زينب الصفّار

أكاديمية وباحثة عراقية - لبنانية متخصصة بالقضايا الدولية. معدة ومقدمة برنامج "من الداخل" على قناة الميادين.

النوماخيا.. مشروع المُفكّر الروسي ألكسندر دوغين

يُقال إذا ما أردْتَ أنْ تفهمَ روحَ العصرِ التي تسود في روسيا اليوم فعليكَ التعرّفَ أكثرَ على ألكسندر دوغين من الداخل.

النوماخيا.. مشروع المُفكّر الروسي ألكسندر دوغين
النوماخيا.. مشروع المُفكّر الروسي ألكسندر دوغين

لعلَّ البروفيسور ألكسندر دوغين المُنظِّر والمُفكِّر وعالِم الاجتماعِ والمؤرِّخ الروسيَّ وفلسفَتَه لا يمكنُ أن يغيبا عنِ الحياةِ السياسيةِ الروسيّةِ اليوم باعتبارِهِما حلَقةً أساسيةً في التاريخِ الفكريِّ الروسيّ. ولعلَّ هذا الرجلَ الغزيرَ بإنتاجاتِه الفكريةِ، حيث ألَّفَ أكثرَ من 60 كتاباً في التاريخِ والاجتماعِ والفلسفة والجيو-سياسة، هو واحدٌ من أكثرِ الفلاسفةِ الروسِ المُعاصرينَ شعبيةً.

لقد تحلَّى بتأثيرٍ مباشِرٍ على فِكرِ الرئيس فلاديمير بوتين حتى أُطلِقَ عليه "دماغ ُ بوتين" أو "العقلُ المُدبّر" المُقرَّبُ من شخصياتٍ نافذة ومؤثّرة في الإدارةِ الروسية بالاضافةِ إلى أكاديميينَ ومشاهير.

وبحسَبِ دوغين فهو ليس مُستشاراً لبوتين، لكنَّ له التأثير "الأقوى بكثيرْ"، لأنه عندما وصلَ بوتين إلى السلطة شرَعَ في تبِنّي نظرياتِ دوغين. فدوغين الشخصية ُالكاريزماتية والموهوبة والمُثقّفة يـُتقِنُ تسعَ لغاتٍ، وعلى الرُغم من مواقفِه الحادّة والصِداميةِ أحياناً، إلا أنه منَ المُفضّلين لدى المؤسّسةِ الروسية الحاكِمة. دوغين المُنظّرُ السياسي والاجتماعي وفلسفتُهُ تعكِسُ التيارَ المُسيطرَ في السياسةِ والثقافةِ الروسية بحسَبِ المُراقبين.

تأثيرُ الرجلِ وفلسفتـُهُ على الشعبِ عامة وأصحابِ القرارِ في الكرملن آخذةٌ في التصاعُد. ويُقال إذا ما أردْتَ أنْ تفهمَ روحَ العصرِ التي تسود في روسيا اليوم فعليكَ التعرّفَ أكثرَ على ألكسندر دوغين من الداخل.   

 

مشروع النوماخيا

لعلَّ مشروعَ النوماخيا يعتمدُ على دراسةِ مُعمَّقةٍ لمختلِفِ الثقافاتِ والأنظمةِ الفلسفية والفنونِ والأديانِ والسِماتِ النفسية وخصائصِ الحضاراتِ الإنسانية. النوماخيا تقومُ على دراسة وتشريحِ جميعِ الشعوبِ، القديمة ِوالحديثة ِ  المُتطوِّرةِ للغاية و"البدائية"، وتلك َالمُتقدّمةُ تقِـْنياً وتلك التي تفتقرُ إلى لغةٍ مكتوبة. فالهدفُ النهائيُّ من النوماخيا هو الإظهارُ والإثباتُ  القاطِعُ أنه لا يُمكنُ مقارَبةُ وتقييمُ أيِّة ثقافةٍ بطريقة ٍهَرَميةٍ أي متطوّرة أو مُتخلّفة، أعلى أو أدنى، حديثة أو سابقة للحَدَاثة، حضارية أو متوحّشة، وما إلى ذلك. 

بل إنَّ التقييمَ المسؤول وهو الدقيقُ لأيّة ثقافةٍ بشريةٍ يجبُ أن يكونَ من الداخل، ومن قِبَلِ مَن ينتمونَ إليها، ومن دونِ فرضِ تحيّزات ٍخارجيةٍ في تأويلِ تلك الثقافات.

البروفيسور ألكسندر دوغين وبحثُه الأخيرُ والأحدث ُعن الحضارات يتحدّثُ عن النوماخيا والتي تعني حَرْفياً "حربَ العقل" التي بالإمكانِ أيضاً تصوّرُها بكونِها "حرباً ضمنَ العقل" أو "حربَ العقول" أو حتى "حرباً ضد العقل"، فما الذي يعنيهِ تحديداً بالنوماخيا والمبادئ التوجيهية لها؟

"الفكرة الرئيسة هي أن كُل ما يتعامل معه الإنسان ليس الأشياء أو العالم المُحيط، بل أفكار وحسب. بالتالي فإننا نعيش في الأفكار، لذا نحن أنفسنا عبارة عن أفكارٍ ونعيش في داخل الأفكار وكُل المواجهات والمُشكلات والتحالفات والمُصادفات واللقاءات وكُل المُجريات الدرامية، كُل شيء موجودٌ في عالم العقل. بالتالي رُبما تكون هذه رؤية فلسفية قريبة من الصوفية والفلسفة الأفلاطونية. إننا نعيش في عالمٍ من الأفكار وعندما نقول إننا سنُحارِب أحدهم أو إننا سنبني هذا النوع من الحضارات أو نقوم بإصلاح ديني ما فإننا دوماً نتعامل مع أفكار".

إذاً، فإن النوماخيا تقارب على أنها مفهوم صراع الأفكار لأن كُل شيء يتكوّن من أفكار. الفكرة الرئيسة هي أننا بحاجةٍ إلى تقليص جميع الظواهر إلى أفكار وبعد ذلك نقرأها، لذا فإن الأفكار مُختلفة.

وبحسب دوغين ما من فكرةٍ واحدة أو روح واحدة فكرة مُقدّسة واحدة، بل إن كُل ثقافة لديها كوكبةٌ من الأفكار وأحياناً تكون شديدة التناقُض والتعقيد. بالتالي فإن الحوار ما بين الحضارات المُختلفة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار هذا الثراء لجدلية كُل مجتمع.

على سبيل المِثال لا يُمكننا القول مثلاً، إنه في حقبة معينة في الغرب الحديث نقول "حقوق الإنسان"، ما الذي قد يعنيه هذا بالنسبة إلى الغربيين الذين عاشوا في العصور الوسطى؟ ما الذي تعنيه "حقوق الإنسان" بالنسبة إلى الكنيسة الروسية الأرثوذوكسية؟ وما الذي تعنيه لقريةٍ إسلاميةٍ إندونيسية مثلاً؟ما الذي تعنيه بالنسبة إلى قبيلةٍ هنديةٍ أمازونية؟ ما الذي تعنيه "حقوق الإنسان" للأفريقي والبوذي والصيني؟ عندما نفهم مدى اختلاف وَقْع كُل تلك التعابير باللغات المُختلفة ومقدار اختلاف مفهوم "الإنسان" و"الحق" و"القانون" و"الأخلاق" و"السياسة" و"الثقافة" عندها يُمكننا الوصول إلى مُصطَلح "حقوق الإنسان".

 

الغرب الليبرالي الحديث خاطئ لأنه سامّ ومؤذٍ

"الليبرالية نوع من البلاء، بلاء عالمي يُدمِّر كُل أنواع الحضارات".

هذا يُعلّل مِثال دوغين على مدى اختلاف الحضارات ومدى اختلاف تعريفاتهم للمادة نفسها.

المادة نفسها أو العالم أو الموت أو الروح أو الجسد أو العلاقة ما بين الأجناس، كُل شيء يجري تعريفه من قِبَل "الحضارة" لا من قِبَل قاعدةٍ عالمية. لكن عند تحدّثنا عن القاعدة العالمية فإننا نتعامل فقط مع الغرب الليبرالي الحديث الذي يبغضه دوغين ويقول "نريد العودة إلى القِيَم التقليدية ليس فقط العودة، فالتقاليد ليست الماضي، التقاليد هي الأبدية."

ويعتقد هذا المُنظّر الروسي أن الليبرالية نوع من البلاء، بلاء عالمي يُدمِّر كُل أنواع الحضارات بالتالي فإنها تدنيس، إنه تحدّ حقيقيّ لكُل الإنسانية إنها شيء غير إنساني تماماً وشيطاني، لذا فإنه يتقبّل كُل شيء.. المُجتمع القديم والمجتمع المُتدّين، وكُل أنواع المُجتمعات، المُجتمع اللاهوتي، البوذي، ولكنه لا يتقبّل ذريعة العالمية للغرب الحديث.

ويعتقد دوغين بأن كُل شيء صحيح باستثناء الغرب الليبرالي الحديث. هذا ما هو خاطئ فعلياً لأنه سامّ ومؤذٍ وعدواني. وببساطة لا يدعو دوغين إلى العودة إلى التقاليد، بل يعتقد بأن علينا إعادة التفكير في التقاليد المُقدّسة والدينية مُستندة إلى الأبدية. لكن الأبدية ليست هي الماضي فحسب، بل هي الآن وستكون في المُستقبل. بالتالي، فإن الأبدية مُختلفة ومُتمدّدة في الزمان، في الزمان والمكان داخل الأبدية وكُل التقاليد المُقدّسة وكُل الحضارات بما فيها الحضارات الأوروبية الكلاسيكية القديمة كانت وما زالت مُستندة إلى هذه الأبدية.

لذا فإن الأبدية هي فكرة أنه علينا العودة إلى أنفسنا لا إلى ماضٍ ما، وعلينا رُبما الذهاب إلى المُستقبل، لكن المُستقبل مُمكن عندما تكون هناك أبدية. علينا أن نأخذ من الأبدية مسارها وتحقيق ذلك وعيشه في المُستقبل وسيكون هذا مُستقبلاً وجودياً.

 

أهداف دوغين من خلال مشروع النوماخيا

لكن ما هي أهداف المُفكّر ألكسندر دوغين عبر مشروع النوماخيا، وكيف يُترجَم من خلال ديناميّات اليوم؟

"أعتقد بأنه الأساس الفلسفي أو رُبما الغيبي لتعدّدية الأقطاب، لأنه وفي هذا التحليل وهذا الوصف الكثيف للحضارات أي الخوض عميقاً فيها".

على سبيل المثال: هنري كوربان-الفيلسوف الفرنسي كان بروتستانتياً-  قال مرةً بدراسته الثقافة الشيعية، "نحن شيعة" بَيْدَ أنه كان لا يزال بروتستانتياً، هذا مُثير للاهتمام! لذا بهدف فَهْم الثقافة الأُخرى علينا الذهاب إليها، وعلينا الغوص بها، وبعد ذلك يُمكننا العودة إلى هويّتنا ولكن من دون تلك الرحلة إلى الثقافة الأُخرى لن نتمكّن من فَهْمها. ومشروع النوماخيا هذا، يُعدُّ وصفاً لحضارات مُختلفة وكيفية رؤيتها للعالم لا كيف نراهم نحن "الغربيون" أو "الروس".

هذه تحديداً هي المُشكلة لدى الغرب، كُل كُتبهم وكُل وصفهم للحضارة وكُل ما يُسمّى "القوانين العالمية" أو القِيَم التي يروّجون لها إنها قِيَم غربية هي في الحقيقة قِيَمهم، لذا فإنهم لا يمتلكون أدنى فكرة عن ماهية الآخر.

بالنسبة إليهم فإن الآخر إمّا أن يكون مثلهم أو أسوأ منهم، لا شيء غير ذلك لذا لا يُمكنهم أن يتصوّروا وجوداً لـ"آخر"  لا يُمكنه أن يكون مثلهم أو أسوأ منهم. وهذا موقف عنصري وتُعدّ هذه المُجلّدات الـ24 لألكسندر دوغين عن النوماخيا نوعاً من هجومات ضد العنصرية الثقافية للغرب.

ويؤكّد دوغين أن هذا نوع من الموسوعة الهائلة ليس انتقاداً للغرب إنما تأكيد على البقية، "لأن الحَداثة الليبرالية الغربية ليست سوى جزءاً من هويّتهم لقد ارتكبوا جريمة قتل في بداية عصر التنوير بحق ثقافتهم لقد قطعوا جذورهم والآن يُحاولون قطع جذور الآخرين. لذا هذه هي المُشكلة الحقيقية لحداثة وتنوير وعالمية وتقدمية الحضارة الغربية لسنا بحاجة إلى استعادة الماضي إنما علينا تقبّل الاختلافات الموجودة اختلافات المُجتمعات المختلفة".


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً