محمود هنية

صحافي فلسطيني

حماس وإيران.. جدليّة العلاقة وجذورها

تُدرِك الفصائل أن الدعم العسكري والمالي والتقني الإيراني لا يمكن الاستعاضة عنه بأيّ طرف إقليمي، كما أنها تُدرِك صعوبة الثمن المطلوب من الأطراف الإقليمية الأخرى لقاء دعم مالي.

  • إسماعيل هنية يلتقي المرشد الأعلى السيد علي خامنئي

سبقت تعزية "حماس" باغتيال الفريق قاسم سليماني محطات عديدة وضعت فيها العلاقة تحت الاختبار، وتعرَّضت فيها لنقدٍ واسعٍ وعميقٍ في مراحل تاريخية مختلفة.

جذور العلاقة بين الطرفين تمتد إلى أكثر من عقدين ونصف العقد، ساهم ربما في تأسيسها وزرع بذورها المهندس عماد العَلَمي عضو المكتب السياسي لحماس، ومهندس علاقاتها الخارجية بعد إبعاده في الانتفاضة الأولى.

جذور العلاقة وتطوّرها

العَلَمي الذي تربطه علاقة "روحية" ربما، مع المسؤولين الإيرانيين، باعتبار جذوره تمتد لآل النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم)، نجح في فتح فضاءات مختلفة من العلاقة السياسية والعسكرية والاستراتيجية مع طهران، التي أصبحت الحليف الاستراتيجي الأعمق والأقوى لها خلال العقود الثلاثة الماضية.

ترسّخت العلاقة أكثر بداية تسعينات القرن الماضي، مع فترة إبعاد قيادات حماس والجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان، الفرصة التاريخية كما تُسمّيها قيادات حمساوية، التي أتاحت لها فرصة التواصُل مع قيادات مختلفة في إيران وحزب الله.

حتى اللحظة لم يكن الحاج قاسم سليماني بارزاً في هذه العلاقة، التي سبقه فيها اللواء حميدي، إذ كانت إيران في أوج صراعها العسكري مع العراق أساساً، وفي مرحلة الدفاع عن الذات وترميم ما أصابها في حرب السنوات الثماني.

لكن مع مرور عام 1998، تولّى سليماني مسؤولية "قوة القدس"، وبدأ مباشرة في فتح قنوات عسكرية مباشرة مع الفصائل الفلسطينية في مقدّمها حماس بالطبع، تركَّزت أبعادها المكانية في دمشق وبيروت، بحُكم التواجُد الفلسطيني والاحتكاك المباشر مع الفصائل.

وزاد من عُمق التواصل خروج قيادة المكتب السياسي للحركة برئاسة رئيسها السابق خالد مشعل من الأردن، واستقراره في دمشق، ما سهَّل أكثر من عملية التواصُل مع القيادتين الإيرانية والسورية.

ومع خروج الشيخ الشهيد أحمد ياسين من سجون الاحتلال آنذاك وزيارته إلى طهران وبيروت، بدأت العلاقة تتّخذ خطوات استراتيجية أعمق على الأصعدة كافة، وتُترَجم عبر برامج عملية مختلفة بين الطرفين.

حتى اللحظة كان المهندس العَلَمي، حلقة الوصل الأبرز في هذه العلاقة، ثم تلاه فيها أسامة حمدان عضو مكتب العلاقات العربية والإسلامية، وشخصيات أخرى، لعبت دوراً محورياً في تعزيز العلاقة الثنائية بينهما، لكن لـ"روحية" العَلَمي وقع خاص في ضبط إيقاع هذه العلاقة وتطويرها.

ومع اندلاع أحداث الانتفاضة الثانية، ترسَّخت جذور التعاون العسكري الإيراني الحمساوي سواء كان عبر الدعم المباشر، أو عن طريق التعاون مع الدولة السورية وحزب الله وأنصار الله أيضاً، في نقل العتاد والسلاح، فيما احتفظت إيران في الدعم المالي واللوجستي المباشر.

واستقبل الحاج عماد مغنية القائد العسكري لحزب الله قيادة المقاومة الفلسطينية في دمشق بين العامين 2006- 2008؛ للوقوف على حاجة القطاع العسكرية، ونقل تجربة الحزب في ما يتعلّق بالبنية العسكرية التحتية للمقاومة.

وسبَّبت العلاقة بين الطرفين، إشكاليات عميقة لحماس في مكوِّنات عُمقها السنّي، والنظام العربي، الذي وجد في هذه العلاقة تهديداً مباشراً له خاصة مع النظامين المصري والسعودي آنذاك.

وعليه يُمكن تلخيص أبعاد العلاقة بين الطرفين قبل الأزمة السورية على النحو التالي:

  • التحالف الاستراتيجي العسكري، وتقديم الخبرات بمختلف تخصّصاتها، وتزويد المقاومة بمختلف التقنيات التي تحتاجها لتطوير قُدراتها العسكرية وتحديداً منظومتيها الصاروخية والتقنية.
  • الدعم المالي واللوجستي لأنشطة الحركة العسكرية، وهو دعم حَصْري لطهران في ظلّ العقوبات الأميركية المُعلَنة التي تُلاحِق أيّ طرف يحاول تقديم أشكال الدعم لها.
  • فتح قنوات الدعم من حلفاء طهران تحديداً مكوِّنات "محور المقاومة" وتغطية أنشطتها المختلفة في هذه المناطق.
  • تزويد فصائل المقاومة بالخبرات اللازمة وليس أقلّها تدريب فريق الشهيد محمّد الزواري مؤسِّس سلاح الطيران لدى المقاومة الفلسطينية.
  • كان التدخّل السياسي الإيراني محدوداً بحُكم الصراع السياسي بين طهران والدول العربية.
  • عمل "أنصار الله" في بُعد تقديم المساعدة بنقل الدعم اللوجستي للمقاومة الفلسطينية في غزَّة.

أما في العقد الأخير وتحديداً بعد العام 2011، يمكن القول إن العلاقة بين الطرفين انتقلت إلى عدّة أشكال.

الجمود في العلاقة

فرضت الأحداث  السورية واليمنية ذاتها على مشهد العلاقة بين حماس تحديداً ومحور المقاومة وفي مقدّمه إيران، وصل حد القطيعة مع الدولة السورية والجمود شبه الكامل في العلاقة مع طهران وجمود أقل ربما في العلاقة مع حزب الله.

ورغم احتدام لهجة التصعيد بين مكوِّنات المحور وحماس، إلا أن الشهيد قاسم سليماني تحديداً أبقى على قناة التواصُل مع القيادة العسكرية لكتائب القسَّام، كما أبقى حزب الله تواصُله السياسي والميداني مع حماس التي أبقت على مكتبها في الضاحية الجنوبية لبيروت تحت حمايته.

ولم تنجح حينئذ محاولات عَقْد لقاء مباشر بين رئاسة المكتب السياسي لحركة حماس مع المستوى السياسي والقيادي للجمهورية الإسلامية في إيران.

الهدنة في العلاقة

وعقب عدوان 2014، خاصة في ضوء تراجُع دور الثورات، وتصاعُد دور الثورات المُضادَّة، انتقلت العلاقة من التصعيد مع بعض مركبات المحور لحال الهدوء، خاصة مع إشادة كتائب القسَّام بالدعم الإيراني للمقاومة، وعلى إثره زارت وفود عديدة طهران تمثّل وفدها الرفيع لعدد من أعضاء المكتب السياسي مع الإشارة إلى أن مكتب الحركة بقي نشطاً في طهران.

وبرزت عديد اللقاءات بين سليماني وقيادة الفصائل في بيروت، إضافة إلى لقاءات على مستويات مختلفة جرت في طهران إلى أن جرى اختيار مكتب جديد لرئاسة حماس عام 2017.

تطوّر العلاقة

مع صعود المكتب السياسي الجديد لحركة حماس، شهدت العلاقة نقلة نوعية بين الطرفين، توجَّت بعَقْدِ لقاءات بين وفود رسمية من حماس ذات مستويات عالية مع مستويات مُتقدّمة في طهران.

وأعلنت طهران عن رغبتها دعم مسيرة العودة وشهدائها وجرحاها، كما تقدَّمت بتبرّع لعوائل الشهداء التي قُطِعَت مُخصَّصاتها من السلطة الفلسطينية.

ونجحت الأقنية الخلفية بفتح قنوات مُتقدّمة في العلاقة أفضت إلى عقد لقاء مباشر برئاسة نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري مع المُرشِد العام للثورة الإيرانية السيّد علي خامنئي، ليكسر بذلك الأخير قواعد برتوكوله في استقبال الصف الأول لقيادة الوفود التي تزوره.

وسبق هذه الزيارة لقاء لمحمود الزهّار عضو المكتب السياسي لحماس، التقى خلالها قيادات إيرانية مُتقدِّمة ومن الصف الأول بقيادات حزب الله.

ويتمتّع الزهّار باحترام كبير لدى طهران، والمسؤولين الإيرانيين تحديداً، لدوره في الاحتفاظ برَسْم ملامح العلاقة مع طهران.

أبعاد العلاقة ونتائجها

يمكن القول إن فصائل المقاومة وفي مُقدّمها حركة حماس، نجحت في إعادة ترميم العلاقة إلى سابق عهدها خاصة في الجانبين العسكري والمالي، تزامُناً مع الحرب التي تشنّها السعودية على الشخصيات القريبة على الحركة بزعم تمويلها وجلبها للتبرّعات.

ونجحت العلاقة بين الطرفين طيلة الفترة الزمنية الماضية في:

الجانب العسكري:

  • الحصول على التمويل اللازم لإنشاء بنية تحتية عسكرية مُتطوّرة قادرة على إنتاج أشكال مختلفة من المنظومة الدفاعية وخاصة الصاروخية منها بمدياتها المختلفة القريبة والوسيطة والبعيدة.
  • تدريب أكبر قدر من الكوادر اللازمة في إعداد هذه المنظومة من الكفاءات سواء كان عبر التدريب المباشر في طهران أو تزويدها بالكفاءات التي تحتاجها من هناك.
  • مُحاكاة منظومة البنية التحتية في جنوب لبنان بقطاع غزَّة، تحت إشراف مباشر في البداية من عماد مغنية المسؤول العسكري لحزب الله الذي زار غزَّة كما أسلفنا سابقاً، رغم حال التوتّر الشديدة في العلاقة بين غزَّة وحزب الله مع النظام المصري السابق برئاسة حسني مبارك.
  • الاستفادة الغنية من التجارب الاستخباراتية والأمنية والتزوّد بالمنظومة التقنية التي ساعدت القسَّام في إدخال منظومات عسكرية استراتيجية داخل الخدمة، ليس أقلّها شبكات الاتصالات كما وليس آخرها سلاح طيران الاستطلاع، الذي شكَّل تحدياً بارزاً وخطيراً في مسار المواجهة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال.

الجانب السياسي

  • أضفت علاقة حماس بمحور المقاومة البُعد السياسي للصراع، ونزع منه فتيل الصبغة الطائفية بحُكم وجود قوى المقاومة الفلسطينية ذات الامتداد السنّي في موجة المواجهة.
  • نجحت حماس في فتح خطوط من العلاقة بين حركات مؤثّرة في العالم السنّي مع الجمهورية الإسلامية قبيل أحداث سوريا.
  • خفّفت إعادة العلاقة بين الطرفين، الحِدَّة الطائفة في المنطقة، خاصة بعد الأحداث في سوريا، وأعادت البُعد السياسي للصراع.
  • عملت إيران على إعادة فتح قنوات التواصل بين حماس وسوريا بدعمٍ من حزب الله، ونجحت في عَقْدِ بعض اللقاءات المحدودة؛ لكنها لم تنجح في نزع فتيل الخلاف بينهما حتى اللحظة وبقيت العلاقة متوتّرة بفعل الظروف التي تعيشها سوريا.
  • استفادت حماس من العلاقة مع إيران في التحرّك بساحات حلفائها بأريحيّة عالية مُقارنة بالدول التي لا ترتبط بمحور المقاومة، سابقاً.

الجانب الاجتماعي والاقتصادي

  • ألقت الأزمة المالية ظِلالها على الدور الإيراني في تقديم الدعم المالي لقطاع غزَّة على صعيد إعادة الإعمار أو دعم البنية الاقتصادية والمدنية في القطاع، واكتفت بالدعم العسكري للمقاومة مع تفهّمها للعلاقة القطرية مع فصائل المقاومة حتى في أوج الخلاف القطري الإيراني على الأزمة السورية.
  • تبادلت طهران الدور الاجتماعي والسياسي مع الدوحة وأنقرة في دعم القطاع، وتجلّى ذلك على يد الحاج قاسم سليماني الذي أولى الدوحة الضوء الأخضر لإيجاد حل سياسي لعدوان 2008م.
  • أبقت إيران دعمها حاضراً في محطّات مختلفة على صعيد دعم أُسَر الشهداء عبر جمعيات معروفة، وزادت من دعمها في السنوات الأخيرة مع اندلاع مسيرات العودة في الثلاثين من مارس/آذار عام 2017م.
  • رعت الجمهورية عديد المؤتمرات التي تُعنى بانتفاضة القدس وفلسطين، وأولت اهتماماً خاصاً في دعم هذه القضايا رغم انشغالها في أوضاع المنطقة.
  • أبقت إيران قنوات التواصُل الدائم مع مركّبات فصائل المقاومة بمختلف مكوِّناتها، بإشرافٍ من الحاج قاسم والأمين العام لحزب الله السيِّد حسن نصر الله.

 تتمسَّك إيران بفصائل المقاومة الفلسطينية انطلاقاً من مبادئ إيمانية عقائدية وكعناوين فاعِلة في إطار مشروع المواجهة مع المشروع الأميركي والإسرائيلي في المنطقة، تماماً كما تتمسَّك المقاومة بالدعم الإيراني الوحيد لمنظومتها العسكرية، خاصة مع تقطّع دعم أصدقائها في المنطقة؛ نظراً إلى الضغوط التي يتعرّضون لها من الولايات المتحدة.

تُدرِك الفصائل أن الدعم العسكري والمالي والتقني الإيراني لا يمكن الاستعاضة عنه بأيّ طرف إقليمي، كما أنها تُدرِك صعوبة الثمن المطلوب من الأطراف الإقليمية الأخرى لقاء دعم مالي، ليس أقلّه الدعوة إلى التخلّي عن المواجهة العسكرية المباشرة.

ومع اقتراب الانتخابات الأميركية، وحسم واشنطن ملفات القضية الفلسطينية وعناوينها الرئيسة لصالح "إسرائيل"، والخشية من ضوء أخضر أميركي يسبق الانتخابات لارتكاب "إسرائيل" المزيد من الجرائم السياسية والعسكرية بحق الفلسطينيين، فإن حاجة فصائل المقاومة الفلسطينية تزداد بشكل أكبر للدور الإيراني.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً