إيزابيلا فرنجية

محامية في القانون الدولي

"الليثيوم".. هل يقف وراء الإنقلاب على إيفو موراليس؟

تظهر صور الأقمار الصناعية بقعة بيضاء لافتة في ركن من أميركا الجنوبية. تعدّ هذه البقعة واحدة من أنقى مسطحات الملح على سطح الأرض، والأهم أنها تخترن أكبر احتياطي لليثيوم في العالم، بما يعادل ثلث الكمية المتوفرة عالمياً. هل لذلك علاقة بالانقلاب على إيفو موراليس؟

  • موراليس كان ينظر إلى إنتاج الطاقة باعتبارها خطوة أساسية على طريق جعل البلاد قوة صناعية

يعدّ الليثيوم مكوّناً أساسياً لتصنيع الهواتف الذكية والكاميرات وأجهزة التلفزيون عالية الدقة والبطاريات، ويشكّل إلى استخداماته المختلفة عنصراً فائق الأهمية للصناعات التقنية المتطورة، ولحماية البيئة والحد من التغيّر المناخي.

قبل أسبوع، كشفت الولايات المتحدة عن خطة لضمان الحصول على هذه المعادن الاستراتيجية، التي استغلتها الصين كسلاح في الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضدّها.

وتبرز بوليفيا اليوم باعتبارها قوة كبرى في مجال الطاقة المستقبلية لجهة استخدام الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء وأنظمة الطاقة الكهرومائية وأنظمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. الحكومات البوليفية في عهد الرئيس إيفو موراليس كانت تنظر إلى إنتاج هذه الطاقة باعتبارها خطوة أساسية على طريق جعل البلاد قوة صناعية.

ويهدف البحث عن بطاريات الليثيوم إلى تصنيع بطاريات ضخمة في المستقبل لتخزين الطاقة الكهربائية التي تنتجها أنظمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

من هذا الباب تدخل بوليفيا ثورة الكمبيوتر الكهربائي، حيث يتم توليد الطاقة الكهربائية من خلال وسائل بديلة ومن خلال إنتاج بطاريات الليثيوم بنسبة 68٪ من احتياطيات الليثيوم الرئيسية الموجودة في جبال الأنديز.

لا بد من تكوين نظرة عامة وعلى نطاق واسع حول استراتيجية العلاقات بين الشمال والجنوب ومسار الاقتصاد الجيولوجي العالمي، حيث يستحيل فهم ما يحدث على الصعيد الجيوستراتيجي بمعزل عن هذه النظرة وعن هذا العنصر الكيميائي.

لدى البلدان المهيمنة حالياً استراتيجيات مختلفة للاستفادة من التكنولوجيا المتطورة، والاستفادة من آخر الابتكارات وتأمين أطرها الإنتاجية الأساسية.

ويؤثر الليثيوم بشكل كامل على هذه الاستراتيجيات لأنه يقع في قلب الاقتصاد مستقبلاً، أي صناعة الطاقة المتجددة.

تسمح تكنولوجيا الليثيوم للدول بمعايرة الاتجاهات المحتملة للتطوير الجديد أو بالأحرى سياسات ما بعد التطوير، بما يجعل الخصائص الفيزيائية والكيميائية الغريبة للمعادن جذابة في العديد من التطبيقات: من تركيبات الشحوم، وإعداد سبائك رقيقة للغاية، والمواد المضافة للأسمنت والسيراميك، وفي أنظمة التبريد وتنقية الهواء في الأماكن المغلقة، وفي المخدرات المستخدمة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، وفي التكنولوجيا النووية، وغيرها.

ومع ذلك، فإن ظهور بطاريات الليثيوم كجهاز تخزين للطاقة كان الأكثر اكتمالاً وفعالية في العقود الأخيرة والأكثر حيوية في مجتمع ما بعد الطاقة الأحفورية ما يجعل منه مصدراً واعداً.

وتشير البيانات إلى أن البلدان الأكثر استخداماً واستيراداً لهذا المورد هي حتماً دول الشمال. بمعنى أن الصادرات الضخمة بمعظمها أحادية الاتجاه: فقط الدول الأكثر ثراءً والأكثر تقدماً هي التي تستورده، من دون أن يكون هناك دول من الأطراف المهمشة تطالب به على نطاق واسع.

ومنذ بداية القرن الواحد والعشرين احتلت الولايات المتحدة المركز الأول في استيراد هذه السلعة، تلتها اليابان ثم ألمانيا، ومن ثم احتلت الصين وكوريا الجنوبية موقع الصدارة في البلدان المستوردة (الأمر الذي تسبب بازدياد الطلب العالمي عليه بشكل أساسي).

في بوليفيا دخلت عملية تصنيع الليثيوم مرحلتها الثالثة والأخيرة منتصف عام 2017، وقد أشاد المراقبون الدوليون بالإنجازات التي تحققت حتى الآن، فتوحيد هذه العملية بإمكانه أن يولد موارد ضخمة للبلاد، وستكون هذه هي الحالة التي ستصبح فيها بوليفيا خلال بضعة سنوات قوة اقتصادية.

الليثيوم البوليفي يعني ثورة الكومبيوتر الكهربائي في مختلف مجالات حياة الناس، ومن دونه يصعب وجود عملية تواصل كتلك التي ننخرط فيها عبر استخدام الإنترنت وتطبيقات مثل WhatsApp و Facebook ، لأن الليثيوم ببساطة هو مكوّن لا غنى عنه في الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة.

ومن المعلوم أن استخدام أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة قد غير عالم الإنتاج وتنظيم العمل والعلاقات داخل الأسرة.. كل هذا يعني أيضاً الطلب على الطاقة، وخاصة الطاقة الكهربائية.

وفي مواجهة تلك المخاوف أصدرت الولايات المتحدة مؤخراً كتيباً لإدارة موارد الطاقة في ظل الحرب التجارية القائمة مع الصين، وهو كتيّب موجه للخبراء الذين يعتقدون أن الحرب التجارية مع الصين هي عبارة عن مواجهة استراتيجية أكثر مما هي خطر تفوق أو هيمنة.

وكما فعلت في القطاعات الإستراتيجية الأخرى، فقد أنفقت الصين مليارات الدولارات لشراء أصول في شركات إنتاج الليثيوم في أوستراليا والأرجنتين وتشيلي والمكسيك وبوليفيا. وتسعى الصين إلى تطوير صناعة بطاريات الليثيوم التنافسية التي تدخل في صناعة السيارات الكهربائية التي تمر بمرحلة انتقالية في عملية تنظيف الطاقة في ظل أزمة المناخ، فصناعة السيارات الكهربائية، التي تبيع اليوم حوالي 100 مليون وحدة، ستزيد بنسبة 10٪ في السوق العالمية عام 2025.

أما بوليفيا، التي لديها أيضاً ثروات كبيرة لم يتم استغلالها بعد، فقد وقّعت اتفاقية مع الشركة الصينية  Xinjiang Tbea  Group-Baocheng لبناء ثمانية مصانع لليثيوم في مسطحات الملح البوليفية في مناطق Coipasa و Pastos Grandes ، باستثمارات بلغت مليارين و390 مليون من الدولارات.

كما أطلقت الولايات المتحدة الثلاثاء الماضي "مبادرة حوكمة موارد الطاقة"، وذلك في إطار محاولتها لتعزيز الإدارة السليمة لقطاع التعدين ومساعدة البلدان على استغلال احتياطياتها من الليثيوم أو النحاس أو الكوبالت، وفقًا لمبادرة وزارة الخارجية.

وتكشف وثيقة أميركية أن "الزيادة في الطلب على الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والبطاريات لتخزين التقنيات سينتج عنها طلباً غير مسبوق على مصادر الطاقة المعدنية"، وتحذّر من أن "الاعتماد على أي مصدر سيزيد من خطر توقف العرض".

وضمن خطتها لضمان الحصول على هذه المعادن الاستراتيجية، تلتزم الولايات المتحدة وفق الوثيقة، بتقاسم الخبرات مع الدول الأخرى لمساعدتهم على اكتشاف وتطوير مواردهم، وتقديم المشورة لهم بشأن أطر الإدارة لجعل صناعتهم أكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين.

هذا بطبيعة الحال يحتاج، كما يدلّ السلوك الأميركي في دول عدة حول العالم لا سيما في بعض دول أميركا اللاتينية، إلى وجود حكام متناغمين مع مصالحها، لا مع مصالح شعوبهم كما دأب موراليس على العمل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً