أحمد عبد الرحمن

كاتب سياسي فلسطيني

الشَّهيد المصلوب على أسنان الجرّافة

بالرجوع إلى التوراة "المحرّفة" التي يعتمد عليها الصَّهاينة في تحديد مواقفهم وأفعالهم، نجد ما يدعو بشكل واضح وصريح إلى ارتكاب الجرائم والمذابح بحقّ كلّ من يعارضهم أو يخالف توجّهاتهم.

  • إنَّ ما شاهده العالم على الهواء مباشرةً، من تنكيلٍ بجثمان الشاب، هو جزء يسير مما في جعبة هذا الكيان المجرم

رُبّما كان مُفاجئاً للبعض رؤية ذلك المشهد الدامي والمروّع صباح 23 من شباط/فبراير الحالي، حيث شاهد العالم بالصوت والصورة عملية التنكيل والتمثيل والسحل البشعة بجثمان الشهيد الفلسطيني محمد الناعم، شرق مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، بواسطة جرافة عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي. 

بدا هذا المشهد كأنه لا ينتمي إلى القرن الواحد والعشرين، إذ احتوى مجموعة من التصرفات الوحشية والبربرية واللاإنسانية، كنا نعتقد أنها انتهت منذ زمنٍ طويل، ولكن عندما نستذكر بعضاً من تاريخ هذا الكيان المجرم، يزول الكثير من علامات التعجب، وينتفي الكثير من مظاهر الاستغراب، فتاريخ هذا العدو مليء بالجرائم والمذابح التي يندى لها الجبين، وهي نتاج عقيدة متأصّلة في عقله الباطني، وليست نتاج عمليات فردية تقع تحت تأثير أحداث معيّنة.

ففي آذار/مارس 2003، تكررت هذه العملية بحذافيرها تقريباً مع المتضامنة الأميركية راشيل كوري في مدينة رفح جنوب القطاع، إذ دهستها جرافة تزن أكثر من 60 طناً، وسحقتها بأسنانها الفولاذية من دون رحمة أو شفقة.

لم تكن كوري تحاول زرع عبوة ناسفة على الحدود، ولم تكن تنتمي إلى أي فصيل مقاوم. ذنبها الوحيد أنها كانت تحاول الدفاع، بجسدها النحيل، عن بيوت المدنيين الفلسطينيين في وجه آلة الهدم والدمار الصهيونية.

أما في تموز/يوليو 2015، فقد أقدم مستوطنون صهاينة يحملون العقيدة المشوّهة والمريضة نفسها على إحراق منزلٍ لعائلة دوابشة في قرية دوما جنوب مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة، إذ أشعلوا النيران بالمنزل وأهله، غير آبهين بصرخات الأطفال والنساء.

ولم يكتفوا بذلك، بل منعوا الأهالي من تقديم المساعدة لسكّان المنزل المحترق، في جريمةٍ هزّت أركان العالم الذي يغلق عينيه ويصمّ آذانه عندما يتعلَّق الأمر بالشَّعب الفلسطيني المظلوم.

هذه النماذج التي سُقناها للتدليل على إجرام هذا الكيان "الهمجي"، ليست سوى غيض من فيض تاريخه الأسود الذي لا يظهر للعالم منه إلا القليل، وما تمَّ التستر عليه وإخفاؤه أكبر بكثير مما عرفناه أو اطّلعنا عليه.

ولكنّ السؤال الأهم الذي يجب أن نتوقَّف عنده في هذا المقام: هل هذه الأفعال مجرد تصرفات فردية أو حتى جماعية وقعت تحت تأثير حدث معين، أو هي نتاج فكر وثقافة وعقيدة يحملها أولئك القتلة والسفاحون وشُذاذ الآفاق!؟

بالرجوع إلى التوراة "المحرّفة" التي يعتمد عليها الصَّهاينة في تحديد مواقفهم وأفعالهم، نجد ما يدعو بشكل واضح وصريح إلى ارتكاب الجرائم والمذابح بحقّ كلّ من يعارضهم أو يخالف توجّهاتهم، إذ نسبوا زوراً إلى النبيّ "حزقيال" قوله: "لا تشفق أعينكم، ولا تعفوا عن الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء، واقتلوا للهلاك".

وجاء في سفر "يشوع": "وأخذوا المدينة، وحرموا (أحرقوا) كلّ ما فيها، من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، بحدّ السيف".

وكذلك الحال في سفر "التثنية": "فضرباً تَضربُ سكان تلك المدينة بحدّ السيف، وتحرمها (تقتلها) بكل ما فيها من بهائمها بحدّ السيف، واجمع كلّ أمتعتها إلى وسط ساحتها، وتحرق بالنار المدينة وكلّ أمتعتها كاملة للربّ إلهك".

ما سبق كان شيئاً يسيراً مما تدعو إليه كتبهم المقدّسة "المحرّفة"، التي تحضّ على القتل والذبح والإحراق لكلّ الأمم التي يريدون السيطرة على أراضيها أو سلب خيراتها.

وفي العصر الحديث، لا زال حاخاماتهم يحرّضون ويدعون بشكل سافر وواضح إلى القتل والإرهاب، فهذا الحاخام الأكبر إبراهام شابير يقول: "نريد شباباً يهودياً يدرك أنَّ رسالته الوحيدة تطهير الأرض من المسلمين الذين يريدون منازعتنا في أرض الميعاد (فلسطين). يجب أن نتخلَّص منهم كما يتم التخلص من الميكروبات والجراثيم".

وجاء في كُتيّب نشرته القيادة الوسطى في الجيش الصهيوني في العام 1973: "ينبغي عدم الثقة بالعربي في أيِّ ظرف من الظروف. ففي الحرب، يُسمح لقواتنا وهي تهاجم العدو، بل إنها مأمورة بـ"الهالاخاه"، وهو النظام القانوني لليهودية الحاخامية المستمدة من التلمود البابلي، والذي يدعو إلى قتل المدنيين الطيبين".

وبناءً على ما تقدَّم، بات واضحاً لنا أنّ كلّ ما يقوم به العدو الصّهيونيّ من جرائم القتل والتنكيل والحرق، سواء على يد الجيش النظامي أو من خلال المستوطنين المتطرفين، لا يعدو كونه جزءاً من ثقافة متأصّلة في عقولهم، تسيطر على تصرفاتهم وأفعالهم.

وإنَّ ما تدّعيه هذه "الدولة" من حضارةٍ وديموقراطيةٍ وحرصٍ على حقوق الإنسان، ليس سوى كذبٍ وخداعٍ لذر الرماد في العيون، فأفعالها مناقضة تماماً لأقوالها، وليس لديها أيّ وازع قانونيّ أو أخلاقيّ أو دينيّ يمكن أن يكبح تصرفاتها الجامحة.

عود على بدء، إنَّ ما شاهده العالم على الهواء مباشرةً، من تنكيلٍ وسحلٍ وتقطيع لجثمان الشاب محمد الناعم، هو جزء يسير مما في جعبة هذا الكيان المجرم، الَّذي بات جمعٌ غير قليل من أعراب أمّتنا يطلب ودّه ويرجو قربه ويخشى غضبه.

لذلك، ومن خلال فهم طبيعة هذه "الدولة المارقة"، يمكن أن نستنج من دون أيِّ عناء، أنَّ الطريق الوحيد للتعامل معها والتصدي لمخططاتها هو خيار المقاومة بأشكالها كافة.

وبالمقاومة فقط، تستطيع هذه الأمة، صاحبة الحضارة الناصعة والتاريخ المجيد، أن تستعيد ألقها ورونقها، وأن تخلّص العالم من شر هذا الطاعون القاتل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً