كيف أصبح ثاني أوكسيد الكربون علاجاً تجميلياً؟

نجاح حمود

صحافية ومحررة في موقع الميادين نت منذ العام 2012.
المعروف أن مادة ثاني أوكسيد الكربون التي ينصح بالتخفيف من انبعاثاتها لأثرها على المناخ والتي كانت تستخدم طبياً في أوروبا لأغراض علاجية أصبح العلاج التجميلي الأكثر شيوعاً أخيراً... فكيف جرى ذلك؟!.. ( الميادين نت ) يلقي الضوء على علاج دهون الجلد (السيللوليت) وتشققاته ومشاكل عديدة بهذه المادة في الملف الطبي التجميلي.
الحقن بمادة ثاني أوكسيد الكربون يخفي الهالات السوداء حول العينين
الحقن بمادة ثاني أوكسيد الكربون يخفي الهالات السوداء حول العينين
بات علاج الحقن بمادة ثاني أوكسيد الكربون يُستخدَم في عدد مُتزايد من العيادات التجميليّة. وكان يستخدمه المجتمع الطبّي في أوروبا لأغراض علاجيّة وطبيّة منذ العام 1950. أمّا الأغراض التجميليّة الأكثر شيوعاً التي يُستخدم لأجلها فتشمل إزالة السيلوليت والتخفيف من الدهون بشكل موضعي، والحدّ من تشقّقات الجلد والترهّلات والتجاعيد.

يتمّ حقن مادة ثاني أوكسيد الكربون عادة في الوجه والرقبة واليدين والبطن والفخدين. ويجري حقن كميات صغيرة منه عبر إبرة رفيعة متّصلة بأنبوب يضخّ كميّات صغيرة جداً تحت الجلد، عبر استخدام جهاز مُصمّم خصيصاً ليضخّه بكميّات مُحدّدة.

لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن كيف يمكن لهذا الغاز الذي ينصح بتخفيف انبعاثه لأثره على المناخ، أن يُستخدم طبياً لإعادة شباب البشرة والتخفيف من السيلوليت؟

يتكوّن ثاني أوكسيد الكربون من ذرّة كربون وذرّتي أوكسيجين. وهو غاز لا لون ولا رائحة له يصدر عن الناس والحيوانات خلال عمليّة التنفّس، بينما تمتصّه النباتات والأشجار لتستخدمه في عمليّة تُدعى "التركيب الضوئي"، تساعدها على النمو، وتنتج أوكسيجيناً إضافياً لنتنفّسه.

كذلك يتمتّع ثاني أوكسيد الكربون بخصائص تجعله مفيداً للمجتمع الطبّي، وأحد هذه الخصائص قدرته على توسيع الأوعية الدمويّة من خلال جعل عضلاتها تسترخي وتتمدّد وتتوسّع، وبالتالي ينخفض ضغط الدم، ويتدفّق الدم الغني بالأوكسيجين بشكل أفضل داخل الجسم.

لقد تمّ اكتشاف فوائد ثاني أوكسيد الكربون على الصحّة في الثلاثينيّات في فرنسا، عندما لوحظ أنّ الاستحمام في أحواض تحتوي على ماء غني بهذه المادة في بعض المُنتجعات في عملية تسرّيع الشفاء من الجروح.

يستخدم المجتمع الطبّي في أوروبا علاج الحقن بثاني أوكسيد الكربون منذ أكثر من ستّين عاماً، بعد أن أجرى مجموعة من أطبّاء القلب أبحاثاً حول العلاج مستخدمين إيّاه لعلاج مرضى يعانون أمراضاً عدّة تسبّبها مشاكل تدفّق الدم وتجمّع الدهون في بعض الشرايين. وبالتالي استخدم العلاج لحلّ مشكلة السيلوليت، وهي الدهون التي تتراكم في بعض المواضع التي من المعروف أنّ دوران الدم بطيء فيها، فأصبح علاجاً تجميلياً. 


ما الطريقة التي يعمل بها علاج الحقن بثاني أوكسيد الكربون؟

يتكّون جسم الإنسان من أنواع مختلفة من خلايا تدخل في تكوين الأعضاء الأساسيّة والجلد. تقوم هذه الخلايا بوظائف مختلفة، وتحتاج جميعها إلى الطاقة لتنفيذ مهامها، وهذه الطاقة عبارة عن أوكسيجين. تأخذ الخلايا الأوكسيجين، وتطرح ثاني أوكسيد الكربون.

وبعد كلّ عملية شهيق، يدخل غاز الأوكسيجين إلى الرئتين حيث تحمله خلايا الدم الحمراء التي تعبر خلال الأوعية الدمويّة الصغيرة في الرئتين. وتستطيع كلّ خليّة دم حمراء أن تحمل أربع جزيئات أوكسيجين، فتنقلها من الرئتين إلى القلب عبر الأوعية الدمويّة. وبعدها ينقبض القلب دافعاً خلايا الدم الحمراء في رحلة حول الجسم عبر الشرايين، لتوصل الأوكسيجين إلى الأعضاء التي تحتاج إليه. وعندما تصل كريات الدم الحمراء إلى موضع ترتفع فيه نسبة ثاني أوكسيد الكربون، إمّا بسبب بذل الجهد أو بسبب الأيض الخلوي الذي تجريه خلايا معيّنة، تلقي كريات الدم الحمراء جزيئات الأوكسيجين التي تحملها لكي "تطعم" هذه الخلايا المعيّنة، ثمّ تحمل ما طرحته من ثاني أوكسيد الكربون، وتعود به إلى الرئتين حيث يتم التخلّص منه عبر الزفير، وتتكرّر هذه العمليّة بعد كلّ شهيق.

ويسود اعتقاد أنّ الشوائب في أجسامنا كالسواد تحت العيون والندبات والسيلوليت تنتج جزئياً من عدم تدفّق الدم بالشكل الكافي في هذه المواضع، ممّا يعيق وصول ما يكفي من الأوكسيجين إليها.

يعتمد علاج الحقن بثاني أوكسيد الكربون على خداع الجسم من خلال حقن موضع ما بالقليل منه، فيرسل الجسم خلايا الدم الحمراء المحمّلة بالأوكسيجين إلى ذلك الموضع لتنقل ثاني أوكسيد الكربون "المطروح" شيئاً فشيئاً إلى الرئتين حيث يتخلّص منه الجسم بشكلٍ طبيعي. ومع ارتفاع كميّة الأوكسيجين التي تصل إلى ذلك الموضع، يزداد نشاط  الخلايا، ما يؤدّي إلى تسريع أيّ عمليّة ضروريّة لتجديد شباب الموضع، كعمليّات الشفاء أو إنتاج الخلايا الجديدة.  

ثاني أوكسيد الكربون يدخل كميّة من الأوكسيجين إلى الموضع المراد علاجه فيزيد نشاط  الخلايا لتتجدد
ثاني أوكسيد الكربون يدخل كميّة من الأوكسيجين إلى الموضع المراد علاجه فيزيد نشاط الخلايا لتتجدد

ماذا يحدث خلال علاج الحقن بثاني أوكسيد الكربون؟

خلال حديث المريض أو الزبون مع الطبيب عن العلاج لأوّل مرّة، لا بدّ من الحديث عن التوقّعات حول تأثير العلاج على الجلد. كذلك يأخذ الطبيب تاريخ الشخص الطبّي للتأكّد من عدم وجود أسباب تمنع من خضوعه للعلاج. وعادةً ما يطلب التوقيع على استمارة الموافقة في هذه المرحلة، إقراراً على إدراك فوائد العلاج والمخاطر المرتبطة به.

وبالإضافة إلى ما سبق، قد يلتقط الطبيب صوراً لإجراء مقارنة للموضع قبل وبعد العلاج.


خطوات العلاج

يتم إجراء العلاج بثاني أوكسيد الكربون عادة في عيادة تجميليّة. ويشبه العلاج في طبيعته تقنيّة الميزوثيرابي Mesotherapy، وبحسب موضع الحقن، قد يستطيع الشخص رؤية الغاز خلال انتقاله عبر طبقات الجلد السطحيّة مُحدثاً نتوءاً بسيطاً. أمّا في حال استخدام العلاج للحدّ من السيلوليت، فيتم حقن ثاني أوكسيد الكربون في طبقة أعمق من الجلد. ويمكن استخدام مخدّر سطحي للحؤول دون الانزعاج  أو الشعور بالألم.


علاجات المتابعة

الحقن بثاني أوكسيد الكربون يعالج تشقّقات الجلد وخاصة التي تميل إلى اللون الأبيض
الحقن بثاني أوكسيد الكربون يعالج تشقّقات الجلد وخاصة التي تميل إلى اللون الأبيض
في حال استخدام الحقن بثاني أوكسيد الكربون لعلاج تشقّقات الجلد، يعطي العلاج نتائج أفضل عندما تكون التشقّقات جديدة وحمراء اللون من التي يعطيها عندما يبهت لونها وتميل إلى البياض. وفي أغلب الأحيان، تحتاج التشقّقات الجديدة إلى جلسة علاج واحدة في الأسبوع لمدّة أسبوعين أو ثلاثة، غير أنّ جلسة واحدة قد تكفي أحياناً حسب حدّة التشقّقات.

أمّا التشقّقات القديمة فتحتاج إلى ثلاث أو أربع جلسات علاج في الأسبوع لمدّة ثلاثة أو أربعة أسابيع.

وفي حال اللجوء لهذا العلاج للتخفيف من السيلوليت، يرافق حقن ثاني أوكسيد الكربون تحت الجلد عملية تدليك يدوي للمساعدة على توزيع الغاز بالتساوي ونشره بين الأنسجة. المعروف أن ثاني أوكسيد الكربون يقتل الخلايا الدهنيّة بكلّ ما للكلمة من معنى من خلال تفعيل ردّ فعل أيضي لحرق الدهون داخل الجسم.

كذلك يؤدّي الحقن بهذه المادة إلى اتّساع الأوردة الدمويّة الصغيرة المحيطة بالخلايا الدهنيّة، وبالتالي إلى ارتفاع كميّة الأوكسيجين وتدفّق دم إضافي إلى المنطقة المُعالجة، ممّا يزيل السوائل والسموم المتراكمة بين الخلايا، فيفعّل بذلك تصريفاً لمفاوياً، ويزيد من مرونة طبقات الجلد من خلال تعزيز إنتاج الكولاجين الجديد، لينعكس ذلك على طبقات الجلد السطحيّة وتظهر النتائج فوراً فتغدو طبقة الجلد ملساء وناعمة وخالية من التكتّلات الناجمة عن تراكم الدهون.

يستمر حرق الدهون بشكل طبيعي، ومع الوقت، يصبح الموضع المعالج مشدوداً أكثر، ويغدو حجمه أقل. ومع ذلك، قد يحتاج الشخص إلى جلسات إضافيّة كلّ ستّة أشهر للحفاظ على النتائج التي حصل عليها في الفترة السابقة. ويستطيع معظم الذين خضعوا لهذا العلاج العودة إلى ممارسة أعمالهم ونشاطهم وحياتهم اليوميّة مباشرةً بعد العلاج.


هل هناك مخاطر ومضاعفات مُحتملة لعلاج الحقن بثاني أوكسيد الكربون؟

بشكلٍ عام يُعتبر العلاج بثاني أوكسيد الكربون غير مؤلم، إلّا أنّ البعض قد يشعر بانزعاج بسيط أو ببعض الضغط أو الوخز عند حقن الغاز في الأنسجة، وفي هذه الحال يمكن استخدام مخدّر سطحي إن لزم الأمر.

وتشمل الأعراض الجانبيّة تورّماً خفيفاً واحمراراً (بسبب توسّع الأوعية الدمويّة)، أو ظهور بعض الكدمات، والشعور بالألم عند مواضع الحقن. وتستمر هذه الأعراض لمدّة تتراوح بين يوم وخمسة أيام بحسب المنطقة المعالجة. وفي حال استخدم العلاج للتخفيف من السيلوليت، قد يشعر الشخص بسخونة في المنطقة المُعالجة تدوم لأربع وعشرين ساعة كحدٍ أقصى. لكن من النادر جداً أن يتسبّب هذا العلاج بندبات دائمة.

بعد الخضوع للعلاج بثاني أوكسيد الكربون، من المهم اتباع ما أوصى به الطبيب بعناية للحصول على أفضل النتائج، وللتخفيف من احتمال حدوث أيّ مضاعفات. وقد يوصي الطبيب أيضاً بتجنّب الاستحمام أو السباحة خلال الساعات القليلة الأولى بعد الحقن.


إقرأ أيضاً :