مسلسل الجماعة ومأساة الإخوان ومأساة المسلمين

علي أبو الخير

كاتب مصري.
لقد جاء المسلسل ليدخل به الإخوان المسلمون كل بيت، وعرف كثيرون كيف نشأت الجماعة، وغضب الإخوان من المسلسل رغم أن كل ما جاء به مدوّن في مراجع قرأنا أغلبها قبل المسلسل بعقود، ولكن المسلسل لم يتطرّق للسنوات التي سبقت التأسيس، ربما لأنه لا يُعالِج التاريخ بقدر ما يُعالِج الأحداث درامياً.
غضب الإخوان من المسلسل رغم أن كل ما جاء به مدوّن في المراجع
غضب الإخوان من المسلسل رغم أن كل ما جاء به مدوّن في المراجع
نكتب عن مسلسل «الجماعة 2» بعد أن هدأت النفوس قليلاً، و"مسلسل الجماعة 1" الذي أُذيع عام 2010، أي قبل ثورة كانون ثاني/يناير 2011، أي قبل وصول الجماعة للحُكم عام 2012، وقال الإخوان إنهم سوف يخرجون مسلسلاً عن أنفسهم من وجهة نظرهم، ولكن الكاتب وحيد حامد اعترض وقال سأكتب ونخرج "الجماعة 2"، ولكن الإخوان سقطوا من الحكم، وأذيع المسلسل "الجماعة 2" في شهر رمضان الماضي.

لقد جاء المسلسل ليدخل به الإخوان المسلمون كل بيت، وعرف كثيرون كيف نشأت الجماعة، وغضب الإخوان من المسلسل رغم أن كل ما جاء به مدوّن في مراجع قرأنا أغلبها قبل المسلسل بعقود، ولكن المسلسل لم يتطرّق للسنوات التي سبقت التأسيس، ربما لأنه لا يُعالِج التاريخ بقدر ما يُعالِج الأحداث درامياً، فلقد كانت سنوات ما قبل النشأة توحي بضرورة نشأتها، حيث انهارت الخلافة العثمانية رسمياً عام 1924 وصار المسلمون ولأول مرة من دون خليفة، وبعد سقوطها بأيام عقد الملك فؤاد مؤتمراً ليجعل نفسه خليفة للمسلمين وفشل، وقام الملك عبد العزيز آل سعود بقطع الطريق عليه عندما استولى على الحجاز عام  1926، وجعله عنواناً لشرعية حكمه، ثم صدر كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق ينفى فيه أن الخلافة من ضرورات الدين، وهاج العوام وحاكمه علماء الأزهر وسحبوا عالميته، فقد اعتبروا الخلافة من ضرورات الدين، وكان الجو مهيّأ لمن يملأ الفراغ الناشئ عن فقدان الخلافة، وبالفعل كان الإخوان المسلمون هم من حاولوا ملء ذلك الفراغ، ولكنهم جماعة دينية في النهاية لا أكثر ولا أقل، ويوجد في مصر ملك ونظام شبه ليبرالى لا يحتاج لبيعة، فاستدركوا الأمر فجعلوا الجماعة بديلاً عن الخلافة، فصارت البيعة للمُرشد مرادفة لبيعة الخلفاء، والبيعة على القرآن والسيف، أي أن الخارج عنها خارج على الخليفة أي خارج على الإسلام يستحق القتل، واستنكروا ما جاء به علماء التنوير الأفغاني ومحمّد عبده وغيرهم، فدمجوا بين حق الله وحق الآدمي، ورفضوا أن حق الله ديني وحق الإنسان مدني اجتماعي، وأن حق الله يرعاه الفقهاء، وحق الإنسان ترعاه الدولة، ومن ثم وقعوا في فخ الإسلام السياسي الرديء الذي عاشت عليه الأمّة منذ فجر تأسيس الدول التي حكمت المسلمين، منذ الدولة الأموية وحتى الدولة العثمانية، وهي الدول التي تبنّت أن طاعة الخليفة واجبة حتى لو ضرب الظهر وأخذ المال، وأن المُفارِق للجماعة يموت ميتة جاهلية، وأن حق الجماعة اغتياله طالما أنه فارقها، وكل هذا أوصلهم لأن يكونوا جماعة دينية مؤسّسية موازية للأزهر الشريف أو للمؤسسة الدينية الرسمية، فرفضهم الأزهر، ثم أن يكونوا دولة موازية للدولة المصرية الحديثة الناشئة بعد ثورة 1919 الشعبية الكبرى، فرفضتهم الدولة، واستغلوا شعبيتهم المُتنامية لاستمالة الملك الشاب فاروق إلى صفوفهم، مرة بخروج تظاهرات تقول "الله مع الملك" ومرات عديدة حاول فيها الشيخ حسن البنا لقاء الملك من دون جدوى، فقد كان يريد أن يميل لهم الملك فيعطوه شرعية خارجة عن البرلمان، فيحكموا باسمه، ويعطوه بيعتهم على المصحف والسيف، فتعود الخلافة أو بعضها، ويكون البنا هو شيخ الإسلام أو فقيه الأمّة، أي أن الجماعة كانت تسعى للحكم بمنطق الإسلام السياسي الذي يفرض البيعة، ونذكر هنا كيف رفض النحاس رفضاً تاماً تنصيب الملك فاروق في الأزهر، لأنه ملك دستوري وليس خليفة، وعموماً عندما شعرت الجماعة بالضعف تجاه كل ذلك أنشأت لنفسها الجناح العسكري أو التنظيم الخاص، وهي في ذلك ككل الجماعات الأيديولوجية في كل الأديان والمُعتقدات تعمل على تأسيس جناح عسكري، وقام النظام الخاص بعمليات عنفه المشهورة، وتم حل الجماعة واغتيال المُرشد الأول، ودخلوا السجون وأُعدِم القادة، وتلك هي مأساة الإخوان الحقيقية، تريد السياسة بالدين، أو الدنيا بالآخرة، أو الجماعة بالوطن، ومن هنا اصطدمت بعُلماء الدين، وأفتى شيوخ الأزهر ضدّهم من أول النشأة وحتى اليوم.

مأساة الإخوان تكمن في مفهومهم الديني/السياسي، هم لا ينسون شيئاً ولا يتعلّمون من شيء، كما قال عنهم الراحل جمال البنا، المُفكّر والفقيه وشقيق مرشد الإخوان الأول حسن البنا، هم لا يتعلّمون من شيء، ولذلك حدثت لهم كوارث، وارتّدت الكوارث للأمّة كلها، عندما زار المُرشد الثاني "حسن الهضيبي" الملك فاروق، قال عن المقابلة: "لقاء كريم مع ملك كريم"، ولكنهم أصرّوا على التنكيل به عندما تلاقوا مع ضبّاط ثورة يوليو|تموز 1952، واعتقدوا أنهم وصلوا للحُكم، فاصطدموا بجمال عبد الناصر ورفاقه، ودخلوا السجون في عامي 1954 و 1965، وخرجوا من السجون في عهد الرئيس أنور السادات، ولم يتردّد المُرشد "عمر التلمساني" في مبايعة السادات، ولكن السادات قال في أواخر حكمه عندما حدث إرهاب الفنية العسكرية ومقتل الشيخ الذهبي وزير الأوقاف، قال السادات: "لقد كنت مخطئاً عندما أخرجتهم من السجون"، ولكن لم يسعفه الوقت فقُتل السادات، ثم جاء حسني مبارك، ولاعبهم سياسياً فترك لهم مساحات واسعة وحرية حركة فاستولوا على النقابات المهنية العملية والعمالية، وترك لهم حرية الحركة في الشارع، فانتشروا انتشار النار في الهشيم، وعندما حدثت الثورة وانتصر الإخوان في البرلمان ثم وصلوا للرئاسة، حدث عندهم هَوَس سياسي بمفهوم ديني، وحذّر الفريق "سامي عنان" رئيس أركان الجيش المصري الأسبق الإخوان من أنه ممكن أن تتكرّر أحداث عام 1954، ولكن القيادي الإخواني ردّ منذراً ومهدّداً المجلس العسكري كله، وقال : "ما حدث عام 1954 لن يحدث اليوم"، ولكنه حدث، سقط الإخوان من الحكم جميعاً، وعادوا للسجون من جديد، وصدقت مقولة جمال البنا عليهم، لأن الإخوان فعلاً لا يحسنون السياسة، أو أن تسخير الدين لخدمة الوصول للحكم هي التي تجلب الفتن وتؤصّل للإرهاب.

عل كل حال هذه تذكرة على هامش متابعتنا لمسلسل الجماعة بجزأيه الأول والثاني، فمأساة الإخوان مكرّرة مع كل النظم وفي كل الدول، أما مأساة المسلمين فهي في سيادة الفكر السياسي راكباً ظهر الدين، فلا استبداد اختفى ولا عدل شاع منذ فجر الإسلام وحتى اليوم.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً