سوريا .. مُقاربة الجندرة من منظور دستوري

حبيب شحادة

كاتب سوري
لا بدّ من مقاربة جديدة تنطلق من زاوية الدستور في أن يكون دستوراً متوافقاً مع منظور الجندر. ومرّد ذلك يعود إلى انتشار الثقافة الذكورية وضعف الحياة السياسية والحزبية، أي أنه لابدّ من تدخّل الدولة عبر الكوتا الدستورية لضمان مُشاركة فعّالة للمرآة في الحياة السياسية، وحيث أن الدستور يستمدّ شرعيته من السيادة الشعبية. والمرأة جزء من الشعب الذي يتحدّث الدستور باسمه يجب الاعتراف بالمرأة عضواً مُساوياً للرجل.
لا بدّ من مقاربة جديدة تنطلق من زاوية الدستور في أن يكون متوافقاً مع منظور الجندر
لا بدّ من مقاربة جديدة تنطلق من زاوية الدستور في أن يكون متوافقاً مع منظور الجندر
 في الوقت الذي بدأ فيه الكثير من الدول العمل على جندرة دساتيرها بما يتوافق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة من خلال إجراء تدخّلي مُؤقت يُدخل نصوصاً ومواد في دساتيرها تكفل حق المرأة سياسياً ونيابياً وهو ما يُعرف بالكوتا الدستورية. بقي الواقع السوري يرزح تحت وطأة  نصوص وقوانين تمييزية، وتحت أعراف وتقاليد ومفاهيم دينية  مُقيّدة للمرأة في أحسن أحوالها.


حيث أن قضية مُشاركة  المرآة في الحياة السياسية بقيت مُتأرجحة بين داعم للفكرة ورافض لها، تبعاً لتقلّبات السلطة السياسية حيث حصلت المرأة على حقّها في الانتخاب فقط  ولأول مرّة عام 1947. وعلى خلاف المؤتمر السوري الأول 1919. وفترة الانتداب الفرنسي (1920-1946) اللذين حرّما المرأة من حقّها في المشاركة. منح  دستور عام 1953 المرأة ليس فقط حقّ الانتخاب وإنما حقّها في الترشّح أيضاً.


بعد ذلك  وعلى الرغم من توسيع الخيارات للمرأة وتمتّعها بمزايا مُعيّنة ودخولها البرلمان ، إلا أنه ما يزال هُناك الكثير من المعوقات التي تحول دون وصولها إلى سدّة المسؤولية السياسية ومواقع صُنع القرار. وماتزال قضية تمثيلها تُعاني انتقاصاً فعلياً في حقوقها السياسية و حتى المدنية. فظلّت قضية تمثيلها شكلية تجميلية ( ديكور).


نتيجة الأزمة- الحرب السورية والتي كانت المرأة إحدى ضحاياها. فإنه لم يعد مقبولاً اعتبار قضية المرأة وتمثيلها السياسي والنيابي مُجرّد مسألة خاصة بها وبمدى قُدرتها على انتزاع حقوقها وتفعيلها. بل هي قضية مُجتمعية يتطلّب حلّها  بطريقة مختلفة عن المُقاربات السابقة وتحديداً مُقاربة التمكين الاقتصادي. كون الاستقلال المادي ليس قادراً بمفرده – أمام ثقل مفاعيل  العادات والتقاليد - على تخطّي المعوقات الثقافية  والاجتماعية.


انطلاقاً من  ذلك لا بدّ من مقاربة جديدة تنطلق من زاوية الدستور في أن يكون دستوراً متوافقاً مع منظور الجندر. ومرّد ذلك يعود  إلى انتشار الثقافة الذكورية وضعف الحياة السياسية والحزبية، أي أنه لابدّ من تدخّل الدولة عبر الكوتا الدستورية لضمان مُشاركة فعّالة للمرآة في الحياة السياسية، وحيث أن الدستور يستمدّ شرعيته من السيادة الشعبية. والمرأة جزء من الشعب الذي يتحدّث الدستور باسمه يجب الاعتراف بالمرأة عضواً مُساوياً للرجل.


وُتعدّ الكوتا الدستورية فرصة عبور مرحلية بيد المرأة نحو المجالس النيابية عبر تخصيص حصّة مُعيّنة للنساء من مجموع مقاعد البرلمان، والهدف منها ( الغرَض من تحديد النسبة) هو أن تكون وسيلة للوصول إلى هدف المناصفة بين النساء والرجال كآلية لتحقيق التساوي التام. وهُناك اليوم أكثر من (90) دولة في العالم تُطبّق نظام الكوتا على أساس النوع الاجتماعي في تشكيل برلماناتها. بالتالي الكوتا عبارة عن طريقة استثنائية في تكوين المجالس، أي أنها لا تُطبّق بصورة دائمة بل مؤقّتة، تُحدّد لها فترة زمنية بحسب ظروف كل بلد، وهذه الفترة عبارة عن مهلة تُعطى من جهة للمجتمع كي يألف وجود المرأة على الساحة السياسية. كما تُعطى للمرأة من جهة أخرى كي تتزوّد بالخبرة الضرورية في هذا المجال الذي اسُتبعدَت عنه. و بيّنت الممارسة أن مُجرّد النصّ على الكوتا النسائية في الدساتير وحده لا يكفي، بل ينبغي أن يقترن بإجراءات مُلزِمة أخرى لتحقيق الغاية الحقيقية منها والتركيز على المضمون وليس العدد فقط. ومن هذه الإجراءات مثلاً اختيار النظام الانتخابي الأفضل.


وبالعودة إلى الواقع السوري نجد أن موضوع الكوتا الدستورية لم يُلحظ في أي دستور سوري. ولا حتى في المُسوّدة الروسية للدستور، وإنما اقتصر الأمر على النصّ على مشاركة المرأة في الحياة السياسية من دون تحديد آلية واضحة لهذه المشاركة.


كنتيجة لذلك  برزَت من  رَحم الأزمة مشاريع نسوية عدّة في إطار المجتمع المدني تدعو إلى جندرة الدستور تلقّفها المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا عبر إنشائه " المجلس الاستشاري النسوي" والذي جاء استجابة لمُطالبة  النساء السوريات في أن يكون لهن دور فاعل في العملية السياسية ورسم ملامح سوريا المستقبل. وليكون عوناً له في المفاوضات بين أطراف الصراع. حيث استند دي مستورا في هذه الناحية إلى قرار مجلس الأمن 1325 الصادر عام 2000 والذي يدعو الدول  إلى زيادة تمثيل المرأة في جميع مستويات صنع القرار. ودعا إلى تخصيص نسبة 30% للنساء في الورقة التي قدّمها في نهاية جنيف4 (3/3/2017) بعد أن كان يدعو إلى ضرورة مُشاركة فعّالة للمرأة في العملية التفاوضية.


أخيراً نُشير إلى أن حقوق المرأة هي جزء من المشروع الوطني السوري ويجب أن تكون ضمن أية عملية انتقال سياسي عبر إشراك النساء في عملية بناء سوريا مُشاركة  كاملة ومتساوية  بما يُسهم في بناء المجتمع  بناءً سليماً  يُحقّق من خلاله  دولة المواطنة.  

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً