العربي المُسافر

فؤاد الحاج

صحافي فلسطيني مُقيم في الدانمرك
وقف على الشاطئ، ينظر إلى الموج الآتي من بعيد، كان المشهد قاسياً ومخيفاً، قساوة البحر الذي ابتلع آلاف الهاربين من حجيم البنادق والبارود. تأمّل المدى الذي سيشقّ طريقه الجديد إليه، لم ير إلا عذابات أمّته ودماءها، ترك وطنه مشظاً يكابد الجراح، ما أشدّ سكاكين الأبناء عندما تطعن أوطانها، تنغرس بلا رحمة.
عندما تكون في قلب الجحيم فما عليك إلا إكمال الطريق.
عندما تكون في قلب الجحيم فما عليك إلا إكمال الطريق.
عندما ضاقت بلاد الضادّ به وبأمثاله، قرّر الابتعاد عنها، علها تشتاقه وهو الذي أحبها حدّ العشق والابتلاء _ لا شي يماثل متعة الابتلاء بعشق الوطن _ توجّه قاصداً بلاداً يصفها المتنّور بالحرة، والعنصري بالكافرة، أما القاتل فيصفها بالمتآمرة. وصل هناك بعد عناء، استقبلته البلاد الجديدة بابتسامة لم يعهدها من قبل، أهي بسمة المُشفق، أم أنها عادات الناس الذين يؤمنون بحق الإنسان في الحياة الكريمة. تنقّل من مكان إلى آخر ومن مركز إيواء إلى آخر، سمع قصصاً وأهوالاً، شاهد ندوب المعارك على أجساد الهاربين و أرواحهم، تذكّر مقولة صديقه السوداني عندما كان في الجامعة،جروح الجسد تُشفى، لكن جراح النفوس تبقى معك إلى أن ترحلا سوياً.

روى أحد الذي غرقت بهم المراكب في بحر ليبيا، لم أكن أمتلك المال الكافي لشراء سترة نجاة، أريد توفير ما تبقّى معي لأكمل الطريق عندما أصل إيطاليا، كانت القوارب التي صعدنا إليها مهترئة ولكن لا مجال في مجادلة المهرّبين، أمر الصعود للقارب كالأمر العسكري، الرفض يعني القتل، أخذ مكانه وجلس القرفصاء وبدأ المركب بالإبحار، بعد ساعات بدأ الماء يتسلّل إلى القارب المتهالك، والموج القوي يحرّكه كعلبة الكبريت، لم يسمع حينها شيئاً، صمّ هول اللحظة آذانه، كان يبحث عن النجاة فقط، رأى عجوزاً ستينّية مرتدية سترة نجاة، يطفو جسدها بعد أن وافتها المنية، تعلّق بها، يا لها من مفارقة قاسية، في كل مكان يسارع الأحياء لانتشال جثث الأموات، إلا أبناء أمّتي، أنقذ الميت الحيّ.

وقع بصر العربي وهو يبحث في أخبار الهاربين، على قصة شابين تعبا من الانتظار في اليونان وتناقص النقود، قررا المسير، كان التوقيت الخطأ، سافرا عبر الجبال البيضاء، وسلكا أراض لم تطأها أقدام إنسان، غابت أخبارهما، لكنهما بعد فترة تحوّلا إلى الخبر التالي:العثور على جثتين متجمّدتين "متعانقتين" في جبال صربيا.

ثارت الأسئلة في رأس العربي كإعصار، من قتل كل هؤلاء؟ ولماذا قتلوا؟ ومن سيأخذ لهم حقهم؟ ثم جاءت الأسئلة الأكبر، لماذا اختارتنا الأقدار لنكون نحن قربان هذا العالم؟ وهل فعلاً نحن ضحايا مؤامرات تُحاك في الخارج؟ أم نحن من فعل ذلك بأنفسنا؟ من اقتلع أزهار بلادي؟مرّت الأيام، لا استطاع الهاربون نسيان أوطانهم التي أحبّوها  بالرغم من كل الألم والدم، ولا تمكّنوا من الاندماج في بلادهم الجديدة، إنها حمى الوطن.تعب من الوحدة والفراق والحياة بلا عمل وهو العامل النشيط، قرّر الاستدارة من جديد والعودة إلى البلاد التي لفظته، فقد اشتاق لحضن أمّه واشتاق تقبيل يد أبيه واشتاق مجالسة أهل الحارة والتحدّث إليهم.تذكّر وهو حامل حقيبته ينتظر القطار في المحطة قول تشرتشل:عندما تكون في قلب الجحيم فما عليك إلا إكمال الطريق.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً