أحمد الزين

كاتب لبناني

وباء في خدمة التطبيع.. حتى أنتِ يا كورونا!

فيروس كورونا هو تحدٍّ سياسي وثقافي أيضاً، ويجب أن نحجر عقولنا عن الأوبئة الثقافية والإعلامية، من خلال تعزيز وعينا وبصيرتنا.

  • طبيب إسرائيلي يحمل عينة فحص لفيروس كورونا (أ.ف.ب)

لا شكَّ في أن فيروس كورونا المصنّف وباءً عالمياً أحدث حالةً من الهلع والتخبّط في العالم، نتيجة سوء التوجيه، وتسارع الأحداث، وغياب الدور الإعلامي في تأطير الأزمة بناءً على حجمها الحقيقي، وتوعية الناس بدلاً من بثّ الصور النمطيَّة والمواقف السياسيَّة وغيرها من الممارسات البعيدة كلّ البعد عن دور الإعلام، والفشل في بناء ثقافة الأزمة، وخصوصاً أن البيئة العالمية باستعدادها النفسيّ الهشّ، لا تملك الوعي الكافي الذي يخوّلها تلقّف الأخبار بمسؤولية، بعيداً عن الوقوع في فخّ التضليل وبث الشائعات.

وقد لوحظ منذ بداية تفشي كورونا في الصين كيفية تعاطي الإعلام الغربي مع الحدث، إذ يتبيَّن أن الاستثمار السياسي يكمن في صلب عقيدته الإعلامية، وقد تماهى مع هذا الأداء الكثير من وسائل الإعلام العربية.

ومن ضمن أوجه الاستثمار السياسي، برز في الآونة الأخيرة سؤال مشبوه طرحه بعض الوجوه العربية، وهو: "ماذا لو كان علاج كورونا إسرائيلياً؟" وهو سؤال ذو طابع ترويجي لمفهوم التطبيع، لكنه يأتي هذه المرة من باب الحاجة الإنسانية، فهو لا يعمل على تصوير العدوّ من زاوية التفوق التكنولوجيّ فحسب، بل من ناحية إنسانيّة أيضاً، وكأن الخيار أمام المواطن العربي بات إما التطبيع وإما الموت!

ولكن حتى لو لم يحصل هذا الأمر (اكتشاف "إسرائيل" للعلاج)، فإن مجرد طرح السؤال يرخي بظلاله على الوعي السياسي للفرد، الذي سيطرح أسئلة ضمنية كثيرة، وسيواجه تخبطاً وحرجاً في الإجابة على هكذا طروحات مشبوهة في المستقبل.

الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى فهم مسألة التقدّم العلمي وكيفية التعامل معها، وأيضاً خلفيات الطرح. في الحقيقة، إنَّ الابتكارات العلمية الكبرى لا تعود في أساسها إلى بلد معيَّن، بل تأخذ طابع العالمية، وخصوصاً حين نتحدّث عن مسألة تمسّ البشرية جمعاء، كحالة فيروس "كورونا"، بمعنى أنَّ أي علاج يتم اكتشافه سوف يأخذ منحى أممياً، حتى لو شارك في اكتشافه أو تطويره علماء ينتمون إلى الكيان الإسرائيلي، فالكثير من الاكتشافات التكنولوجية ساهم في تطويرها علماء إسرائيليون، ونحن نستخدمها، ليس من باب التطبيع، بل لأن أي تطور في أي مسار من المسارات العلمية هو بمثابة إضافة للإنسانية جمعاء.

من الناحية العلميّة، لم يعد التقدم حكراً على دولة ما، وكون الوباء يهدد الدول كافة، فإن العمل على إيجاد العلاج سينطلق من كل هذه الدول. 

إذا كان ممكناً إيجاد العلاج في هذه الدول كما بات يتم الرهان على علمائها، فإنه ليس من الطبيعي أن يتم طرح فرضية اكتشاف العدو الإسرائيلي لدواء لكورونا قبل تلك الدول ودون غيره، فما الذي يجعل "إسرائيل" سباقةً في اكتشاف العلاج؟ 

في الإطار السياسي، إن طرح أسئلة مبطّنة وافتراضية من هذا القبيل (على تماس مباشر مع الإيديولوجيا والوعي السياسي) على الفرد هو طرح غير بريء، لأنك إذا سألتني كمريض، فإن من مصلحتي أن أتناول الدواء لأشفى من المرض.

أما في مقياس الدول، فإن مقاربة العقل الحاكم لهذه الطروحات تنطلق من دراسة عميقة للأولويات القومية والمصالح العامة، ومن خلال استشراف التداعيات بعيدة المدى التي يمكن أن تضر بالأمة أكثر من موت الأفراد بمفهومه المادي، فمن خلال تأملنا للواقع، نجد أن مجتمعنا قدم تضحيات كثيرة في سبيل رفض التطبيع، على الرغم من أنه يُطرح دائماً كبديل من الواقع الاقتصادي المزري الذي تعيشه أمّتنا، لكن مقاربة الممانعون لهذا الموضوع تنطلق من رؤية واضحة بأن الكلفة المعنوية للتطبيع تُعد باهظةً أكثر من الكلفة المادية والبشرية لسياسة الرفض والمقاومة.

ما يهمّنا ويكفينا في أيّ طرح من هذا القبيل معرفة أنّ هذا الكيان والجهات التي تقف خلفه، هم الأساس في الخراب الذي نعيشه، وأن أيّ نهضة حقيقية وتحرر حقيقي لا يمكن أن يكونا من دون تضحيات وخسائر، الأمر الذي يجب أن يكون حافزاً لنا في مسار التحرر العلمي والتكنولوجي والاقتصادي.

فيروس كورونا هو تحدٍّ سياسي وثقافي أيضاً، ويجب أن نحجر عقولنا عن الأوبئة الثقافية والإعلامية، من خلال تعزيز وعينا وبصيرتنا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً