محمّد نادر العمري

كاتب وباحث سوري

كِباشات لجنة مُناقشة الدستور السوري

انهيار مسار لجنة مناقشة سيعني فتح المجال أكثر لمحور أستانة وروسيا بشكلٍ خاص للإمساك بزِمام المبادرة، وانتهاء أيّ دور جغرافي أو تأثير أممي في المشهد السياسي السوري.

  • كِباشات لجنة مُناقشة الدستور السوري

 

كثيرةٌ هي العناوين والتوصيفات التي أُطلِقَت على الجولة الثانية من اجتماعات اللجنة المُصغَّرة الخاصة بمناقشة الدستور السوري في جنيف، والتي تراوحت ما بين وصفها بأن "نهايتها ظهرت قبل بدايتها" أو القول بأن "التفاؤل الحَذِر لم يدم". ولكن التوصيف الأقرب إلى الواقع السياسي والذي يمكن إطلاقه على ما مثّله هذا الاجتماع هو استمرار التجاذُب المُتبادَل ما بين القوى المُتصارِعة في الميدان والسياسة ضمن إطار صراع التحكّم على مستقبل سوريا، وهذا يدفعنا نحو أسئلة ثلاثة مُتتالية:

- ما الذي حصل ما بين الجولتين وأرخى بظلاله على هذه الجولة؟

-  كيف سيتم التمهيد للجولة القادمة وضمن أية أجواء ستكون؟ 

-  أيّ السيناريوهات المُتوقَّعة لمسار اللجنة بشكلٍ عام؟

 الإجابة عن هذه الأسئلة تدفعنا للعودة إلى عدَّة مُعطيات وحقائق لا بد من التوقّف عندها: 

أولاً، الكباش السياسي الذي شهدته مرحلة تشكيل اللجنة على مدى عامين تقريباً، وخاصةٍ إصرار النظام التركي على التمسّك بفرض أسماء مُحدَّدة ضمن قائمة ما يُسمَّى المجتمع المدني يُشير إلى محاولةٍ من إثنتين، إما تحقيق إنجاز وتمثيل سياسي عجز عن تثبيته عسكرياً أو للحفاظ على قدرة التعطيل في حال لم تتلاق المصالح. ثانياً، تشكيل اللجنة وإطلاق عملها كان قائماً على توافقات وتفاهُمات إقليمية ودولية هشَّة، وهذه الهَشاشة ستنعكس مع كل تصعيدٍ ميداني أو سياسي وستؤدَّي في الوقت ذاته إلى عرقلة عمل اللجنة التي باتت تشكِّل مرآة تعكس ذلك.

ثالثاً، رغم الأجواء الإيجابية التي شهدتها الجلسة الافتتاحية والتصريحات إلا أن الاختلافات في المضمون هي جوهرية بالهدف المُراد منها، فالوفد الوطني يعتبرها جزءاً من مسارٍ سياسي، ووفد النظام التركي ومن خلفه الأمم المتحدة والمجموعة المُصغَّرة يعتبرونها تشكّل جوهر العمل السياسي ويربطونها بالاستحقاقات الانتخابية القادمة.

التطوّرات التي شهدتها الجغرافيا السورية والإقليمية وسلوك الفاعِلين السياسيين خلال فترة استراحة ما بين الشوطين (إن صحّ التعبير) كفيلة بالإجابة عن السؤال الأول، حيث أن هذه التطوّرات شكَّلت مؤشِّراً مُبكِراً لانتكاسة الجولة الثانية، وتمثّلت في:

1. خفايا المخرجات السياسية للاجتماع الذي حصل بين رئيسي النظامين التركي والأميركي في واشنطن منذ ما يزيد عن أسبوعين، وعدم اتّضاح ما تمّ الاتفاق عليه حول سوريا في أروقة قاعة الاجتماعات، وهو ما أثار رَيبة موسكو وحَذرِها.

2. قُدرة مؤسَّسات الدولة العميقة في احتواء قرار ترامب بالانسحاب من سوريا.

3. التدخّل الواضح في عمل اللجنة عبر ثلاث نقاط:

- اجتماع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري مع وفد ما يُسمَّى الائتلاف، وكذلك بعض أعضاء وفد لجنة النظام التركي والمجتمع المدني في إسطنبول، بحضور أنس العبدة رئيس الائتلاف الذي شكَّل وجوده في المؤتمر الصحفي النهائي لاختتام الجولة الأولى انتهاكاً لقواعد الإجراءات ومدوَّنة السلوك والطلب إليهم محاولة تحقيق خَرْق خلال الجولة الثانية والإسراع في انتهاء اللجنة قبل انتخابات2021، وتوجيه تهديد مُبطَّن إلى كل عضو يوافق على انتقال عمل اللجنة من جنيف إلى دمشق.

- مُشاركة عضوة اللجنة المُصغَّرة عن المجتمع المدني (صباح الحلاق) في جلسةٍ لمجلس الأمن وإلقائها كلمة هناك بطلبٍ وغطاءٍ بريطاني.

- الاتّهام الأميركي المُستعَجل للحكومة السورية بتحميلها مسؤولية فشل الجولة الثانية.

4.  الضغط الأميركي الفرنسي البريطاني على منظمة حَظْر الأسلحة الكيميائية في دورتها (24) لحضور تنظيم الخوذ البيضاء، ولإنهاء التقرير الذي تُعدّه لجنة التحقيق لاتّهام الدولة السورية باستخدام الأسلحة المُحرَّمة، رغم تسريب صحيفة "ديلي ميل" البريطانية لأحدى المُراسلات الإلكترونية والتي تعود إلى المنظمة تؤكّد تزوير الاتّهام لتبرير العدوان الثلاثي على سوريا عام 2018.

5.  التطوّرات الفوضوية التي تشهدها الدول المُجاوِرة جغرافياً لسوريا وإدارتها وفق الرؤية الأميركية لزيادة الحصار على دمشق اقتصادياً.

أما بالنسبة إلى موعد وشكل الجولة القادمة، فإن ذلك يتوقَّف على جهود المبعوث الدولي إلى سوريا غير بيدرسون الذي هو اليوم أمام عدد من التحدّيات الصعبة، بعضها وضع نفسه بها، وبخاصة أن بيدرسون نسب نجاح الجولة الأولى من عمل اللجنة إليه وإلى دور الأمم المتحدة، في إشارةٍ إلى تغيب الدور الروسي على الصعيد الثنائي مع تركيا وضمن محور أستانة.

وفق هذا التداخُل فإنه من غير المُمكن عَقْد جولة جديدة قبل اجتماع أستانة القادم، وفي انتظار ما سيتمخَّض عن اجتماع بوتين مع إردوغان في إسطنبول والذي سسيسبقه اجتماع  بيدرسون مع وزير الخارجية الروسي بناء على طلبٍ من الأول، وهذا قد يدفع بيدرسون إلى القيام بجولةٍ دبلوماسيةٍ مكوكيةٍ مُجدَّداً تدفعه إلى زيارة موسكو وأنقرة ودمشق، وفي ذات الوقت قد نشهد عودة لتسخين جبهات الميدان وخاصة في مدينة إدلب سواء من خلال احتمال إقدام المُسلّحين على استخدام الكيميائي واستهداف المناطق الآمِنة ونقاط للجيش السوري وقاعدة حميميم، أو قد نشهد عودة الحراك العسكري السوري في ظلّ الكِباش والتعطيل الحاصِل.

الإجابة على السؤال الثالث تجعلنا نقف عند حقيقة لا لُبْسَ فيها وهي أن الأمم المتحدة كمنظمةٍ دوليةٍ بغضّ النظر عن موضوعيّتها ومبعوثها الخاص وكذلك ما يُسمَّى المجموعة المُصغَّرة، هي الأكثر تمسّكاً بالحفاظ على استمرار مسار لجنة مناقشة الدستور، ليس انطلاقاً من حرصها على إنجاز عمليةٍ سياسيةٍ في سوريا ولا لتحقيق مصالح الشعب السوري، بل لأن انهيار هذا المسار سيعني فتح المجال أكثر لمحور أستانة وروسيا بشكلٍ خاص للإمساك بزِمام المبادرة، ومن جانبٍ آخر انتهاء أيّ دور جغرافي أو تأثير لها في المشهد السياسي السوري.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً