علي النمر

دكتوراه إدارة مالية

لبنان.. إنقاذ ممكن وانهيار يطرق الأبواب

الوضع الحالي في لبنان يتطلّب تضحياتٍ من جميع القوى السياسيّة لتشكيل حكومة إنقاذيّة تحظى بثقة اللبنانيين جميعاً، يكون عنوانها الإبداع والتّميّز والابتكار والنجاح من أجل تحقيق الخروج من الأزمة.

  • لبنان.. إنقاذً ممكن وانهيارً يطرق الأبواب

تفاقمت وتيرة الأزمة المالية والاقتصادية والنقدية في لبنان لتشكّل انحداراً سريعاً نحو الانهيار، حيث أرخت بظلّها على الحياة المعيشية للمواطن بعدما فقدت الرواتب القدرة الشرائية بنسبةٍ وصلت إلى 50%، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، الذي وصل إلى عتبة 2500 ليرة، ما أدّى بدوره إلى ركودٍ في الحركة الاقتصادية.

كما أنّ تداعيات هذه الأزمة بعد شحّ الدولار ووجود سعرين له، كنقصٍ في السيولة، أثّرت على جميع القطاعات خصوصاً على قطاعيّ الزراعة والصناعة،وتمثّلت بعدم القدرة على تأمين الدولار لعملية استيراد المواد الأوليّة.

كذلك أدَّت الأزمة إلى تراجع حركة التجارة بنسبة 50%، وإقفال العديد من الشركات والمؤسَّسات. بالاضافة إلى ما سبق، فقد اضطرت بعض المؤسَّسات والشركات التي تأثّرت بهذه الأزمة إلى خفض الرواتب، وعمل بعضها الآخر على تسريح العديد من الموظفين، حتّى وصل الأمر إلى بعض المصارف التي قامت بدورها باتباع الإجراءات نفسها كخفض الرواتب أو الاقتطاع منها.

كما أنّ لمصرف لبنان دورٌ لا يُستهان به في صناعة الأزمة نتيجة الهندسات المالية المبنية على ارتفاع الفوائد التي شجّعت أصحاب الرساميل علی تجميد أموالهم في البنوك، فانخفض الاستهلاك، وتراجعت الاستثمارات. وفي المقابل راكمت هذه الهندسات أرباح المصارف التي بلغت 21.3 مليار دولار خلال السنوات العشر الأخيرة (2009_2018).

كذلك ساهم مصرف لبنان في تفاقُم الأزمة حيث لجأ (بحجّة أنّ عُمر الأزمة سيطول) إلى تطبيق إجراءات تقضي باعتماد آلية الـ Capital control بشكل غير رسمي وغير معلن من خلال فرض قيودٍ على التحويلات المالية إلى الخارج، بالإضافة إلى احتجاز أموال المودعين، ومن ثم تحديد السقف والقيود على السحب وفقاً لحجم الودائع، إذ سمحت بعض المصارف لصِغار المودعين بسحب 100 دولار أسبوعياً فقط، وتجزئة الرواتب التي تُدفَع عبر البنوك، فضلاً عن وقف الاعتمادات والتسهيلات للقطاع الخاص. هنا نسأل كيف يمكن للقطاعات الإنتاجية والخدماتية والتجارية العمل والاستمرار، في وقتٍ لا يُسمح لها فيه بسحب أموالها من ​المصارف​ لدفع ما عليها من مُستحقّاتٍ وشراء واستيراد ما يلزمها. فهل المطلوب القضاء على ما تبقّى من الاقتصاد؟

كان يجدر بالبنك المركزي أن يُبادر إلى خفض الفوائد الدائِنة على القروض والتسليفات​ التجارية والقروض الشخصية، بنِسَب التخفيضات ذاتها التي طالت الفوائد على الودائع الجديدة بحسب التعميم 536 الذي أصدره أخيراً حاكم ​مصرف لبنان​، والذي يقضي بخفض الفوائد الدائِنة إلى ما نسبته 5% على الودائع بالعملات​ الأجنبية (دولار أو غيره من العملات الأجنبية)، و8.5% على الودائع بالليرة اللبنانية.

إن هذا التعميم الذي يقضي بخفض الفائدة على الودائع يُسجّل نقطةً إيجابيةً لحاكم مصرف لبنان، لأن له الأثر الكبير على تشجيع أصحاب الأموال للإستثمار بمشاريع إنمائيةٍ بدلاً من إيداع أموالهم في البنوك.

لكن كان من الأفضل أن يشمل هذا التعميم إجراءاتٍ إضافيةً تقضي بخفض الفوائد على شهادات الإيداع وعلى ودائع ​المصارف​ لدى مصرف لبنان، لأنّ أهمية هذه الإجراءات تشكّل عامِلاً أساسياً في خفض الدَين العام الذي سجَّل ارتفاعاً بحوالى 2.38 مليار دولار أميركي خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2019 ليصل إلى 89.48 مليار دولار أميركي.

وفي التفاصيل، الدَين العام بالليرة اللبنانية يُعادِل 55.91 مليار دولار أميركي، وفي المقلب الآخر يبلغ الدَين بالعملة الأجنبيّة 33.57 مليار دولار أميركي. وهذا يعني أنّ نسبة الدَين العام بالليرة اللبنانيّة تشكّل 62.48% من إجمالي الدَين العام، فیما نسبة الدَين العام بالدولار تعادل 37.52%.

وتجدر الإشارة إلى أن 92% من إجمالي الدَين العام بجميع العملات تسيطر عليه مؤسَّساتٌ محليّةٌ (مصرف لبنان بمقدار 40%، المصارف المحلية التجارية بمعدل 35%، والمؤسّسات العامة اللبنانية بنسبة 17%)، لذا من السّهل التحكّم فيه نظراً إلى ارتباطه بجهاتٍ محليّةٍ وليس بدول وجهاتٍ أجنبية.

ومن أجل خفض الدَين العام يمكن أن تطلب الحكومة من المصارف المحلية فترة سَماح على ديونها، أو استبدال سندات الدَين بأخرى لآجالٍ أطول. كما لها الحق أن تطلب مساعدة المصارف من أجل التمويل ومن خلال قبول سندات خزينة بصفر فائدة لفترة زمنية بدلاً من الإستدانة من الخارج.

إنّ الأزمة اللبنانيّة ليست آنيّة، بل هي نِتاج تراكُم السياسات المالية والنقدية المُتعثِّرة على مدى ثلاثين عاماً. ومن أبرز أسبابها:

  • نموذج الاقتصاد اللبناني الرَيعي المُعتمِد على الاستهلاك وإهمال جميع القطاعات الإنتاجية وانعدام الاستثمار المُنتِج، بل الاعتماد على الإستيراد من الخارج فلبنان يستورد بنسبة 75% من أجل تأمين حاجاته المُقدَّرة 19.98 مليار دولار في العام 2018، في حين بلغت قيمة الصادرات 2.95 مليار دولار.
  • فوائد الدَين العام التي بلغت 66 مليار دولار منذ 1998 إلی 2017.
  • السياسات النقديّة الخاطئة، أي بِدعة الهندسات المالية المبنية على الفوائد المُرتفِعة لجَذْب الرساميل.
  • الإستدانة والاقتصاد المُدَوْلَر بنسبة 75%.
  • الفساد والمُحاصَصة، وهَدْر المال العام الذي يُقدَّر بنحو 7 مليارات دولار سنوياً.
  • النظام السياسي والصِراعات الطائفية.
  • كلفة الرواتب والأجور، حيث أن 65% من إيرادات الدولة تذهب إلى رواتب موظفي القطاع العام التي تقدَّر بنحو 8 مليارات دولار سنوياً، إضافة إلى إجمالي عجز الکهرباء المُتراكِم، الذي کلَّف الدولة 36 مليار دولار خلال 26 عاماً.
  • ضعف الإدارة والتخطيط والتنظيم، وغياب الرقابة والمُحاسبة والقوانين الإصلاحيّة، وعدم استقلالية القضاء.

وتجدر الإشارة إلى أنّه بعد الإعلان عن خفض إيرادات موازنة 2020 بقيمة 4 مليارات دولار، سوف تضطر الحکومة إلى الإستدانة من الخارج لتغطية العجز. وفي حال استمرَّت الأزمة بهذه الوتيرة سنشهد انهياراً كاملاً للاقتصاد اللبنانيّ. إذ تشير الأرقام إلى أنّه في العام 2020، سيصل مجموع استحقاقات ديون الدولة إلى 15 مليار(4.8 مليارات دولار یوروبوندز، والباقي سندات خزينة وخدمة الدَين)، وسيصل العجز في الميزان التجاري إلى 19 مليار ​دولار (في حين بلغ 16 مليار دولار عام2018)، وعجز ​الموازنة​ 9 مليارات دولار، ​كذلك سيصل الدَين العام​ إلى أكثر من 100 مليار دولار، ومعدّل النمو سيكون سلبياً، وسيخصص أكثر من 60% من الموازنة العامة لخدمة الدَين العام، وسیصل معدّل البطالة إلى 50%..

لذلك، فإنّ الوضع الحالي في لبنان، يتطلّب تضحياتٍ من جميع القوى السياسيّة والأفرقاء من أجل تشكيل حكومة إنقاذيّة، لإنقاذ الوضع الاقتصادي والمالي، تحظى بثقة اللبنانيين جميعاً، يكون عنوانها الإبداع والتّميّز والابتكار والنجاح من أجل تحقيق هدفها الأساسيّ، وهو الخروج من الأزمة عن طريق وضع سياساتٍ اقتصاديةٍ وماليةٍ ونقديةٍ مُتكامِلةٍ، تبدأ أوّلاً بمُعالجة أسباب وتحديات هذه الأزمة لتنتهي إلى تحسين وتطوير جميع القطاعات الإنتاجية من خلال المُساهمة في زيادة التصدير وخفض الإستيراد لسدّ عجز الميزان التجاري، بالإضافة إلى إصلاح وتنظيم القطاع المصرفي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً