ويلٌ للشجيّ

علي السقا

كاتب ومحرر في موقع الميادين منذ العام 2012. عمل خلال الأعوام 2007 - 2016 في صحيفتي السفير والأخبار اللبنانيتين وغيرهما.
الراعش خوفاً مثل من يعاين الموت بلا حيلة لوقفه. يراه في خراب الصروح، وفي ذهاب الديار والأعمار. لا عزاء له سوى ابتسامة صغيرة تعيد إليه شيئاً من الدفء. ابتسامة فيها أجمل سرّ قرر أن يبوح به الرب. الخائف يبحث عمّا ليس له.
كل حياة مشبعة بموت آخرين (اللوحة لنادين فغالي)
كل حياة مشبعة بموت آخرين (اللوحة لنادين فغالي)
ويلٌ للشجيّ إذ لا يجد من يؤاسيه. وهو بقدر ما يؤلمه غياب المؤاسين، يوجعه يده التي عليه إمساكها بعد بذل. يؤلمه أن يجبر على التقطر بعد سخاء عظيم. الكرم مقتلة الكرام.

***

أنت لست أنت. أنت كل الذي مضى. ثمانونك التي ستنظر من أقاصيها إلى ماضيك، ستجعله بفرحه وحزنه سائغاً سريع الهضم. ستعاين انتصاراتك وانكساراتك من فوق. ستراها بغير طمع بها مثلما يرى الطير المتخم فريسته. ستترنم بذلك. في ثمانين عمرك لن يكون حملٌ آخر فوق أكتافك، سوى انتظارك المشوق لعينيك تغمضهما على افتراس الراحة.

***

سأظل أسأل أولئك الذين يحبّون، كيف لا تفتحون راحاتكم مثل كنوز معروضة؟ كيف تحبون وأنتم تقبضون أيديكم بخلاً؟ الحق أقول لكم. الحب إن لم يكن سخياً، متفتحاً عن آخره، مثل زهرة تتضوع برحيقها حباً بالعابرين، يموت.   

***

وهبها ما لم يهبه لأحد، وسلبته ما لا يريده أن يُسلب. وهبته ما لم تهبه لأحد، وسلبها ما لا تريده أن يُسلب منها. المحبّان يهبان مثلما تجود الأمّ. المحبّان يسلبان بعضهما مثل جنديين لا خيار لهما إلا قتل أحدهما الآخر حتى يظفر واحدهما بحياة جديدة. لكن الظافر منهما سيظل يتذكر أن حياته مفعمة بموت الآخر وأنها لولا قتله ما كانت. كل حياة مشبعة بموت آخرين.   

***

أحياناً يكون الظمأ لكلمة بعينها، تجهد في سبيل سماعها كما لو أنها تخرج من فمٍ أبكم. كلمة، نعمة، تحط بين يديك مثل كفاف يغني الجائع من الموت، لكنه لا يتخمه. كلمة تومض مثل نجم في ليل مدلهم السواد، يشّع منيراً دربك المظلم والموحش. شعلة ذهبية في آخر الطريق. كلمة يتكئ عليها الناس في أعظم لحظاتهم وهناً. هكذا يترقب المحبّ سماع كلمة أحبك.

***

الراعش خوفاً مثل من يعاين الموت بلا حيلة لوقفه. يراه في خراب الصروح، وفي ذهاب الديار والاعمار. لا عزاء له سوى ابتسامة صغيرة تعيد إليه شيئاً من الدفء. إبتسامة فيها أجمل سرّ قرر أن يبوح به الرب. الخائف يبكي ما ليس له.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً