ترامب و"متلازمة" إلداد

مرعي حطّيني

صحافي فلسطيني
ربما القلّة القليلة من بين القرّاء العرب تعرف آرييه إلداد. هو ليس طفلاً مصاباً بمتلازمة من تلك المتلازمات التي تُخلق مع الأطفال منذ ولادتهم مثل متلازمة داون أو متلازمة ريت أو متلازمة راي أو غيرها من المتلازمات، بل هو شخص صحيح مُعافى إلا من كثير من اللوثات التي تنخر عقول أعضاء اليمين واليمين المتشدّد في إسرائيل (وليس وحدهم فقط).
الحقيقة هي أن الأهم في خطاب ترامب، وبخاصة في الشق المتعلّق بالشرق الأوسط وبالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، لم يكن في ما قاله، إنما في ما لم يقله
الحقيقة هي أن الأهم في خطاب ترامب، وبخاصة في الشق المتعلّق بالشرق الأوسط وبالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، لم يكن في ما قاله، إنما في ما لم يقله
آرييه إلداد طبيب، بروفيسور، في العقد السابع من عمره (من مواليد 1950)، شغل في السابق منصب ضابط سلاح الطب الرئيسي في الجيش الإسرائيلي، وبعد ذلك عضو كنيست عن حزب "ها إحود هالئومي" لمدة عشر سنوات. وهو قد نشأ في كنف والده يسرائيل إلداد أحد مجرمي منظمة ليحي، ومن قادتها، والذي عُرف بوصفه أحد أكبر أيديولوجيي اليمين في إسرائيل.

 

إلداد هذا أصدر في مستهل شهر نيسان / إبريل من العام الماضي (2016) كتاباً حمل عنوان "أمور نراها من هنا" ناقش فيه سؤالاً يشغل باله، وربما بال الكثير من الإسرائيليين، وهو ما الذي يحدث لزعماء اليمين الإسرائيلي عندما يصلون إلى سدّة الحكم؟ وما هو العارض، أو "المتلازمة" التي تصيبهم وتدفعهم إلى تغيير مواقفهم. فمن أصل رؤساء الحكومات اليمينيين الخمسة في إسرائيل (مناحيم بيغن واسحق شامير وأريئيل شارون وإيهود أولمرت وبنيامين نتنياهو) هناك أربعة منهم قاموا بخطوات على صعيد "السلام" مع العرب لم يكن أي من رؤساء الحكومات "اليساريين" يتجرّأ وأن يُقدِم عليها. فمناحيم بيغن قد وقّع على معاهدة السلام مع مصر (1978). وأريئيل شارون نفّذ عملية الانسحاب من قطاع غزّة (2005). وإيهود أولمرت وصل إلى ما وصل إليه في المفاوضات مع الفلسطينيين مبدياً استعداده "التنازل" عن معظم المناطق الفلسطينية المحتلة (94 – 96% منها، حسب مصادر إسرائيلية) واستعداده لتنفيذ ما عُرف حينها بـخطة "التجميع" أو "الإنطواء" كمرحلة أولى. وبعد ذلك بنيامين نتنياهو الذي أبدى استعداده للقبول بقيام دولة فلسطينية ولو بشروطه هو، الأمر الذي يعتبر خيانة لمبادئ اليمين وأنصار "أرض إسرائيل الكاملة". الاستثناء الوحيد في ذلك هو اسحق شامير الذي قال إنه سيبقى يفاوض العرب لعشرين عاماً من دون أن يعطيهم شيئاً. إلا أن الأهم من هذا كله هو أنهم جميعاً، بمن فيهم اسحق شامير، لم يُقدِموا على ضم المناطق الفلسطينية المحتلة، وبخاصة الضفة الغربية بما تعنيه لأيديولوجية اليمين الإسرائيلي، مثلما ضمّ مناحيم بيغن الجولان السوري المحتل (1981). هم لم يفعلوا ذلك ربما لأنهم رأوا "من هنا"، أي من سدّة الحكم، أموراً ومحاذير واعتبارات وخطوطاً حمراء لم تكن مرئية بالنسبة لهم وهم يتسكّعون في دهاليز المعارضة.


لماذا إلداد الآن؟

الحقيقة هي أن آرييه إلداد، وكتابه هذا، لم يفارقا ذاكرتي منذ فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأمريكية وبِدء التحضيرات لخطاب القَسَم. فكل العالم كان بانتظار الرئيس الأمريكي الجديد، وبانتظار ما سيقوله في خطابه. لأن كل كلمة يقولها قد تحمل الخلاص لهذا البلد، أو العذاب والدمار لذاك.

 

الحقيقة هي أن الأهم في خطاب ترامب، وبخاصة في الشق المتعلّق بالشرق الأوسط وبالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، لم يكن في ما قاله، إنما في ما لم يقله. فعلى الرغم من تأكيداته قبل يوم واحد من أداء القَسَم (19/1/2017) لمراسل صحيفة "إسرائيل اليوم" في واشنطن، بوعز بيسموت، إنه لن ينسى وعده في موضوع نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس إلا أنه لم ينبس ببنت شفة حول الموضوع خلال الخطاب. وكان لهذا التجاهل أن يبدو طبيعياً لولا الانطباع الذي تشكّل، خلال الحملة الانتخابية وقبيل الخطاب، بأنه سيعلن عن نقل السفارة قبل أن يلقي التحية على الحضور.

 

ومنذ ذلك اليوم، وإلى الآن، سُمِع من الإدارة الأمريكية الجديدة الكثير من التصريحات الداعمة لإسرائيل، وهو أمر طبيعي حتى في زمن إدارة باراك أوباما التي يرى اليمين الإسرائيلي إنها ألدّ أعداء إسرائيل. إلا أنه يمكن لنا أن نلاحظ هنا أمرين: الأول هو وجود بعض التمايزات بين أقطاب الإدارة الجديدة تجاه الموضوع الفلسطيني – الإسرائيلي بشكل عام. والثاني هو أن الإدارة الجديدة، في البيت الأبيض وكذلك الرئيس ترامب، بدأت بإطلاق تصريحات يمكن أن تُفهم على أكثر من وجه، سواء في موضوع نقل السفارة أو موضوع الاستيطان وفي مواضيع أخرى.

 

فما الذي حدث لترامب؟ هل تغيّر بين ليلة وضحاها وبلغ "الرُشد السياسي" خلال الساعات الأربع والعشرين الفاصلة بين مقابلته مع بوعز بيسموت وخطاب القَسَم؟ أم أنه فضّل الإبقاء على أوراقه وخططه قريبة إلى صدره من دون أن يطلع أحداً عليها ريثما تتّضح أمامه الأمور؟ 


ترامب وليبرمان وحماس

اليوم (الأربعاء 15/2/2017) يلتقي الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقبيل هذا اللقاء تبدو الأسئلة المطروحة هي عينها التي كانت مطروحة قبل خطاب القَسَم في العشرين من كانون الثاني / يناير المنصرم، وإن كانت بملحاحية أشد. ماذا عن نقل السفارة، وماذا عن الاستيطان، وماذا عن عملية السلام برمّتها، والدولة الفلسطينية؟ بالإضافة إلى مواضيع شرق أوسطية أخرى وفي مقدمها إيران والوضع في سوريا.

 

نتنياهو يذهب إلى اللقاء بعد ثماني سنوات عجاف عاشها مع إدارة أوباما (؟!)، كما يقول الكثير من الإسرائيليين، ولديه شعور بأنه أقرب ما يكون إلى صاحب البيت. وهو سيحاول أن يُسقط ترامب في فخّ حميّته الانتخابية، بأثر رجعي، وأن يدفعه إلى تحويل بعض وعوده، مثل نقل السفارة، من دائرة القول إلى دائرة الفعل. فهل سيسقط ترامب في هذا الفخّ؟

 

إن تجربة الأيام الخمسة والعشرين الماضية قد أثبتت أن ترامب مستعد للتراجع عن مواقف سبق له وأن أعلن عن تبنّيها. مثلما هو الحال في موضوعي السفارة والاستيطان بالذات. وكذلك الحال في موضوع الصين. فبعد أن خرق دونالد ترامب سياسة الصين الواحدة، التي تتّبعها الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقود، عندما اتصل هاتفياً (2/12/2016) مع رئيسة تايوان ساي إينغ وين وأثار بذلك غضب بكين، عاد وأجرى مكالمة مع نظيره الصيني شي جين بينغ أعرب خلالها عن دعمه لسياسة "الصين الواحدة".

 

فهل ترامب مصاب بـ "المتلازمة" عينها التي أشار إليها آرييه إلداد لدى اليمين الإسرائيلي وهي التي تجعله يرى الأمور "من هنا"، من موقع السلطة، على نحو مختلف عما كان يراه قبل وصوله إليه؟ وبالمناسبة، فإن هذا الأمر لا يقتصر على دول أو حكومات أو أشخاص دون سواهم. وقد يكون من المفيد التذكير هنا أن أفيغدور ليبرمان قد قال إنه إذا أصبح وزيراً للحرب في إسرائيل فإنه سيعطي مهلة 48 ساعة لرئيس الحكومة الفلسطينية (في غزّة) إسماعيل هنية، فإما أن يقوم خلالها بإعادة جثث الجنود القتلى والمدنيين الإسرائيليين الموجودين لدى حركة حماس أو أن يقوم بشراء قبر ليدفن نفسه فيه. وبالفعل، أصبح ليبرمان وزيراً للحرب في إسرائيل، ومر وقت طويل من دون أن يفعل هنية ما يريده ليبرمان، وهو ما يزال حياً يُرزق.

 

وربما لا توجد غضاضة إذا ما أشرنا إلى أن حركة حماس قد بدأت تتصرّف منذ تسلّمها زمام الأمور في قطاع غزّة بشكل مختلف. فبعد أن كانت هي من تطلق الصواريخ باتجاه إسرائيل كجزء من نهج المقاومة، وكانت مجموعاتها، وسواها، تتعرّض للاعتقال من قِبَل السلطة، أصبحت حماس اليوم هي من تقوم باعتقال مطلقي الصواريخ باتجاه إسرائيل.

 

بغضّ النظر عن مبرّرات هذا الطرف أو ذاك، فإن الأمور تبدو مختلفة من سدّة الحكم، "من هنا"، كما يقول عنوان كتاب آرييه إلداد. وبعد لقاء ترامب – نتنياهو، مساء اليوم، سيتّضح ما إذا كان ترامب يحمل هذه "المتلازمة" فعلاً.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً