أحمد اسكندر

صحافي وكاتب مصري

من النهر المعـبود إلى النيل الخاضِع

الحل يبدأ من الداخل وموارد الداخل. المُكاشَفة وتوضيح الحقائق والمسؤوليات أمام الرأي العام ووضعه تجاه المسؤولية، وإنشاء مجلس أعلى لاستراتيجيات الماء والريّ والزراعة، وإلا ستصبح مصر في انتظار الهِبات الأثيوبية لسلامة مائها وقوام شعبها وربما وجودها.

  • صورة من عملية بناء سد النهضة في إثيوبيا

بحُكم الطبيعة والجغرافيا أطلق هيرودوت مقولته الخالِدة "مصر هِبَة النيل". توصيف دقيق لحضارةٍ تقوقعت على ضفاف النهر وتمركزت حول مياهه آلاف السنين. أصبح النهر هو الفاعِل المُطلَق في بنية الشخصية المصرية وتماسكها والجميع من حوله خاضعين وأحياناً مُتعبّدين. يرجون قضاء النهر فيهم المُحمَّل بالفَيْض والخير، طائعين خانعين لشحّه وجفافه لا يمتلكون منه شيئاً. حين أذِنَ الزمان استطاع أبناء نهر النيل التحكّم في فيضانه وجفافه ليحوّلوه إلى ترعة ريّ كبيرة تمتد بطول البلاد على حد وصف الرائِع الراحِل جمال حمدان.

وعبر الزمان أدرك المصريون أن موضعهم الجغرافي يأتي من خارج الحدود، وأن أرض مصر هِبَة النيل الأزرق القادم من هضاب الحبشة والذي يُغذّي نهر النيل بأكثر من 80% من الماء حقيقة واقِعة.

لكنها حقيقة مُرة ومريرة تجلب لهم التهديد المستمر؛ وقد تزامَن أول تهديد حقيقي للنهر مع اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، والتهديد أتى أيضاً من البرتغاليين الذين فكَّروا في خَنْقِ مصر في "موضعها" في أعالي النيل بعد أن خنقوها في "موقعها" بطريق رأس الرجاء الصالح الذي حَرَمها طريق التجارة العالمي وخيره آنذاك. فنجد أحد المُغامرين الفاتحين (أفونسو دي ألوكيرك) يتّصل من ساحل المحيط الهندي بملك الحبشة يُحثّه على إقامة مجرى من منابع النيل الأزرق إلى البحر الأحمر فتتحوّل المياه إليه وتترك مصر واحة مفقودة. ولكن طبيعة الحال لم يكن لمثل هذا المشروع الجنوني من مكان إلا سلّة المهملات. عادت الفكرة في صوَر مُخففة في ما بعد على يد الاستعمار البريطاني في السودان وشرق إفريقيا كأداة للضغط السياسي والمساومة الاستعمارية لإخضاع، مصر والتهديد بتقليل حصص المياه أو تحويل منابع النيل إلى أواسط إفريقيا. كانت محاولات صبيانية ومجنونة غير واعية بحقائق الطبوغرافيا والهيدرولوجيا؛ حتى ظهر سد النهضة الأثيوبي!.

إذن لماذا النيل الآن في خطر؟ ماذا يجري؟

في نهاية أيلول/ سبتمبر 2019 أعلنت الحكومة المصرية بشكلٍ رسمي وصول مفاوضات سد النهضة مع الحكومة الأثيوبية إلى طريقٍ مسدودٍ، وهو المشروع الذي شرعت بتنفيذه أثيوبيا منذ عام 2010. بعدها بأيامٍ صرّح الجانب الأثيوبي بأن مصر تتّخذ طريقاً عدائياً تجاه السد. الجانب الأثيوبي مُتمسّك ببنود إتفاقية الخرطوم التي وقَّعها الرئيس المصري مع أثيوبيا والسودان في مارس/ آذار 2015. أثيوبيا مُتمسّكة بتنفذ المشروع وملء خزّان السد في مطلع العام القادم لمدة أربع سنوات، ما يعني نقص حصّة من المياه بنِسَبٍ كبيرة.

الأمل المُتبقي لدى مصر هو زيادة مدة ملء بحيرة السد لتصل إلى سبع سنوات لتخفيف وطأة النقص الحاد للمياه المُتدفّقة إلى النيل، وهو الأمر غير المرغوب فيه حتى الآن من الجانب الأثيوبي، التي سنحت له الفرصة لفرض سياسة الأمر الواقع علينا.

أخيراً رئيس الحكومة الأثيوبي أبي أحمد يفوز بجائزة نوبل للسلام، الأمر الذي يُعطيه ضوءاً أخضر وقوّة تفاوضية نسبية أمام العالم، وهو مَن نجح من قبل في استمالة السوادن إلى جانبه في المفاوضات الجارية.... كيف وصلنا إلى هذا؟.

ما وقعت فيه الإدارة المصرية الحالية من أخطاء بشأن دراسة السد الأثيوبي والتعامل معه، هو امتداد للإدارات المصرية المُتعاقِبة في العصر الحديث من تجاهُلٍ واستخفافٍ بالجانب الأثيوبي والإفريقي بصفةٍ عامة. في البدء، لم تخرج مصر حكومات وشعباً من أسر الرؤية الجغرافية القديمة للنهر والتي مفادها أن النيل بطبائع الطبوغرافيا والهيدرولوجيا الخاصة به محميّ من أية محاولة تُعيق تدفّقه، حيث أن منحدره الجغرافي القادم من أعالي الهضاب الإفريقية يُحتّم فيضانه وسيره نحو مجراه الطبيعي إلى مصر. ظلّ هذا اليقين واقفاً أمام سيرورة وتقدّم التاريخ، متجاهلاً التطوّر التكنولوجي القادِر على تطويع جغرافية الأنهار (ومصر مَن استفادت من التكنولوجيا في بناء السد العالي).

ورغم حقائق التقنية تصوَّرنا كمصريين بغرورٍ وعنصريةٍ عدم قُدرة دول حوض النيل على استجلاب وامتلاك هذه التقنيات، وصنعنا من فقرهم وعجزهم أسطورة أمننا المائي الخالِد. وحينما ضغطت الحقائق وظهرت بوادر الأزمة وحتميّة التهديد ازدادنا الغرور حينما تصوَّرنا أنه بطلعاتٍ جويةٍ نستطيع وقف وتدمير أية سدود ومشاريع تعوق المياه نحو النهر، وكأن دول الحوض هي الفناء الخلفي لمصر!.

منذ تلويح الرئيس السادات باستخدام السلاح –هو أول مَن هدَّد به مباشرة- ثم العداء الشخصي الذي كنَّه محمد حسني مبارك لأثيوبيا بعد محاولة اغتياله هناك حتى الأمس القريب، لم تتخل مصر عن هذه العنصرية العنيفة والتي لم تجلب غير شروط أثيوبية مُجحَفة علينا قبولها، الأمر الذي جعل الحكومة الأثوبية تعلن عبر وزير خارجيتها في نوفمبر 2015 بأن مصر أضعف من أن تدخل في حرب ضدّهم.

تفاجأنا بقوّة أثيوبيا في 2010 ووقَّعت مصر اتفاقية الخرطوم 2015 وهي قليلة الحيلة. لكن أربع سنوات منذ هذه الاتفاقية المشؤومة - والتي لم نعلم حيثيّاتها أو من حقائقها شيئاً غير أنها وقِّعت من دون مُكاشفة شعبية أو برلمانية- ولم تكسب الحكومة المصرية جولة واحدة في التفاوض غير وعد شفهي من رئيس الحكومة الأثيوبي بعدم المَساس بالنهر في مشهدٍ كوميدي مع الرئيس المصري في مؤتمرٍ صحفي في القاهرة.

استغراق الحكومة المصرية في معارك داخلية حول الأمن السياسي والعسكري وتهميش غير مُبرَّر لمعركة المياه، والجانب الأثيوبي كان على عِلمٍ جيّدٍ بالوضع الداخلي المصري وأولويات نظامه، وراهَن عليه وكسب الوقت وفرض على مصر واقعه ووقائعه.

بالنتيجة أربع سنوات عجزت معها الإدارة المصرية في أن تخرج بقضية السد الأثيوبي إلى المجتمع الدولي أو الإفريقي، لم تكسب جولة أو حليفاً أو وسيطاً حتى فقدنا الطرف الثالث في الصراع وهو السودان.

ما الحل؟

أسئلة المستقبل والمصير توجِب علينا الاعتراف والمُكاشَفة تجاه أنفسنا وتجاه الخارج، والاعتذار عن الأخطاء. ربما نجد حليفاً أو وسيطاً في هذا الوقت المُتأخّر جداً، لكن على النظام المصري أن يحلّ قضايا الديمقراطية والتنمية والعدالة الداخلية أولاً، وهذا ما وعت إليه أثيوبيا وأكسبها تعاطفاً دولياً؛ ثم إيجاد مُتّسع من الوقت التفاوضي مع أثيوبيا ومموّلي المشروع لتدارُك ما يمكن إنقاذه من الأزمة.

السد الأثيوبي هو أمر مشروع للجانب الأثيوبي لا يمكن وقفه لكن بالإمكان ترويضه. يستوقفني كثيراً الخيار العسكري الذي تطرحه بعض أجنحة السلطة المصرية ويوافقها عليه العديد من النخب والأحزاب والمفكّرين بل وروَّاد الرأسمالية والسوق الحر، وهذه الفئة الأخيرة من المُفترض أن تكون أكثر انزعاجاً من الخيار العسكري، لكنها للأسف مُتمَترِسة بأفكارٍ ورؤى قاصِرة النظر والرؤية للنتائج المُحتَملة. هذا الطرح لازال امتداداً للاستخفاف والعنصرية المُعتادة تجاه أثيوبيا، وكأن أثيوبيا غير مُستعدِّة لهجومٍ عسكري مُحتَمل، أو جاعِلة مشروعها الأهمّ مكشوفاً يأكل منه الطير!.

الأصوات العاقِلة تُحذّر من الخيار العسكري: فرغم الاحتمالية الكبيرة لعدم نجاح أية ضربة عسكرية، فهذه مُخاطَرة غير محسوبة وعواقبها ستُكبِّد مصر عداءات إفريقية جديدة مع دولة ترعى السلام الإفريقي الناشىء. الحل يبدأ من الداخل وموارد الداخل. المُكاشَفة وتوضيح الحقائق والمسؤوليات أمام الرأي العام ووضعه تجاه المسؤولية، وإنشاء مجلس أعلى لاستراتيجيات الماء والريّ والزراعة، وإلا ستصبح مصر في انتظار الهِبات الأثيوبية لسلامة مائها وقوام شعبها وربما وجودها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً