يارا حسن

صحفية سورية

لماذا لم يُصب الروس الهلع من كورونا؟

هل تاريخ الروس مع الكوارث والحروب هو سلاحهم ضد أزمات اليوم؟

  • يظهر التقويم أن روسيا في وضع أفضل من كثير من الدول المتقدمة

تخرج إلى شوارع روسيا، فتجد الحياة طبيعية. عمل المواصلات طبيعي. الناس في الشوارع. لا متاجر أو مطاعم أو مرافق مغلقة. كل شيء يعمل كالمعتاد. لا ترى في قطار الأنفاق (المترو) إلا قلة قليلة تضع كمامات واقية أو ترتدي قفازات حافظة. تشعر بأنك في عالم موازٍ بعيد من الوباء الذي يضرب الدول ويشلّ الحياة فيها، فهل لدى الروس فعلاً مناعة من الأوبئة والكوارث كما يدّعون؟

مؤخراً، أوجد العلماء ما يُسمى التقويم الفيروسي للدول التي تخلّفت في اتخاذ الإجراءات الوقائية ضد كورونا، مثل إيطاليا، واتفقوا على أن يعتبر تسجيل أول حالة إصابة بالفيروس التاجي "كوفيد 19" بدايةً لهذا التقويم. 

وفقاً لهذا التقويم، فإن 28 شباط/فبراير هو يوم روسيا. 

يظهر التقويم أن روسيا في وضع أفضل من كثير من الدول المتقدمة، من ضمنها الولايات المتحدة الأميركية. وقد كان واضحاً من البداية مدى حرصها على عدم تكرار التجربة الإيطالية، فاتخذت السلطات إجراءات ليست مفرطة في التشدد مقارنة بالدول الأخرى، لكنها كافية للتعامل مع الوباء، فلم يتم فرض أي نوع من حظر التجوال أو تقييد الحركة الداخلية، وهو ما أكده عمدة موسكو، سيرغي سبيانين، بصفته رئيساً لإحدى البنى المخولة بمعالجة الموقف: "لا خطط لدينا لفرض حظر تجوال في العاصمة".

ما هي الإجراءات التي اتخذتها روسيا لمكافحة الوباء؟

أسّست الحكومة الروسية مركز تنسيق مختصاً بمراقبة الوضع الوبائي في روسيا ومكافحته، تمثلت أولى خطواته في فرض الحجر الصحي لأسبوعين على كل شخص يأتي من الخارج، وهو ليس أمراً سهلاً بالنسبة إلى المواطنين الروس الذين يعشقون السفر وينتشرون بكثرة حول العالم للعمل والسياحة.

وعلّقت وزارة الرياضة والشباب جميع الأنشطة الرياضية على الأراضي الروسية، بما فيها الأنشطة الدولية، حتى إشعار آخر، وشددت وزارة الدفاع الروسية إجراءاتها الاحترازية لحماية المنتسبين إلى القوات المسلحة من الفيروس. وتم إجراء فحص لكل قادة الجيش، وأُلغيت كل البعثات العسكرية من وإلى الخارج، ومنع الجنود من الحصول على الإجازات، للحؤول دون تفشي العدوى.

ومن بين الإجراءات الوقائية المهمة التي اتّخذت، تقليص الرحلات من روسيا وإليها. وتم الاكتفاء بمقسم (ترمينال) واحد في كل مطار، وإغلاق البقية حتى 1 أيار/مايو. وتمّ تحويل الجامعات والمدارس إلى أسلوب الدراسة عن بعد (أونلاين) بعد تعليق التعليم في مدارس العاصمة حتى 12 نيسان/أبريل، ولكن في الوقت نفسه، لم يتم تعطيل رياض الأطفال، وترك الخيار فيها لأولياء الأمور، وهو ما أثار علامات استفهام، فلماذا لم يتم إغلاقها؟ 

هنا، علينا أن نفهم طبيعة المجتمع الروسي وظروف حياة أفراده، فمن غير الممكن أن لا يعمل الوالدان معاً، ولساعات طويلة، لتأمين لقمة العيش والحياة الكريمة للعائلة. 

في هذه الحالة، لا يوجد خيار أمام العائلات للعناية بأبنائها خلال الغياب الطويل عن المنزل سوى رياض الأطفال. وفي ظروف انتشار كورونا، فإن هذه القاعدة تنطبق في الدرجة الأولى على كل العاملين في القطاع الصحي والمؤسّسات المنخرطة في معالجة الموقف، كالدفاع المدني مثلاً. يُذكر أن رياض الأطفال في روسيا تقدم رعاية مميزة، وتحظى باهتمام كبير من الدولة، وتُرصد لها ميزانية كبيرة.

على صعيد آخر، وجّهت الحكومة الروسية أرباب العمل إلى تقليص عدد الموظفين الذين يعملون في المكاتب، وشجّعت على الانتقال إلى العمل عن بعد عند المقدرة. وقد انتقلت شركات كثيرة إلى هذا النظام فعلاً.

وكان للصحافة أيضاً حصة من الإجراءات، إذ طلب المكتب الصحافي للكرملين من الصحافيين، وخصوصاً الأجانب منهم، تجنّب حضور فعاليات الرئيس فلاديمير بوتين في حال ظهر عليهم أي أعراض، وحوّلت وزارة الخارجية الروسية مؤتمراتها الأسبوعية إلى البث المباشر عبر الإنترنت مع إمكانية إرسال الأسئلة مسبقاً، وبثت وكالة الإعلام الدولية الروسية "روسيا سيغودنيا" كل مؤتمراتها الصحافية وندواتها عبر الإنترنت.

لماذا لم يُصب الروس الهلع من كورونا؟ وهل تاريخهم مع الكوارث والحروب هو سلاحهم ضد أزمات اليوم؟

إذا اطّلعت على تاريخ هذا البلد، فقد تستنتج أن الحروب والكوارث التي عاشها الشعب الروسي عبر التاريخ انطبعت في ذاكرته الجينية الوراثية. ربما يفسر هذا الأمر تحديداً طريقة تعامله مع وباء كورونا، وإظهار عدم الاكتراث من الخطر وعدم الخوف والقلق، ولكنهم لا يريدون أن تعود أيام أسلافهم، وأزمنة الحروب والحصار، وذكريات المدن التي مات سكانها كلهم من الجوع والقصف في آن واحد، من مثل لينينغراد وستالينغراد وسيفاستوبل.

ثمة أحداث دراماتيكية تثقل ذاكرتهم، ومنها ما يعيدهم إلى تسعينيات القرن الماضي المجردة من الإنسانية، حيث لا حليب، ولا خبز، ولا ملابس، ولا أدوية، ولا دفء، ولا أمن، ولا أمان.

يعيش الروس اليوم حالة نكران مبدئية لاحتمال عودة سنين المتاجر الفارغة والانفلات الأمني وسطوة عصابات المافيا.

المواطنون اليوم يشترون سلعاً محددة، هي نفسها التي كانوا يخزنونها دائماً في أيام الحروب، من مثل عيدان الثقاب والملح والدقيق والسكر ونوع من الحبوب يسمى "غريتشكا" (قريب إلى البرغل) وزيت عباد الشمس.

بعد أن بدأت الحكومة وسلطات الأقاليم باتخاذ إجراءات حقيقية، وتوجيه تعليمات إلى الشعب حول الوقاية والاحتراز، بدأ الهلع يتسلّل إلى الأجواء، ولكن على نحو بطيء وخفيف.

لم نشهد حتى الآن أي حالة ذعر حقيقية. يمكنك ملاحظة بعض الرفوف الفارغة في المتاجر مع مخطوطة ورقية تحمل عبارة: "نعتذر، البضاعة في طريقها إليكم"، وهو ما يوحي بالطمأنينة إلى أن الحكومة ما زالت تسيطر على الوضع، بحسب تصريحات الرئيس الروسي.

يُذكر أن عدد المصابين بالفيروس في روسيا بلغ أكثر من 360 وفقاً لمركز مكافحة وباء كورونا في موسكو.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً