إبراهيم عبد الله العلو

كاتب وباحث سوري مختص بترجمة الدراسات والأبحاث

قوانين الكيمياء لحل مسألة الهجرة!

ظهرت التحوّلات السكانية كتحدٍ عالمي يحمل مضامين كارثية جمّة، فيما فشلت النقاشات حول حقوق الهجرة في إنتاج حل مقبول. من هذا المنطلق يقدّم الدكتور روبرت برتون حلاً غريباً غير مسبوق. في كتابه "مواجهة الهجرة" يقترح برتون منهجاً جديداً: إدخال قانون رئيسي من قوانين الكيمياء.

  • قوانين الكيمياء لحل مسألة الهجرة!

ربما نُبالِغ في تبسيط الأمر ولكن ما الذي يحدث إذا نظرنا إلى تدفّق السكان باعتباره المُكافئ البشري لعملية التناضح؟
يعيدنا الدكتور روبرت برتون أستاذ علم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا إلى حصّة الكيمياء أثناء الدراسة الثانوية. كيف؟
إذا قسَّمنا وعاء من الماء إلى نصفين باستخدام غشاء شبه نفوذ فإن التراكيز غير المتساوية من الملح تؤدّي إلى تنقّل الماء من الجانب المدد إلى الجانب الأكثر كثافة. وكلما كان الفارِق أعظم في تركيز المادة المُذابة سواء كانت جُزَيء ملح أو بروتين بلاسما معقد كلما كانت القوة اللازمة لمساواة التراكيز أكبر.
الآن لنتخيّل العالم كوعاء ضخم مُقسَّم إلى العديد من الحاويات الأصغر حجماً (الأمم) المفصولة عن بعضها البعض عبر أغشية شبه نفوذه(الحدود). وبدلاً من الملح لنضع في كل حاوية كميات مُتباينة من الغذاء والمسكن والخدمات الأساسية. يتبع تدفّق السكان في هذا السيناريو من دولة إلى دولة مباشرة درجة الفرق في السلع والفُرَص والأمل.
لا يعتبر هذا التحوّل السكاني مُجرَّد مُعضِلة أخلاقية أو ميتافيزيقية تنتظر الحل على مستوى "نحن" في مواجهة "هم".
ولا يعني حق امتلاك الأرض وتعزيز الحدود أو القيمة النسبية للأفراد مقابل الجماعات.
بحسب برتون، يجب أن ننظر عوضاً عن ذلك إلى الضغوطات التي تقود الهجرة كأمور طبيعية لا يمكن تفاديها حالها حال التفاعلات الكيميائية من ذلك المنظور أي أن خفض التدرّجات سيكون هو الحل الوحيد على المدى البعيد.
ويعتبر أستاذ علم الأعصاب أن مُعظم صُنَّاع القرار يُركِّز وللأسف على أفضل طريقة لتأبيد اختلال التوازن.
ويكون ردّ الفعل المباشَر والأكثر شيوعاً هو زيادة عدم النفوذية للأغشية التي تفصل الدول. لا يأخذ تعزيز أمن الحدود أو تشييد جدران لا يمكن لأحد اختراقها من الناحية النظرية بعين الاعتبار قوّة اليأس المهولة. وكما قال الشاعر البريطاني-الصومالي وارسان شاير: لا يغادر أحد الوطن ما لم يستحيل الوطن إلى فم قرش.
في كتابه الذي يضع فيه مقترحات من خارج الصندوق يقول: "ربما تمكّنا توقّع أزمة الهجرة وربما إدارتها بشكلٍ أفضل قبل زمن بعيد عبر الاعتراف بأنه إضافة إلى التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية الحارقة ستغذّي التحوّلات السكانية المستقبلية عبر توجهين مُتسارعين: معدلات الإنجاب المرتفعة وغير المتناظرة في المناطق الأقل تطوّراً من العالم والهجرة الحتمية من المناطق الأشدّ تأثراً بالتغيّر المناخي".
ويتابع: "تقدّم النمو السكاني في العصور المبكرة ببطء شديد نتيجة المجاعات والمرض. وتطلّب الأمر سبعة قرون (منذ بداية القرن التاسع الميلادي إلى وسط القرن السادس عشر ليتضاعف عدد سكان الكوكب من 250 مليوناً إلى500 مليون إنسان. استغرق الأمر في وسط القرن العشرين أقل من 40 سنة للانتقال من 2.5 مليار إلى 5 مليارات إنسان-وبنمو 2% سنوياً".
وفي ما يلي أبرز ما جاء في الكتاب:
لحُسن الحظّ زادت معدّلات النمو السريعة خلال بداية الستينات من القرن الماضي ولكن لسوء الحظ لم يكن الانخفاض في معدل النمو السكاني خلال نصف القرن الماضي منتظماً.
ولنذكر المثال الأكثر تطرّفاً حيث أصبح معدل النمو السكاني السنوي الطبيعي (باستثناء الزيادة الناجمة عن الهجرة) في العديد من الدول الأوروبية الآن سلبياً بينما ترفع إفريقيا جنوب الصحراء عدد سكانها بمعدل 2.7% في العام. وبهذا المعدل وخلال العقد القادم سيكون هناك ارتفاع بمعدل 30% في "التدرّج التناضحي" بين معظم إفريقيا وأوروبا الغربية.
أما التفاوتات في النصف الغربي من الكرة الأرضية فهي أقل ولكنها ذات أهمية على أية حال. لا تزال معدّلات الولادة في الولايات المتحدة وكندا من دون مستوى التعويض (الذي يقوم فيه جيل باستبدال ذاته).
كانت التغيّرات المئوية الصغيرة ذات انعكاسات ومضاعفات كبيرة. أشارت دراسة ديموغرافية في عام 2007 إلى أن البلدان ذات نسبة السكان من فئة اليافعين نادراً ما تتحصّل على مستويات مرتفعة من النمو. ويشيع ذلك في كثير من الأماكن: إذ يرتكز 90% من الفقر العالمي في دول ذات معدل نمو سكاني مرتفع ونسبة عالية من الشباب. لا غرو إذ أن الهجرة الواسعة النطاق من الدول الفقيرة إلى المناطق الأغنى من العالم سوف تكون خاصية دائمة للاقتصاد العالمي في المستقبل. أضف إلى ذلك العلاقة العكسية بين الوضع التعليمي ومعدلات الخصوبة وتحصل على وصفة نارية للكارثة الاقتصادية.
لنأخذ نيجيريا على سبيل المثال التي يقارب عدد سكانها 200 مليون إنسان وبمعدل نمو سكاني سنوي يقارب 3%. يبلغ متوسّط عُمر السكان أقل من 18 سنة و40% من السكان دون سن الخامسة عشرة. ووفق السفارة الأميركية في نيجيريا وبالرغم من الجهود الجماعية لتحسين الفُرَص التعليمية في البلاد لا يزال أكثر من 30% من السكان أميين وأعداد كبيرة من الأطفال واليافعين بمقدرات تعليمية وحسابية ضعيفة ولا يمتلكون أملاً كبيراً في الالتحاق بقوّة العمل الرسمية.
تسير نيجيريا على الطريق لتصبح ثالث أكبر دولة في عدد السكان على مستوى العالم بحلول عام 2050.
وإذا لم تكن كل تلك الأرقام مُخيفة بما فيه الكفاية دعونا ننظر إلى التأثير المُتراكِم للتغيّر المناخي على التنقّلات السكانية.
خلص تقرير في عام 2018 أنجزه 91 عالماً من 40 دولة لصالح اللجنة الدولية للتغيّر المناخي إلى أن ارتفاع 2 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العهد الصناعي سوف يؤدّي إلى "إخلاء سريع بشكل غير مُتكافئ" للناس من المناطق الاستوائية.
أخبر أرومار ريفي أحد مؤلّفي التقرير صحيفة نيويورك تايمز: "ستصبح الحدود في بعض مناطق العالم غير مهمة. تستطيع تشييد جدار لاحتواء 10000 و20000 وربما مليون فرد ولكنك لن تتمكّن من احتواء 10 ملايين إنسان".
ساد الاعتقاد سابقاً أن الأمر سيتطلّب ارتفاعاً بمقدار 2 درجة مئوية لاكتساح الشواطئ وزيادة حدّة الجفاف والفقر بينما تقترح نماذج الطقس الأحدث أن العديد من تلك التغيّرات قد تحدث ضمن ارتفاع 1.5 درجة مئوية.
بالطبع هناك العديد من العوامل الأخرى المؤثّرة على تدفّق السكان ولكن ما لم تحصل إعادة توزيع درامية للسلع والفُرَص إضافة إلى محاولات جدّية لضبط أو خفض عدد سكان العالم وتبنّي جهد جذري لتقييد التغيّر المناخي نستطيع توقّع زيادة التدفّق السكاني على مستوى العالم أجمع.
لا شك أن التحديات كبيرة والمعايير اللازمة دراكونية ولا تحظى بالقبول لدى أصحاب القرار.
من السهل تحويل الانتباه عن طريق مناقشة درجة والموضع الأعظمي للتوسّع السكاني القادم والتغيّر المناخي ولكن انتقاء البيانات لا يحل المشكلة.
عندما نُشخّص مريضاً بمرض خطير من المصيري تكرار الاختبارات المعملية على أمل الحصول على نتيجة أفضل.
أرى أن النقاشات حول حقوق الدول في ضبط حدودها خطوة هائلة في الاتجاه الخاطئ. نحن بحاجة إلى النظر بعُمق إلى الديناميات المزعجة لعدم المساواة. إذا لم تتمكّن هذه الحقيقة الكيميائية البسيطة (يتدفّق الأقل إلى الأعلى) من اختراق العقول غير النفوذة لصنّاع القرار فأهلاً بكم إلى عالم من الفوضى المُتنامية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً