أوس نزار درويش

باحِث جامعي سوري

متى يتوقّف الكرد أمام عِبَر التاريخ؟

بالرغم من أن الدولة السورية قد قامت بدعم الكرد وتسليحهم كجزءٍ من الشعب السوري ليدافعوا عن أنفسهم ويحموا مناطقهم في وجه الإرهابيين، وكان ردّهم أن قاموا بالتآمُر مع الأميركان والفرنسيين وكل ضباع العالم ضد بلدهم.

  • فتاة تحمل علم كردستان في مظاهرة في محافظة الحسكة السورية يوم 7 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

 

الكرد مُكوِّن أساسي من مكوِّنات الشعب العربي السوري ولهم وجودهم في كل شرائِح المجتمع، وأنا شخصياً أحبّ وأحترم هذا المكوّن ولديّ الكثير من الأصدقاء الكرد الذين أجلّهم وأحترمهم؛ لكن ما سأتحدَّث عنه يتعلّق بالكرد الانفصاليين، وفيها سنستعرض ونبرز التجارب الكردية الانفصالية.

في إيران تأسَّست عام 1946 في أقصى شمال غرب إيران دويلة كردية أسَّسها انفصاليون إيرانيون كرد أطلقوا عليها إسم جمهورية مهاباد، وفعلياً ظهر هذا الكيان الكردي كنتيجةٍ للأزمة الإيرانية الناشِئة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، فبالرغم من أن إيران أعلنت الحياد أثناء الحرب العالمية الثانية، إلا أن قوات الاتحاد السوفياتي توغّلت في جزءٍ من الأراضي الإيرانية وكان مُبرِّر الرئيس السوفياتي جوزف ستالين لهذا التوغّل هو أن شاه إيران رضا بهلوي كان مُتعاطِفاً مع الزعيم الألماني أدولف هيتلر، ونتيجة لهذا التوغّل هرب الشاه رضا بهلوي إلى المنفى وتمّ تنصيب إبنه محمّد بهلوي بدلاً منه، استغلّ بعض الكرد الإيرانيين هذا الخلل والضعف في بلادهم، وقام القائد الكردي الإيراني قاضي محمّد بإعلان جمهورية مهاباد الكردية متعاوناً مع السوفيات ضد بلاده، ولكنه نتيجة للضغط الذي مارسه الشاه على السوفيات تمّت المُصالحة بين الشاه الإيراني والرئيس السوفياتي ستالين وكان من نتيجة هذه المُصالحة أن انسحبت القوات السوفياتية من الأراضي الإيرانية ورفعت يدها عن دعم الكرد هناك، وقامت بعدها الحكومة الإيرانية بإسقاط جمهورية مهاباد الكردية وتمّ إعدام قاضي محمّد مؤسِّس هذه الدويلة الكردية .

أمّا الحال التالية فهي في العراق حيث شكَّل الكرد العراقيون الانفصاليون خنجراً مسموماً في خاصِرة العراق العربي عبر تاريخه، ابتداء بمصطفى البارزاني الذي تدرَّب في الكيان الصهيوني وكان يتمتَّع بأقوى العلاقات والصَداقات مع موشي دايان ومناحيم بيغين وإسحاق شامير، وكان دائماً ما يُثير المشاكل والاضطرابات ضد العراق، وتمتد خيانة الانفصاليين في العراق إلى فترة الحرب الأميركية على العراق عام 2003 عندما شاركوا بالقتال مع الجيش الأميركي ضد بلادهم وضد الجيش العربي العراقي، وساهموا بإسقاط بلادهم في يد أميركا واستغلّوا بعدها حال الوَهْن والضعف التي عصفت بالعراق العربي بعد الاحتلال، وقاموا تحت رعاية الاحتلال الأميركي بإعلان فيدرالية ومنطقة حُكم ذاتي، ولم يكفهم هذا بل قاموا عام 2014 بضمّ كركوك الغنية نفطياً والتي هي معروفة أنها عربية بالكامل، كما إنهم قاموا بضمّ مناطق أخرى عربية بالكامل كطوزخرماتو وغيرها، كما إنهم قاموا بإدخال الجيش التركي إلى العراق في قاعدة بعشيقة، وبعدها قام رئيس اقليمهم السابق مسعود البارزاني وبدعمٍ صهيوني وأميركي بالدعوة إلى استقلال اقليم كردستان في دولةٍ مستقلّة، وأعلن عن استقلال الاقليم عن العراق في العاشر من أكتوبر العام 2017، وكلنا رأينا في تلك الفترة الأعلام الصهيونية في شوارع أربيل، كما إننا رأينا في يوم الاستفتاء فيلسوف الخراب والدمار بيرنارد هنري ليفي إلى جانب مسعود البارزاني، ولكن العراق والجيش العربي العراقي في هذه الفترة بدأ يستعيد عافيته فقام بعمليةٍ عسكريةٍ استعاد من خلالها الموصل وكركوك وكل المناطق العربية المُتنازَع عليها بالتعاون مع الكرد الشُرفاء الذين كانوا يعارضون الانفصال، وأجهز الجيش العراقي على هذه الدويلة الكردية قبل ولادتها وكان من نتيجة هذا النصر العراقي أن تمّ إقصاء مسعود البارزاني خارج السلطة.

أمّا في سوريا فلحكاية الانفصاليين الكرد معها قصة طويلة، فمنذ التاريخ كانت معاملة سوريا مع الكرد معاملة طيّبة حتى غير السوريين منهم، فقد فتحت سوريا للكرد الأتراك البلاد هرباً من بطش الحكومة التركية عام 1925 بعد ثورة سعيد بيران على الحكومة التركية وصولاً إلى إكرامهم والوقوف معهم واستقبال الكرد الأتراك وزعيمهم عبد الله أوجلان في سوريا في التسعينات، وإكرامهم من قِبَل القائد المؤسِّس حافظ الأسد، وللأمانة نقول إن عبدالله أوجلان كان زعيماً كبيراً وقائداً له كاريزمة عالية، وكان يحب سوريا كثيراً ويعترف بفضلها عليه، ورغم الضغوط التي مورِسَت على سوريا آنذاك من قِبَل تركيا والناتو والتهديد باجتياحٍ عسكري لتسليم أوجلان، ولكن سوريا رفضت تسليمه، إلا أن قرَّر أوجلان بنفسه ترك سوريا، ويُحدِّثني أحد الأصدقاء الذي كان يعرف أوجلان معرفة شخصية أن أوجلان قال له قبل مغادرة سوريا أني قد قرَّرت مغادرة سوريا لأن وجودي هنا بات عبئاً على هذه الدولة التحررية العظيمة وعلى قائدها الكبير الرئيس حافظ الأسد، وأنا أعرف أن التهديدات التركية جدّية وهي من تخطيط الناتو وإسرائيل لإسقاط الدولة السورية.

وللأسف الانفصاليون الكرد بدلاً من أن يعترفوا ويُجلّوا الأفضال التي قدَّمتها لهم الدولة والشعب السوري كانوا خنجراً في خاصِرتها ابتداء من أحداث عام 2004 والتخريب والحرق للممتلكات الذي حدث آنذاك، وصولاً إلى الحرب العالمية الإرهابية التي شُنَّت على بلدنا في آذار 2011، فبالرغم من أن الدولة السورية قد قامت بدعم الكرد وتسليحهم كجزءٍ من الشعب السوري ليدافعوا عن أنفسهم ويحموا مناطقهم في وجه الإرهابيين، وهذا كان باعتراف قادتهم أنفسهم كصالح مسلم الذي اعترف أن الدولة السورية قد سلَّحتهم وموَّلتهم في عين العرب عند هجوم "داعش" عليهم، وكان ردّهم أن قاموا بالتآمُر مع الأميركان والفرنسيين وكل ضباع العالم ضد بلدهم، وقاموا بقتال الجيش العربي السوري في الحسكة وأريافها مُستغلّين انشغال الجيش في القتال في جبهاتٍ أخرى، وآخرها كان قتلهم لعناصر الأمن العسكري في محافظة الحسكة والتمثيل بجثثهم، وصاروا يُضيِّقون على العرب في تلك المناطق، وعمليات التطهير العِرقي التي حاولوا أن يقوموا بها كمحافظة الرقة التي يحلمون بأن تكون عاصمتهم، فكلنا نعرف إن الرقة هي عربية بالكامل ولا يوجد فيها كرد فبأيّ حق ستكون لهم، وبعد الانسحاب الأميركي الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتركهم لقمة سائِغة للجيش التركي الذي قام بإطلاق عملية عسكرية عليهم وقام باجتياح أراضيهم، فبدل أن يتّجهوا إلى الدولة الوطنية السورية التي أعلنت إرسال الجيش العربي السوري إلى شرق الفرات لمواجهة العدوان التركي وحمايتهم، قاموا بالتآمُر مُجدَّداً على الدولة السورية وعلى الجيش العربي السوري ولم يُسلِّمو المناطق للدولة السورية، وقاموا بالطلب مُجدَّداً من ترامب بالإضافة إلى الفرنسيين لكي يبقوا قواتهم شرق الفرات.  

في النهاية كل ما أتمنَّاه أن يعود هؤلاء الانفصاليون السوريون الكرد إلى رُشدِهم ويكونوا عامِل بناء وإعمار في هذا الوطن لاعامِل هَدْم وخراب.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً