بسام رجا

كاتب واعلامي فلسطيني

أن تتعلَّق بحِبال النجاة الأميركية

مع أن الخطاب الذي تُفاخِر به السلطة الفلسطينية وتُشدِّد على أنه لن يكون إلا فلسطينياً في مواجهة "التسونامي" الأميركية، إلا أن واقع الأحداث لا يطرح سوى تراجعاً إثر آخر عن قرارات المجلس المركزي الفلسطيني.

أن تتعلَّق بحِبال النجاة الأميركية
أن تتعلَّق بحِبال النجاة الأميركية

أن تتعلَّق بحِبال النجاة الأميركية وتقفز في خلاء الوَهم فلكَ سراب الطرُقات التي سُلِكَت قبلك ولم يجد أصحابها سوى ظِلال الفراغ في تيه العبور.

وكم هي شائِكة دروب المُراهنات التي لم تنتج إلا صَخباً في واقعٍ عربي رسمي يبدو أنه قد خيَّم على السياسات الفلسطينية الرسمية التي لم تغادر مربّع الصُراخ في أوديةٍ لا قرار لها.

ومع أن الخطاب الذي تُفاخِر به السلطة الفلسطينية وتُشدِّد على أنه لن يكون إلا فلسطينياً في مواجهة "التسونامي" الأميركية، إلا أن واقع الأحداث لا يطرح سوى تراجعاً إثر آخر عن قرارات المجلس المركزي الفلسطيني، وهي أكثر من ثلاث جلسات خرجت بمُقرَّارات وقف التعاطي مع الاحتلال والتنسيق الأمني، وأن واشنطن لم تعد "طرفاً" في "التسويات" بعد أن قدَّمت القدس لكيان الاغتصاب وذهبت مع النظام الخليجي لترتيب أوراق التصفية النهائية لقضية فلسطين وحق العودة.

لا دولة فلسطينية ولا حدود ولا أمن ولا عودة للاجئين. فما هو تفسير لقاء السيّد ماجد فرج رئيس جهاز "الاستخبارات" في رام الله بمسؤوليين أمنيين أميركيين في زيارته الأخيرة إلى واشنطن؟ وما الذي دار في العَلَن والكواليس؟

أسئلة المُتابعين والشارِع الفلسطيني الذي تَعِبَ من حال التذاكي والتحدّث بإسمه وخياراته. ويبدو أن هذه الزيارة الأمنية لم تكن الأولى وقد فتحت باب السِجال في الرئاسة بأنها تتمّ من دون معرفة مُسبَقة ما دفع لتدخّل حسين الشيخ (مسؤول الارتباط) لتهدئة الأجواء وكلها تقول إن: الخطوط لم تُقطَع أبداً.

و"للمصادفة" يُعلن عن زيارة اللواء ماجد فرج إلى واشنطن وطائرة جاريد كوشنير تحطّ في تل أبيب مع وفدٍ استشاري رفيعٍ وصفته الصحف الصهيونية بأنه رسالة تطمين من الرئيس دونالد ترامب أن السياسة الأميركية الخارجية ثابتة على مواقفها، ولن تبدّل في طرحها وتبنّيها لـ"صفقة القرن" وتنتظر تشكيل الحكومة الجديدة. وهي تأكيد على أن الانسحاب من سوريا لن يسمح باختلال الموازين، وبالتالي المخاوف من الجيش العربي السوري والحلفاء وفي مُقدّمهم إيران لن يكون لها أيّ تأثير على الأمن في كيان الاحتلال وفق الأخير.

وتصبّ طمأنة جاريد كوشنير ورئيسه للمؤسّسة العسكرية الصهيونية بعد تصريحات رئيس الأركان الصهيوني أفيف كوخافي، أن الجمهورية الإسلامية في إيران تُجهِّز لعملياتٍ قد تصل إلى العُمق في فلسطين المحتلة، وأن الأخيرة تعمل على تزويد حزب الله بصواريخ مُتطوِّرة. وهذا قد يُشكِّل بداية لحربٍ على أكثر من جبهةٍ ويخصّ الشمالية والجنوبية.

النقاشات التي جرت مع بنيامين نتنياهو حاولت أن "توفِّق" للوصول إلى حكومة "وحدة وطنية" مع بيني غانتس رئيس تكتل (أزرق ـ أبيض)،  ودعم واشنطن أهمية العمل  لتوحيد الصفوف بما يُمهِّد للطرح النهائي لـ"صفقة القرن" التي يراها جاريد كوشنيرأنها تأخّرت لأسبابٍ تتعلّق بالمنطقة، والتطوّرات الحاصِلة في انشغال بعض النظام الخليجي في توضيب أوراقه النهائية للدعم المباشر لها.

والنصائح أُسدِيَت ألا يظهر كيان الاحتلال بشكلٍ فاقعٍ في ترتيباتٍ أمنيةٍ لأمن الخليج، فهذه موكلة إلى واشنطن وشركائها من الأنظمة الخليجية للحد من النفوذ الإيراني، وكذلك الروسي الذي يحاول الرئيس بوتين أن يمدّ جسوره مع المملكة السعودية.

من الواضح في طروحات جاريد كوشنير أن الدور المنوط بكيان الاحتلال ليس جزئياً في الترتيبات التي تُعِّد لها واشنطن في المنطقة. بل أن رعايتها لمؤتمراتٍ أمنيةٍ في البحرين تصبّ في نهر الرَغبات الذي تسعى إليه لتثبيت شراكة عَلنية بين دول خليجية وكيان الاغتصاب.

ودعم العلاقات الأمنية مع النظام الأردني وتوطيد الاتفاقيات التي أشرفت عليها في العام 1994اتفاقية "وادي عربة"، وتمتين الروابط  والدورالمنوط بعمّان في حال المباشرة بالخطوات العملية ل"صفقة القرن" لأجل توطين الفلسطينيين، هذه يُدرِكها الأردن كما يدرك مدى مخاطرها. لكن الضغوط الإقتصادية التي تُمارَس على المملكة وتهديدها بالفوضى قد تفتح بوابات البازار السياسي الذي يراه دونالد ترامب أنه قابل للتحقّق في مرحلة الرئاسة الأولى، ويمكن أن يصبح "بازاراً" واقعياً في حال انتخابه لدورةٍ جديدة.

هذه التطوّرات وتراكُم إحداثياتها لم تلق على الضفة الفلسطينية الرسمية قراءة مُعمَّقة وجدية لما ستفرزه من عوامل خطيرة على قضية فلسطين وشعبها. فلا برامج  في مواجهة وحش الاستيطان الذي يأكل الأرض يومياً، ولا دراسة للتحوّلات الخطيرة في المشهد الدولي والإقليمي والبحث الأميركي عن قواعد جديدة يصيغ على مساحاتها نظريات التوحّش والاستفراد. بل تبحث السلطة في رام الله عن راعٍ جديدٍ للمفاوضات ولا تقطع من التنسيق الأمني مع واشنطن وكيان الاغتصاب. ويذهب بعض المُحلّلين والاستراتيجيين الصهاينة في قراءتهم إلى أن السلطة تُحافِظ على روح اتفاق "أوسلو" ولم تقفل نوافذ الحوار، وهذا ما ذكره الكاتِب الصهيوني إيال زيسر في صحيفة "إسرائيل اليوم" ويرى أنها مصلحة مشتركة من شأنها أن تُبقي الأمن مُستقرّاً.

ليس ما نطرحة هو فقط لتبيان المواقف التي يذهب إليها كيان الاحتلال، بل ما يعمل عليه في مناخ نظام عربيـ رسمي أصبح في مواقفه لا يتبنّى إلا الرؤيا الأميركية وعلانية.

ولم تعد المواقف التي كانت تُغري البعض الفلسطيني في "جامعة الدول العربية" تُطرَح. والبديهي أن المُراهَنات على مواقف وقرارات لم تكن إلا للتسويق الإعلامي قد ظهرت بكل فجاجتها. وحتى التسويق الإعلامي لقرارات الحد الأدنى تلاشت. وهذا وحده كافياً لوقف المُراهنات الكارثية على بعض الأنظمة التي دمَّرت قضية فلسطين بمالها السياسي المسموم.

لم يبق أمام السلطة اليوم ما تُجرِّبه من أوراقٍ، وقيادتها تُدرِك أن الولايات المتحدة بحزبيها تستخدمها كورقةٍ ذابِلة، ولم تعد خطابات الاستجداء تُقنِع الشارع الفلسطيني الذي ليس لديه ما يخسره، وهو الذي قدَّم مئات الآلاف من الشهداء من بداية مطلع القرن الماضي.

وحال التمزّق تنهش جسده وهو يُراقِب ما يُطرَح من دعواتٍ جديدةٍ لانتخاباتٍ تشريعيةٍ، وكأن القضية الفلسطينية هي حال تَرَف في مناصب جاءت بها اتفاقية "أوسلو" الكارثية التي تُطالِعنا السلطة أنها انتهت. ومادام الاحتلال الصهيوني يُمارِس عَرْبَدة يومية هل ستنقذ الانتخابات التشريعية الواقع الفلسطيني ويدفع إلى برنامجٍ مقاوِم؟

هناك ثمانية ملايين فلسطيني في الشتات لا صوت لهم في "المجلس التشريعي" ولا يُمثّلهم إلا أفراد في "المجلس الوطني الفلسطيني" وفق رؤى حزبية وتُستَبْعَد قوى لم تُسقِط البندقية في صراعها مع الاحتلال.

هذا الواقع المؤلم يُعيد تكرار ذات السيناريوهات حين يبدأ الحديث عن انتخاباتٍ في ظلّ الاحتلال، ويطرح أسئلة جارِحة عن أية انتخابات نتحدَّث والأرض تُنْهَب من تحت أقدامنا؟ عن أيّ تمثيلٍ لشعبٍ فلسطيني مقاوِمٍ في داخل فلسطين وخارجها؟! وبغضّ النظر عن موافقة فصيل أو آخر على طرح  الانتخابات.

المسألة أعمق وأكثر كارثيّة من انتخاباتٍ تُعيد ذات الأشخاص الذين يتحكَّمون بقراراتٍ لا إجماع فلسطينياً حولها. ومنطق التاريخ والثورات يقول: إن أيّ توجّه نحو البناء والتحصين والمواجهة  يُحتِّم الاستفادة من عوامِل صقلت الشخصية المقاوِمة عبر عقودٍ من المواجهات مع كيان احتلالي.

ما يُطرَح اليوم حول الانتخابات الفلسطينية في واقعٍ فلسطيني كارثي يتوجَّب المصارحة إلى أين تذهبون بقضية فلسطين؟ ما هو مصير اللاجئين الذين فجَّروا الثورة الفلسطينية المُعاصِرة؟

ليست هي الدعوة الأولى إلى الانتخابات وسط سِجالٍ صاخِبٍ حول ما يأتي أولاً: الانتخابات التشريعية أم المجلس الوطني أم الرئاسة؟

والحقائق تقول إن هذه الأشكال جميعها لن تكون إلا تكراراً لحال المراوحة والقفزات في الخلاء، ما لم يُعمَل على برنامجٍ ومشروعٍ مقاومٍ يقذف مفاتيح السلطة في وجه الاحتلال الصهيوني.

المقاومة ليست كرنفالاً وشعارات تُطلَق في الهواء، بل صورة أولئك الذين يواجهون يومياً في ساحات الشهادة والشرف.

المقاومة هي كل فلسطيني يقبض على مبادئه أن فلسطين هي خط أحمر كما قال ذات يوم الشهيد ناجي العلي: "أنا أعرف خطاً أحمر واحداً. إنه ليس من حق أكبر رأس أن يوقِّع وثيقة اعتراف واستسلام لإسرائيل".


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً