نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

محطّة جديدة من الصِراع الإقليمي - الدولي على لبنان

مَن يحصر رؤيته لما يجري في الساحات بأنه حركة "ثورية" لتغيير طبيعة النظام اللبناني، وتطويره، وإصلاحه، وتحقيق المطالب التي يرفعها التحرّك، فيصحّ به القول إن ذاكرته هي مثل ذاكِرة السمك، يأكل الطعم، ويراه، ويُعيد أكله مرة تلو مرة.

 

  • محطّة جديدة من الصِراع الإقليمي - الدولي على لبنان

 

ما انفكّت الغالبية الساحِقة تتناول التطوّرات اللبنانية في مفاصلها الحسّاسة من مُنطلق داخلي كياني، على أنها صِراع ما بين حاكِم ومحكوم، بين سلطة جائِرة وشعب مظلوم، بين حُكَّام فاسدين، وجمهور مغبون، ولا يلبثون أن يجدوا أنفسهم غرقى في صِراعاتٍ في ما بينهم، كما يجري حالياً، حيث تحدّد المشكلة وتحصر في التجاذب على مسألة الفساد، والنَهْب، ومطالب استرداد الأموال المسروقة. 

لكن ما تشهده الساحة اللبنانية حالياً من تطوّراتٍ وتحرّكاتٍ تحمل شعارات إصلاحية، تأتي في مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة، هي مرحلة انقلابية، تفد فيها دول كبرى، وقوى عُظمى حاملة معها مشاريعها الاقتصادية، وبطبيعتها، تُنافِس قوى أخرى موجودة من زمنٍ سابق.

نحو مائة عام تقريباً مضت على التبدّل التاريخي الذي شهده العالم وخصوصاً منطقة الشرق الأوسط على أعتاب انهيار الامبراطورية العثمانية بعد 400 سنة من حُكمها، وسيطرة القوى الاستعمارية الأوروبية، الفرنسية والبريطانية، وظلّت سيطرتها قائِمة، مع دخول الأميركي على الخط في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ليتحوَّل العالم بعد ذلك إلى الحرب البارِدة بين الجباّرين: الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، وتجلَّى الصراع بينهما حروباً ومُجابهات في ساحاتٍ مختلفة. 

في هذه المرحلة، أنشأ الفرنسيون الكيان اللبناني على صورةٍ تخدم مصالحهم، كنقطة عبورٍ بين الشرق والغرب عبر تركيبة سلطوية معروفة، بثنائية مارونية (بوجهٍ غربي)، وسنّية (بوجهٍ عربي إسلامي)، وظلّ الغرب يستخدم لبنان كمنصَّة لمُجابهة كل ما يتهدَّد مصالحه ومشاريعه في الشرق الأوسط، والأمثلة كثيرة تبدأ بوضوحٍ بأحداث كُبرى كأحداث 1958 في ما عُرِفَ ب"الثورة" التي كانت نتيجة للانقسام في العالم العربي بين هجوم غربي عبر حلف بغداد-البريطاني-الأميركي، وبروز حركة استقلالية وطنية بقيادة الرئيس المصري جمال عبدالناصر مدعوماً من الاتحاد السوفياتي ودول عدم الانحياز.  

هكذا في صراع بين المحورين، الأميركي-البريطاني، من جهةٍ، والاتحاد السوفياتي وحلفائه، من جهةٍ ثانية، انهار الكيان اللبناني بانهيار تسويته، حيث انحاز الجزء الغربي من السلطة-المارونية برئاسة الرئيس كميل شمعون إلى حلف بغداد، وبانحياز الجزء الشرقي الوجه من السلطة، أي السنّي، للحركة الناصرية. 

مُبكراً، كان الكيان عُرْضة لأول اختبار له في محطّة ذات طابع "إقليمي- دولي"، حيث لم يكد يمرّ على نشأته أكثر من عقدٍ ونصف العقد من الزمن، بين 1943، لحظة إعلانه كياناً بشكله الراهِن، و1958، أول تجربة لتفجرّه الداخلي، وكانت جليّة أسباب انفجاره، الصِراع "الاقليمي-الدولي"، وانعكاسه انهياراً على التركيبة الطائفية اللبنانية.

لم تكن قد ظهرت أية حركة مطلبية لبنانية، ولم يكن لا العامِل الفلسطيني ولا السوري، موجودين، فاهتزّ الكيان، وتركيبته السلطوية تحت تأثير صِراع خارجي في المنطقة، وعليها.

يُعاد صوغ الكيان بتسوية غربية-عربية، فرنسية-ناصرية، وبالصورة الطائفية عينها، وليس ذلك مُصادّفة، ولا خطأ تكتيكياً لم يتنبه إليه صانعو الكيان الفرنسيون، ولم تكن هفوة فاتتهم في غفلةٍ من الزمن، فقد كان شرط قيام الكيان اللبناني بالنسبة إلى صانعيه لعب دور يتعلّق بالعالم العربي، سلباً أم إيجاباً، وكانت التركيبة الطائفية التي اختارها له الأساس للعب هذا الدور، فأُعيد صوغه باستمرار الغَلَبة المارونية في السلطة، وشراكة سنّية حاضِرة بقوَّة، ومُزخَّمة بامتدادها العروبي-الناصري كطابعِ وَسَم تلك المرحلة.

تجدَّدت الصيغة اللبنانية في أعقاب 1958 بالشهابية (عهد الرئيس فؤاد شهاب) التي حكمت لبنان لأقل من عقدٍ ونصف العقد أيضاً، حتى1970، تاريخ نهاية الشهابية المُنهارة تحت وطأة تطوّرات مُتجدِّدة، في الصراع العربي- الإسرائيلي عقب نكسة حزيران 1967. صِراعات لم تغب يوماً عن المنطقة حتى تاريخه، تكرَّرت بطُرُقٍ مختلفة.   

بعد نكسة حزيران، وانتقال المقاومة الفلسطينية إلى لبنان، وانتصار غالبية لبنانية للقضية الفلسطينية، اختلّ توازُن التركيبة السلطوية اللبنانية، وما لبثت الساحة أن شهدت صَراعات داخلية على خلفيّة الصَراع الفلسطيني-الإسرائيلي ("العربي-الغربي" أو "الاقليمي-الدولي")، فكانت مُجابهات المقاومة الفلسطينية على الحدود الجنوبية، ثم أحداث 1973 بين السلطة والمخيمات، بلوغاً إلى عام 1975 سنة انفجار الحرب الأهلية انعكاساً للصراع "الاقليمي-الدولي" على لبنان.

صحيح أن لبنان شَهِدَ سنة 1972-1973 حركات مطلبية واسعة، لكنها لم تؤثِّر في تركيبته مباشرة، وربما لعبت هذه التحرّكات دوراً في تحفيز الصِراع "الاقليمي- الدولي" على الساحة اللبنانية.

استمرت الحرب الأهلية اللبنانية بين فترات هدوء، وتوتّرات مُتفاوِتة، بلوغاً إلى العام 1989، لحظة انفجار الصِراع الماروني-الماروني (العوني-القوّاتي)، تمهيداً إلى إدخال لبنان مرحلة "الأمْرَكة" عبر اتفاق الطائف. 

في تلك المرحلة، كان الاتحاد السوفياتي يتهيَّأ لانهياره، وبلوغه حضيض الوَهْن والضعف، لينفتح العالم أمام الأميركي، يستبيحه كيفما شاء، فعقد "اتفاق الطائف" لإدخال لبنان في عالم الليبرالية الاقتصادية، مُنهياً جمهورية لبنان الأولى التي أسَّسها الغرب الاستعماري-الفرنسي- على الصورة التي تخدم مصالحه، وبدأت مرحلة الجمهورية الثانية.

هكذا نشأت جمهورية لبنان الثانية على مفصل تحوّل تاريخي "إقليمي- دولي"، حيث انتهت توازُنات الحرب البارِدة، ودخل العالم تحت السيطرة الأميركية المباشرة غالباً، وبالوكالة أحياناً، وتغيَّرت صورة سلطة لبنان الجديدة بغَلَبة مُغايرة للسابق، مع الإبقاء على طائفية التركيبة بتوازُناتٍ جديدةٍ لم تعد خافية على أحد.

بين 1989، واليوم، مرحلة طويلة من المدّ والجَزْر شهدتها المنطقة، في محاولات إحكام السيطرة الأميركية عليها، وتوسّعها مُستفيدة من غياب خصمٍ لدودٍ، وصعب المِراس. فكانت حروب الولايات المتحدة الأميركية على أفغانستان، والعراق، محاولات تمهيدية للوصول إلى مناطق آسيوية أخرى.

بالمقابل، انطلقت مقاومة فعَّالة للوجود الأميركي بلغت حدّاً مُتقدّماً من التأثير فرض عليه التراجُع والانسحاب، وبرزت "المقاومة الإسلامية" قوَّة ناهِضة بوجه الكيان الصهيوني، فأحدثت انقلاباً مُتدرِّجاً في موازين القوى مع الإسرائيلي، وكانت تجلّياته حرب 2006، وما تلاها من مُجابهاتٍ فلسطينيةٍ مع الصهاينة، فدخلت المنطقة في مرحلةٍ بدأت ترتسم فيها معالِم توازُن جديدة تتراجع فيها قوى الهيمنة الأميركية المدعومة من الإسرائيلي، ويتقدَّم فيها محور المقاومة بعد أن اتّخذ الأميركي قراره بعدم التدخّل المباشر من جديدٍ في ساحات العالم. 

بعد سنواتٍ قليلة، شَهِدَ العالم العربي تحرّكات ما عُرِفَ ب"الربيع"، امتداداً إلى الساحة السورية، التي جرت فيها معارك التحوّل العالمي، وبداية انتهاء السيطرة الأميركية الأحادية، وبروز تحالف جديد في خضَّم المعركة السورية قوامه محور المقاومة (سوريا-إيران-المقاومة الإسلامية)، مع روسيا والصين، وهي قوى تحمل مشاريع اقتصادية كبيرة، تُنافِس الاقتصاديات السالِفة، الغربية أساساً.

مع اقتراب نهاية الحرب السورية، وهزيمة قوى التحالف الأميركي في سوريا، وتحوّل ميزان القوى لبنانياً في مجلس نيابي، وحكومة، بغَلَبة لصالح القوى الموالية للمحور الشرقي، بدأت تُطرَح أسئلة حول  لبنان، وإن كان سيبقى في العزلة عن سوريا التي تكرَّست أعقاب هجوم الغرب الأميركي سنة 2005 باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما تلا ذلك من تطوّرات.

يقف لبنان اليوم على مفصل مرحلة جديدة تاريخية في الصِراع "الاقليمي-الدولي"، وعيون مختلف الدول على ثرواته النفطية، وثروات المنطقة، ويبلغ التحدّي ذروته، حيث تتقدَّم وتتصاعَد قوى دولية كُبرى، كالصين وروسيا وإيران، حاملة معها مشاريعها الاقتصادية التي تحتاج إلى شرق المتوسّط، وخصوصاً للبنان، للتموضع، والاستثمار إقليمياً، والانطلاق نحو أوروبا وإفريقيا، لكن هذا التقدّم لا يرضي الغرب المُتمسّك بالساحة التي خدمت مصالحه بين 1943، وحتى اليوم، فيقاوم، ويحاول تأخير ذلك التقدّم الشرقي، ويبلغ التأزّم الكامِن ذروته، لينفجر لحظة اتّخاذ محور المقاومة قراره ببدء الانفتاح على سوريا.

يقف لبنان على باب مرحلة جديدة من الصِراع "الاقليمي-الدولي"، مع انعكاس لآلية القوّة: غرب مُتراجِع، وشرق مُتقدِّم. غرب لا يُريد لبنان أن يفلت من يديه، ولا أن تُنافسه في الشرق قوى دولية كُبرى تُنهيه، وربما تُسقطه في الشرق، مع ما يمكن أن ينعكس عليه ذلك في عقر داره، وشرق لا خيار أمامه إلا التقدّم، وإيجاد منفذ له على العالم، ومُتنفَّس لتُخمة إنتاجه، والحاجة إلى تصريفه.

في هذا الصِراع "الاقليمي-الدولي" الجديد، يستحيل أن يكون لبنان بمنأى عن تداعياته، خصوصاً وأنه يتموضع في النقطة المفصلية العالمية التي وجدتها شعوب العالم ممراً ومقرّاً على مدى التاريخ، وفي هذا الصِراع "الاقليمي-الدولي" الجديد، تنفجر الساحات اللبنانية رافِعة شعار شمشون: "عليَّ وعلى أعدائي يا رب"، مُتمثّلاً في شعار "كلن يعني كلن" الخُلَّبي. 

أما مطالب الفساد والإصلاح وما شابهها من بنود مطلبية تطرح حالياً في ساحات التحرّكات، فما هي إلا غطاء لحقيقة الصِراع "الاقليمي-الدولي" الحالي، والتي اعتاد لبنان أن يدفع في أمثالها الأثمان الباهِظة، انهياراً في كيانه، وتغييراً في تركيبة جمهورياته المُتعاقِبة، وواهِم مَن لا يُدرِك حقيقتها حالياً درجاً على ما شهده لبنان في مراحله التاريخية المختلفة، عند كل صِراع إقليمي- دولي.

ومَن يحصر رؤيته لما يجري في الساحات بأنه حركة "ثورية" لتغيير طبيعة النظام اللبناني، وتطويره، وإصلاحه، وتحقيق المطالب التي يرفعها التحرّك، فيصحّ به القول إن ذاكرته هي مثل ذاكِرة السمك.. يأكل الطعم.. ويراه.. ويُعيد أكله مرة تلو مرة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً