محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

"كامب ديفيد" في عقدها الخامس.. ماذا عن مصر الآسيوية والإفريقية؟

تبقى سيناء في عقد كامب ديفيد الخامس، معزولة يرتع فيها إرهاب لا يُعرَف مصدره.. وقد باتت أشبه ببيتٍ يسكنه الجان، يعبث فيه متى شاء وكيفما شاء.. فإلى متى تبقى "كامب ديفيد" تعزل مصر الآسيوية عن مصر الإفريقية؟.

تعتبر "إسرائيل" أمن الحدود مع مصر مصلحة إستراتيجية / أ.ف.ب
تعتبر "إسرائيل" أمن الحدود مع مصر مصلحة إستراتيجية / أ.ف.ب

بعد 12 يوماً من المفاوضات، التي كانت تحت إشراف كارتر وحيث توجد مطالب لم يتمّ الإفصاح عن تفاصيلها، وعليه تبقى سرّية حتى اليوم، كما أنّها لم تُعرَض على البرلمان المصري.. تبقى هي الكارثة التي بدأت في 1978، وصولاً إلى(20 مارس 1979)، حيث وقّع (السادات وبيغن) على "اتفاقية السلام".

الاتفاقيات بدأت باعتراف القاهرة بوجود دولة إسرائيل، مع انسحابها من سيناء، والتأكيد على حق السفن والشحنات الإسرائيلية المرور في كل من (قناة السويس وخليج العقبة ومضيق تيران) من دون عوائق، وهنا كانت بداية الكوارث نحو تعاون (عربي- إسرائيلي) بدأ من هذه المضائق، ليكون الحصاد بعد أربعين عاماً، ذلك بوصوله إلى باب المندب.

ليس ذلك فحسب فهناك ثلاث مناطق تأخذ الأحرف الأشهر من الأبجدية العربية، ومثيلاتها في الأبجدية العبرية، والإنكليزية.. هكذا انتهى انتصار تشرين الأول/ أكتوبر العظيم بشبه جزيرة سيناء «مكتوفة السلاح». نعم لقد أدّت «كامب ديفيد» واتفاقية السلام إلى موجة استياء عربي واسعة، وصلت إلى مقاطعة «قلب العروبة» ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس. وفي ظلّ العزلة العربية، وصلت مصر إلى «السلام المنفرد» مع إسرائيل.

لقد أثارت «كامب ديفيد» وشقيقتها الكبرى اتفاقية السلام، انتقادات واسعة، ليس فقط لفكرة السلام المنفرد، بعد حرب وحّدت «الأمّة العربية»، لكن أيضاً بسبب نصوص الاتفاقية نفسها، وهي النصوص التي كتبت «دستور سيناء» طيلة 33 عاماً، رحل فيها السادات قتيلاً، وتولّى بعده مبارك لثلاثين عاماً، فيما ظلّت سيناء مُقسّمة إلى مناطق أمنية ثلاث بحُكم اتفاقية السلام.

هو سلام المناطق الثلاث تنصّ اتفاقية السلام على تقسيم سيناء إلى 3 مناطق رئيسة، تلزم مصر بتسليح محدّد ومعروف مسبقاً في تلك المناطق ولا يجوز رفعه إلا باتفاق الطرفين. المنطقة الأولى، وتُعرف بـ«المنطقة أ»، تبدأ من قناة السويس، وحتى أقل من ثلث مساحة سيناء، وفيها تلتزم مصر عدم زيادة التسليح عن فرقة مشاة ميكانيكية واحدة ومنشآتها العسكرية وتحصينات ميدانية. ولا يجوز لمصر أن تزيد عدد الدبابات في تلك المنطقة المفتوحة حتى 230 دبابة، ولا عدد ناقلات الأفراد المُدرّعة إلى ما فوق 480 مركبة من كل الأنواع. وحسب الاتفاقية تلتزم مصر بسقف 22 ألف جندي في تلك المنطقة لا أكثر.

أما في المنطقة «ب»، فتضمّ منطقة شاسعة، حيث تبدأ جنوباً من حدود شرم الشيخ، وتتّسع على شكل مثلّث مقلوب لتصل إلى العريش، وفي تلك المنطقة وسط سيناء بالكامل أو أغلبه، وتضمّ أيضاً الممرات الاستراتيجية التي تتحكّم في شبه الجزيرة. وتنصّ الاتفاقية أن تلتزم مصر بحد أقصى من التسليح يتمثّل في 4 كتائب بأسلحةٍ خفيفةٍ وبمركباتٍ على عجلات (وليس المُجنزرات التي تسير بشكلٍ أفضل على الرمال)، تعاون الشرطة المدنية في المحافظة على النظام في المنطقة، وتتكوّن العناصر الرئيسة لكتائب الحدود الأربع بحد أقصى من 4000 فرد.

في المنطقة «ب» أيضاً، يمكن لمصر إقامة نقاط إنذار ساحلية أرضية بشرط أن تكون قصيرة المدى، وذات قوّة مُنخفِضة لوحدات الحدود على ساحل هذه المنطقة التي تضمّ العريش. المنطقة الثالثة، المعروفة بالمنطقة «ج»، فتضمّ الشريط الحدودي كله، بالإضافة إلى هضاب منطقة وسط سيناء الشهيرة، ومدينتي طابا وشرم الشيخ الاستراتيجيتين، ومدينة رفح المصرية التي تُعتَبر بوابة قطاع غزّة. في تلك المنطقة، حسب الاتفاقية، من غير المسموح لمصر نشر قوات عسكرية، حيث تتركّز في تلك المنطقة قوات شرطة، وقوات أمم متحدة فقط.

قد يكون عقب أحداث "25 كانون الثاني/ يناير" المصرية، حدثت حزمة من التفاهمات الأمنية بين القاهرة- تل أبيب، على إثرها أدخل المزيد من القوات والمعدّات العسكرية التي لم تكن "كامب ديفيد" تسمح بها. فسبق وأعلنت إسرائيل في 14 آب/ أغسطس 2011، أنها توصّلت إلى تفاهمات أمنية مع الجانب المصري، بموجبها تمّ إدخال قوات مسلّحة إلى سيناء، فقد تمّ السماح بدخول (2000 جندي)، بالإضافة إلى عتاد من الدبابات ومعدات ثقيلة إلى شمال سيناء، وإن جاءت هذه الخطوة بمثابة اتفاق ثنائي بين البلدين على تخطّي حاجز بنود "كامب ديفيد".

تعتبر "إسرائيل" أمن الحدود مع مصر مصلحة إستراتيجية. وسبق وعلّقت صحيفة "كلكليست" الإسرائيلية الاقتصادية على الجدوى الاقتصادية للأمن في سيناء والتنسيق الأمني بين مصر و"إسرائيل"، بالقول "إن الهدوء على الجبهة الجنوبية يُعتبر بشرى خير للاقتصاد الإسرائيلي، واضطلاع مصر بمواجهة الإوضاع في سيناء سيخفّف عن إسرائيل من تكلفة وضع المزيد من القوات على الحدود مع مصر، وما يترتّب عليه، كما أن استقرار الجبهة الجنوبية سيُتيح لإسرائيل التركيز على جبهات أخرى مشتعلة مثل الجبهة السورية والجبهة اللبنانية، وجبهة قطاع غزّة".

وسط كل ما سبق من تفاهم (مصري- إسرائيلي)، يرقى إلى درجة التعاون المشترك.. يبقى السؤال عما سيحدث بعد انتهاء هذه الأحداث في سيناء، فلا تعرف له إجابة، فهل ستظل القوات المصرية في سيناء تمثل أداة تأمينه في مواجهة "إسرائيل"، في حال إذا فكّر أيّ شخص في تل أبيب في أية تطلعات إقليمية؟. على الرغم من كل ما سلف.. تبقى سيناء في عقد كامب ديفيد الخامس، معزولة يرتع فيها إرهاب لا يُعرَف مصدره.. وقد باتت أشبه ببيتٍ يسكنه الجان، يعبث فيه متى شاء وكيفما شاء.. فإلى متى تبقى "كامب ديفيد" تعزل مصر الآسيوية عن مصر الإفريقية؟.