محمد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

الجزائر.. عصر المُفارَقات الكاريكاتورية

بموازاة التحديات التي يعيشها العالم لاسيما من دُعاة الفكر التكفيري، نحن في حاجةٍ إلى قراءة مُتأنّية للأحداث ووضعها في السياقات التاريخية.

  • الجزائر.. عصر المُفارَقات الكاريكاتورية

"جيشنا لا يُقاتِل خارج الحدود ولا يُمكن لأيٍّ كان أن يورِّطنا في أية حرب خارجية"، هذا الكلام قيل للرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند عندما طلب من الجزائر التدخّل معه في حرب ضدّ الصومال. هذا الموقف الصلب أعطى للجزائر صفة الحياد الإيجابي في الأحداث التي عرفتها تونس وليبيا وتعرفها سوريا وجعلها قبلة لمَن يريد الصلح أو يريد المشوَرة.

والجيش الذي يتأصّل ويتأسّى بالقِيَم لا يمكن أن يكون حليفاً أو ظهيراً لأحد إلا للوطن وأبناء الوطن، ولذلك حين حاول الإرهاب تفجير منشأة الغاز في عين أميناس "وقد شاركت فيه مخابرات أطراف أجنبية" فكّ لغز الجريمة لوحده وأوقف المؤامرة وسحق كل الإرهابيين من دون أن يطلب المُساعدة من أحد ومن دون أن يدَّعي أنه خارج القانون أو تحت تصرّف قوى خارجية، بل قال إنه تحت تصرّف قائده، فكان بحق الجيش الذي يحترم مبادئ مَن بنوه أولاً، ومَن يُسيِّروه لاحقاً. 

لقد حاولت دول تمتلك القوّة والجبروت جرَّه إلى حروبٍ خاسِرةٍ فرفض بقوَّةٍ. طلبت السعودية منه سرّاً الدخول معها في الفصل بين الجيوش وليس في الحرب في اليمن فرفض، ما دفع السعودية إلى تشديد غضبها على الجزائر كما طالبت أيضاً قطر.

ورفض الجيش الجزائري التدخّل في ليبيا وتونس في ما عُرِف زوراً بالربيع العربي، لكنه ساعد تونس استخباراياً لمُحاربة الإرهاب. وما يقوم به اليوم عند حدود بلاده مع ليبيا، وتونس، والصومال والنيجر هو لحماية الأرض والعَرض وعدم السماح للإرهابيين بالتسلّل إلى أرضه.

وقد أثبتت الأيام حكمة الجيش لاسيما في ما عُرِف بـ "الحراك الشعبي" حيث حماه الجيش ولم يتدخّل في مطالبه بل أعطى أوامر صارِمة للقوات الأخرى بعدم الاعتداء على الشعب، (ليُعبّر الشعب عن رأيه بصراحة).

والذين يرفعون اليوم شعار "مدنية لا عسكرية'' هم في واقع الأمر يطلبون من الجيش التخلّي عن حماية الحراك لحماية مصالحهم ومواقعهم وحتى عمالتهم، وأغلبهم موجَّه من العصابة أو من أطرافٍ خارجية، لكن ما أقرأه لدى بعض دُعاة "لا للانتخابات" يجعلنا نتساءل، هل هي فعلاً دعوة سياسية تبصيرية أم هي مُجرّد أدوات تأكل من لحم الوطن، والوطن أوجدها، بل البعض فيها جعل من الشتم المُبطَّن سبيلاً يعبّدها له ولغيره.

لنتصوّر لو كان أولئك الذين نذروا أنفسهم للوطن في زمن الاستعمار بهذا التوجيه الأعمى، كيف كانت وستكون الجزائر، والثورة التحريرية؟ أكيد أخذت الأطماع في المال الحرام والشهرة المُزيّفة نصيبها لدى دُعاة هذا الانحدار، كل العالم اليوم بما فيه أعداء الجزائر يؤكّدون على أن الجزائر تمرّ بمرحلة استقرار قل مثيلها اليوم.

في أوروبا فوضى وأزمات تُنذِر بالانفجار بل واعتداءات على السترات الصفر. وفي أميركا غضب وتظاهرات وقتل بنظام العنصرية. وفي العالم العربي هَرْج ومَرْج وحروب مُدمِّرة. لكن الجزائر بعيدة عن كل ذلك، لأن الجيش الوطني الشعبي يحمي الحراك (الديمقراطية) كما يحمي الوطن وقد تعهَّد وجهَّز نفسه لحماية الانتخابات الرئاسية، لكن هذا لا يعني أن الجزائر تخلَّصت من مشاكلها بل هي في طريق التخلّص منها لأن الإرث ثقيل، لسنوات الإرهاب الذي عاشته ولسنوات حُكم العصابة، فمتى يتعلّم أدعياء التنظير؟

من الواضح أن السياسة مثل الجغرافيا لا تقبل الفراغ، والإيديولوجية مثل التكنولوجيا. الأولى غسيل للدماغ، والثانية غسيل للأمعاء، والمنطق يقول "إذا التقى التاريخ بالجغرافيا يولَد الإنسان" بتعبير محمد سنين هيكل. 

فالذين يمارسون السياسة يمارسونها على أساس ألا يكون هناك فراغ وهذا رأي الجيش وأغلب الطبقة السياسية، لأن الفراغ يؤدّي حتماً إلى الارتماء في الخطأ وربما الإهمال الذي يؤدّي إلى تعطيل المصالح. والذين يمارسون السياسة من خلال الإيديولوجيا فقط فإنهم يمارسون الابتزاز السياسي لصالح قضايا أيديولوجية ذات منحى التجزيئي. 

والحقيقة إننا نعيش عصر المُفارَقات الكاريكاتورية مع بعض النُخَب وذيولها خاصة تلك التي تمضغ باستمرار منهج الإصلاح وهي في أبجديّاتها لا تؤمِن بالإصلاح أصلاً، ذلك أن الإصلاح يُلغيها كليّة من الخارِطة السياسية لفُقدانها مبدأ التواصُل.

ثمة مواقف هي أشبه بالنزاع المُفترَض القائم بين الذات والواقع أو بين الذات والتاريخ. ذلك أن منطق الفراغ فيها يأخذ حيّزاً مهماً من مواقفها فضلاً عن ثوابتها وبالتالي فهي تستند في خطابها السياسي إما إلى التهريج وإما إلى ثقافة العصيان ضد الواقع.

بموازاة التحديات التي يعيشها العالم خاصة من دُعاة الفكر التكفيري، نحن في حاجةٍ إلى قراءة مُتأنّية للأحداث ووضعها في السياقات التاريخية حتى لا يكون القفز على الواقع بكلامٍ هو بالأساس صادِم له. علينا أيضاً فَهْم المُتغيّرات فَهْماً واعياً.

إن تفسير الاستثناء على أساس الإقصاء في المُتغيّرات هو تفسير يضخّ الكثير من المساحات الرمادية التي لا يمكن فَهْم ما يدور فيها من غير العودة إلى الذات والتاريخ الذي ميَّز هذه الذات الوطنية عن غيرها، والشاهِد أول نوفمبر الذي أخرجنا من النظرية إلى التطبيق في فَهْم الاستعمار وأدواته والكيفيّة التي يجب أن يواجه بها قصد الانتصار عليه وهو ما حدث فعلاً.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً