمال لبنان طبيعة وبناءً من خلال مواقع التصوير المختلفة واستحضار أغاني تلك الحُقبة. جاء تصميم شارة البداية إستثنائياً، وأضاف إليها الفنان مروان خوري بما قدمّه. بالمُحصّلة، نجح العمل في دَفْعِ الدراما العربية اللبنانية إلى الصدارة.

مثّل المسلسل بقعة مُضيئة في الدراما العربية المُعاصِرة في مقابل العديد من المسلسلات التي تعكس إفلاساً فكرياً ودرامياً ونضوباً في الإبداع وانحداراً في المستوى.

ويتوجّب علينا ألا نقلّل من أهمية الدراما ونحن نشهد تراجعاً في منظومة القِيَم وتقليداً أعمى للغرب وغياباً للشخصية العربية والموضوعات النابعة من بيئتنا ومشاكلنا. فمسلسل مثل "لو" مُقتَبس عن فيلم (Unfaithful) الذي يطرح موضوع الخيانة الزوجية بطريقةٍ ممجوجةٍ. ومسلسل "العرّاب" مُقتَبس عن فيلم (The Godfather) الذي يطرح جرائم المافيا الإيطالية في الولايات المتحدة المُتعلّقة بالقتل والكحول والقمار والمخدّرات ولا يمتّ لنا بصلة في زمنٍ نسعى فيه لتقليل العنف. ومسلسل "سرايا عابدين" يُحاكي "حريم السلطان" التركي، و فيلم "حلاوة روح" مُقتَبس عن فيلم (Malena) الإيطالي والذي ناقش الكثيرون سلبياته ما أدّى إلى وقف عرضه لفترةٍ طويلة.

هناك حنين عربي لمسلسلات اجتماعية هادِفة يتجلّى فيها السهل المُمتنِع مثل "الفصول الأربعة" والتي تجسّد حياة الناس العاديين كالذين نعرفهم ونعيش معهم. أو تاريخية مميّزة مثل "نورالدين زنكي"، ومجموعة المسلسلات التي كتبها الدكتور وليد سيف عن الأندلس والتي تـُسقِط الماضي على الحاضر. أو مسلسلات السيرة والتأريخ التي كتبها الراحِل محفوظ عبدالرحمن مثل "بوابة الحلواني" و "أمّ كلثوم". هناك حنين حتى لأسماء المسلسلات والتي كانت جميلة وحالِمة، ورغم أنني لا أذكر متابعتها كلها، مثل "ليالي الحلمية" و"ضمير أبلة حكمت" و "هوانم جاردن سيتي" والتي قد يساهم مُجرّد الإسم في تعزيز النظرة للمرأة "كهانم"، في حين تعمل بعض المسلسلات، وعلى الرغم من احتمال تصنيفها كناجحةٍ جماهيرياً، على أخْذ المواطن العربي إلى "سجن النسا" مثلاً. بالتأكيد فإن السجون بما تحويه من قلّةٍ قليلةٍ ليست المكان الأمثل لتصوير المرأة العربية وتقديمها نموذجاً. أحد النماذج المُشرقة للمرأة والتي ترتقي بفكر المشاهِد هو ما كتبه الراحل أسامه أنور عكاشه وأخرجته إنعام محمّد علي وجسّدته الراحِلة فاتن حمامة في "ضمير أبلة حكمت".

لو خلا مسلسل "حبيبي اللدود" من بعض المَشاهِد التي تتطلّب عمراً أنضج لحضورها، لكان جديراً بالتدريس لطلبة المدارس. أما وقد ارتأى منتجوه أن يكون بهذا الشكل، فلا زلنا نأمل أن يتمّ عرضه على شاشات عربية أخرى لنَقْلِ عِبَره ورسائله الهادِفة إلى أكبر شريحة ممكنة، ولا سيما أننا نعيش في حُقبة تعمل فيها جهات عديدة على زعزعة استقرار دولنا ومجتمعاتنا واستهداف هويّتنا وقِيَمنا.